تفسير قوله تعالى : " يخادعون الله وهو خادعهم " وقوله تعالى : " الله يستهزىء بهم "
مدة الملف
حجم الملف :
9315 KB
عدد الزيارات 1185

السؤال:

 أسـأل عـن قـوله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ إنني قرأت بعض التفاسير وخشيت أن يكون في بعضها ما يخالف مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ نريد الجواب الشافي بارك الله فيكم؟

الجواب:


الشيخ: أحب أن أنبه على قول
السائل: إنه يسأل عن قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ فإن ظاهر لفظه أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نقول الله هو الذي ينبغي إذا أراد أن يستعيذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم أن يقدمها على قول الله، فيقول مثلاً: أسأل عن هذه الآية، ثم يذكرها، أو يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ما معنى قوله تعالى كذا وكذا، وأما بالنسبة إلى سؤاله فإن مذهب أهل السنة والجماعة أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم دون تحريف، بل يجرى الكلام على ظاهره؛ لأن المتكلم به وهو الله عزَّ وجلَّ أعلم بنفسه وبغيره، غير أنه تبارك وتعالى أصدق القائلين وكلامه أفصح الكلام وأبينه ومراده عزَّ وجلَّ من عباده أن يهتدوا ولا يضلوا، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعلم بما في ربه وكلامه أصدق كلام الخلق وأفصح ومراده صلى الله عليه وسلم هداية الخلق دون ضلالهم، وهذه الصفات الأربع؛ العلم والصدق والفصاحة وإرادة الخير إذا توافرت في كلام، فقد بلغ الغاية في وجوب الأخذ بمدلوله على ظاهره، ولا يجوز أن يحرف إلى غير الظاهر، وبناء على هذه القاعدة العظيمة نقول: إن كل ما وصف الله به نفسه من الصفات فهو حق على ظاهره، ففي الآية الأولى التي ذكرها قال الله تبارك وتعالى عن المنافقين: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ قال ذلك عز وجل ليبين أن خداعهم ومكرهم دون خداع الله تعالى لهم ومكره بهم، فهو كقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. والخداع ليس وصفاً مطلقاً بالنسبة لله تعالى، ولكنه وصف في مقابلة من يخادعونه ليبيّن أنه عزَّ وجلَّ أقدر منهم على الخداع والمكر، وهذا لا شك يدل على القوة وعلى ضعف المقابل، وليس به أي نقص يتوجه إلى الله عزَّ وجلَّ، ولهذا نرى الناس إذا أرادوا أن يخدعوا شخصاً، فعرف خداعهم وخادعهم علموا أنه أقوى منهم وأشد، فالخداع في مقابلة المخادع صفة كمال، وليس صفة نقص، ويذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما بارز عمرو بن ود، وخرج إليه عمرو، قال علي: إني لم أخرج أن أبارز رجلين، فالتفت عمرو يظن أن قد رافقه آخر، فلما التفت ضربه علي، حتى أهلكه، فهذا من الخداع الجائز؛ لأن عمرو بن ود إنما خرج من أجل أن يقتل علي رضي الله عنه، والحرب خدعة فخدعه علي رضي الله عنه بهذه الكلمة، حتى قضى عليه ويعد هذا من قدرة علي رضي الله عنه وقوته في خداع خصمه، ولهذا نقول: إن الخداع والاستهزاء والمكر والكيد الذي وصف الله به نفسه إنما يوصف الله به في مقابل من فعل ذلك لا على سبيل الإطلاق، ولهذا ننبه على مسألة يقولها بعض العامة يقولون: خان الله من يخون فيظنون أن الخيانة مثل الخداع، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الخيانة خداع في غير موضعه ومكر في غير موضعه، فلا يجوز أن يوصف الله بها ولهذا قال الله تعالى:﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُم﴾ ولم يقل فخانهم؛ لأن الخيانة وصف لا يليق بالله مطلقاً؛ لأنه مذموم على كل حال.

السؤال :

قرأ في بعض التفاسير خشي أن يكون بعضهم يخالف قول أهل السنة والجماعة ومذهب أهل السنة نحب أن نطمئن هذا السائل في بعض التفاسير؟

الجواب:


الشيخ: على كل حال أقول: إن بعض المفسرين ينحون مذهب من يخرج النصوص على ظاهرها فيما يتعلق بصفات الله، فيجب الحذر من هذا المذهب؛ لأن حقيقته تحريف الكلام عن مواضعه، وليس تأويلاً صحيحاً مراداً لله عزَّ وجلَّ؛ لأن الله تعالى لو خاطب الناس بما يريد منهم خلاف ظاهره لم يكن هذا من البيان الذي التزم الله به لقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۞ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ۞فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ۞ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وفي قوله تعالى: نزلنا عليك الذكر؛ لتبين للناس ما نزل إليهم، ولا يجوز لنا أن نعدل بكلام الله فضلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في باب العقيدة ولا في باب الأحكام العملية عن ظاهره إلا بدليل؛ لأن الله خاطبنا بلسان عربي مبين، فيجب علينا أن نجري اللفظ بمقتضى هذا اللسان العربي المبين إلا إذا جاء دليل من المتكلم به على أنه لا يريد ظاهر، فحينئذٍ يفسر كلامه بعضه البعض، وأما مجرد الأوهام والتخيلات التي تكون عند بعض أهل العلم من أن إثبات هذه الصفة يقتضي التمثيل والتشريف، فإن هذه لا يجوز لنا أن نحكم بها على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها أوهام ذهب إليها من ذهب ظناً منه أن صفات الله يؤتى بها أحد المخلوقين، فيكون هذا الذي نفى الصفة يكون ممثلاً أولاً ومعطلاً ثانيا فهو ممثل الأول بحسب ظنه ووهمه معطلاً، ثانياً: لأنه نفى الصفة التي يدل عليها ظاهر كلام الله ورسوله.
السؤال :طيب يا فضيلة الشيخالله يستهزئ بهم 

الشيخ: هذه الآية كما في قلنا الآية الأولى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ وكما أشرنا إلى آية ثالثة:  ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ وإلى آية رابعة: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً۞وَأَكِيدُ كَيْداً﴾.