شرطا العبادة الصحيحة
مدة الملف
حجم الملف :
13897 KB
عدد الزيارات 2310

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإننا بمناسبة استقبال شهر ذي الحجة الذي يؤدي فيه الناس مناسكهم من حج وعمرة، والذي يتقربون إلى الله -تبارك وتعالى- فيه بذبح الأضاحي فإننا سنذكر الآن شيئاً من أحكام الحج وأحكام الأضحية.

من المعلوم أن كل عبادة لا تصح إلا بشرطين أساسين -جميع العبادات لا تصح ولا تقبل إلا بشرطين أساسين من شروط العبادة:

الشرط الأول:

الإخلاص لله تعالى؛ بأن يقصد الإنسان بعبادته مرضاة الله -سبحانه وتعالى-، والوصول إلى دار كرامته، لا يقصد بذلك شيئاً من الدنيا؛ لأن من أراد بعمله شيئاً آخر من أمور الدنيا حبط عمله، قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ۞أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:15-16] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:20] بعض الناس يذهب إلى الحج للترفه والنزهة ورؤية الناس، وبعض الناس يأخذ الحج لغيره نيابة لأجل الدنيا -لأجل المال- وكل من أراد بعمله الذي يتقرب به إلى الله شيئاً من الدنيا فإنه لا يقبل منه.
والشرط الثاني:

المتابعة للرسول -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه لا يمكن أن تقبل أي عبادة إلا على نحو ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:13] وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:21] قال ذلك منكراً عليهم، وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» فلا بد من المتابعة والإخلاص، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».

صفة حجه -عليه الصلاة والسلام-:
إذا كان لا بد من متابعة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فلا بد أن نعرف كيف حج الرسول -عليه الصلاة والسلام-، فلنذكر ذلك على سبيل الاختصار، حج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في السنة العاشرة من الهجرة ولم يحج قبلها -بعد الهجرة لم يحج -عليه الصلاة والسلام- إلا هذه الحجة- لأنها -أي: مكة - كانت إلى السنة الثامنة تحت ولاية المشركين، وفي السنة التاسعة بعث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أبا بكر -رضي الله عنه- ليكون أمير الحجيج في السنة التاسعة، وتأخر في المدينة؛ لأن الناس صاروا يفدون إلى المدينة يتعلمون أحكام الإسلام، فبقي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في المدينة وحج في السنة العاشرة، وأعلم الناس بذلك، وحج معه نحو أربعين ألفاً من المسلمين؛ فخرج من المدينة ونزل بذي الحليفة وأحرم منها، وسار إلى مكة، ولما وصل مكة طاف بالبيت سبعة أشواط: يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى، ويمشي في الأربعة الباقية، وكان مضطبعاً بردائه، والاضطباع: أن يجعل الإنسان وسط الرداء تحت إبطه الأيمن، وطرفيه على كتفه الأيسر، ولما أتم سبعة أشواط تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:125] فصلى خلف المقام ركعتين قرأ في الأولى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾[الكافرون:1] بعد الفاتحة، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1] بعد الفاتحة، وخفف هاتين الركعتين من أجل أن يخلي المكان لمن أراد أن يصلي فيه.

ثم رجع إلى الركن -أي: إلى الحجر الأسود- فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:158] أبدأ بما بدأ الله به -فبدأ بالصفا - فرقي عليه واستقبل القبلة ورفع يديه وجعل يذكر الله ويدعوه، وكان من ذكر الله الذي قاله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ثم دعا، ثم أعاد الذكر مرة ثانية ثم دعا، ثم أعاده مرة ثالثة. ثم نزل يمشي حتى نزل بطن الوادي -أي: مجرى الشعيب- وكان نازلاً فلما نزل بطن الوادي أسرع إسراعاً بالغاً حتى أن إزاره لتدور به من شدة السعي، فلما ارتفع صار يمشي إلى المروة ، أتم سبعة أشواط: من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر، فكان أول ابتداء سعيه من الصفا وآخره المروة.

ثم أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، أما هو -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فلم يتحلل؛ لأنه قد ساق الهدي، ومن ساق الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله، وأشكل على الصحابة: كيف نتحول من الحج إلى العمرة، قالوا: يا رسول الله! قد سمينا الحج، قال: «افعلوا ما آمركم به» وقال: دخلت العمرة في الحج، يعني: أن انتقالكم من الحج إلى العمرة لا يعني إفساد الحج؛ لأن العمرة دخلت في الحج، ثم انتهى من السعي وخرج -عليه الصلاة والسلام-، ونزل في الأبطح ولم ينزل في مكة من أجل أن يخليها لمن احتاج إليها، ومعه كما قلت لكم أربعون ألفاً، نزل هناك إلى أن كان يوم الثامن من ذي الحجة، فلما كان يوم الثامن من ذي الحجة ارتحل -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى منى، وأحرم المسلمون الذين حلوا من عمرتهم في ذلك اليوم، وبقي في منى صلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ولما طلعت الشمس سار إلى عرفة، ونزل في مكان يقال له: نمرة ليستريح فيه، حتى إذا زالت الشمس ارتحل -عليه الصلاة والسلام- متجهاً إلى عرفة، فنزل في بطن الوادي -أي: وادي عرنة - وخطب الناس خطبة بليغة عظيمة، ثم أذن بلال فصلى الظهر والعصر جمع تقديم.

ثم سار إلى الموقف الذي اختار أن يقف فيه في عرفة عند الصخرات شرقي عرفة، وقف راكباً على بعيره -عليه الصلاة والسلام- يدعو الله -تبارك وتعالى- إلى أن غابت الشمس، ولما غابت الشمس دفع من عرفة متجهاً إلى مزدلفة حتى وصل مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام فوقف عنده مستقبل القبلة يدعو الله -تبارك وتعالى- حتى أسفر جداً.

ثم واصل السير إلى منى وسلك الطريق الوسطى؛ لأن منى في ذلك الوقت فيها ثلاث طرق، فسلك الطريق الوسطى؛ لأنه أيسر في وصوله إلى جمرة العقبة، وبدأ بجمرة العقبة حين وصل إلى منى فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، وقال لأصحابه -وقوله لأصحابه قول لأمته- قال: «بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلوَّ في الدين» ثم بعد الرمي انصرف إلى المنحر وكان قد أهدى مائة بعير نحر منها ثلاثاً وستين بيده، وأعطى علي بن أبي طالب الباقي فنحرها، ثم أمر -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من كل بدنة بقطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [البقرة:58] ثم حلق وحل ونزل إلى مكة وطاف طواف الإفاضة ومن معه قارنين طافوا معه طواف الإفاضة، ولم يسعوا بين الصفا و المروة؛ لأنهم كانوا قد سعوا بعد طواف القدوم، أما المتمتعون الذين حلوا من العمرة فطافوا بين الصفا و المروة بعد طواف الإفاضة.

ثم رجع إلى منى وأقام فيها ثلاثة أيام بعد العيد، رمى في اليوم الأول الجمرة الأولى، ثم الوسطى ثم العقبة، يدعو بين الجمرتين الأولى والثانية، والثانية والثالثة، أما الثالثة فإنه لم يقف بعدها للدعاء.

وفي اليوم الثالث عشر نزل -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من منى بعد أن رمى الجمرات الثلاث وقبل أن يصلي الظهر، فنزل بمكان يقال له المحصَّن وفي آخر الليل أمر بالرحيل، فارتحل -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأتى المسجد الحرام فطاف طواف الوداع، وصلى الفجر، ثم رجع إلى المدينة -صلوات الله وسلامه عليه-، هذه هي الخلاصة، وقد سبق شيء كثير من أحكام الحج في اللقاء السابق.
من أحكام الأضاحي:
أما الأضاحي فهي سنة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لأنه كان يضحي كل عام، ويضحي بكبشين:

أحدهما يقول: (هذا عن محمد وآل محمد).

والثاني يقول: (هذا عن أمة محمد -عليه الصلاة والسلام- وجزاه الله عنا خيراً، والأضحية سنة مؤكدة، وقال بعض العلماء: إنها واجبة على القادر، وممن ذهب إلى ذلك في ظاهر كلامه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وهو مذهب أبي حنيفة -رحمه الله-، فالإنسان القادر يضحي إما وجوباً وإما استحباباً مؤكداً، ولكن الأضحية عمن؟ الأضحية عن الأحياء، والأموات إن أوصوا بأضحية ضحي لهم حسب وصيتهم، وإن لم يضحوا فإنه لا يضحى عنهم وإنما يكونون تبعاً، فإذا قال الإنسان: هذا عني وعن أهل بيتي، وفيهم أموات دخلوا في ذلك.

وقولنا: إنه لا يضحى لهم إلا بوصية، لا تستغربوا هذا؛ لأن خير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فهو لم يضح عن أحد من أمواته، لقد ماتت زوجته خديجة وهي من أحب زوجاته إليه ولم يضح عنها، ولقد مات له ثلاث بنات وثلاثة أبناء ولم يضح عنهم، ماتت له زينب ورقية وأم كلثوم، ومات له إبراهيم وأخواه ولم يضح عن أحد منهم، ومات له عمه حمزة وهو من أحب أعمامه إليه، استشهد في أحد -رضي الله عنه- ولم يضح عنه، وما علمنا أحداً من الصحابة ضحى عن أقاربه، ولا شك أنه لو كان خيراً لسبقونا إليه، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الإنسان إذا ضحى عن الميت لم تقبل لعدم ورود الشرع بها، لكن أكثر العلماء قالوا: إنها تقبل؛ لأنها بمنزلة الصدقة، والصدقة جاءت السنة بقبولها عن الميت.

على كل حال: لا أريد أن أزهدكم في الأضاحي عن الأموات، لكن أريد أن أدفع تلك العادة التي اعتادها بعض الناس فصاروا لا يضحون إلا عن الأموات، لا يضحي الإنسان عن نفسه وأهله، وهذا لا شك أنه خطأ، وأن الأصل في الأضحية عن الرجل وأهل بيته.
شروط الأضحية:
الأضحية لا بد فيها من شروط:

الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام.

والشرط الثاني: أن تكون بالغة للسن المحدد شرعاً.

والشرط الثالث: أن تكون سليمة من العيوب.

والشرط الرابع: أن تكون في وقت الأضاحي.
من شروط الأضحية: أن تكون من بهيمة الأنعام:
أن تكون من بهيمة الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم لقول الله تعالى:﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج:34] فمن ضحى بفرس -والفرس غال وجسمه كبير- فإن أضحيته لا تقبل، لماذا؟ لأنه ليس من بهيمة الأنعام.

من شروط الأضحية: أن تبلغ السن المحدد شرعاً:
الشرط الثاني: أن تبلغ السن المحدد شرعاً: في الإبل خمس سنوات، وفي البقر سنتان، وفي المعز سنة، وفي الضأن نصف سنة، فلو ضحى ببعير له أربع سنوات فقط فأضحيته غير مقبولة، ومن ضحى ببقرة عمرها ثمانية عشر شهراً فأضحيته غير مقبولة، ومن ضحى بعنز عمرها ثلاثة شهور لم تقبل، ومن ضحى بخروف عمره خمسة شهور لا يقبل، الدليل: قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن».

من شروط الأضحية: أن تكون سليمة من العيوب:
الشرط الثالث: أن تكون سليمة من العيوب، والعيوب تنقسم إلى قسمين: عيوب لا تصح معها الأضحية، وعيوب تصح لكنها ناقصة، العيوب التي لا تصح معها الأضحية هي ما أشار النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ فقال: «أربع -وأشار بأصابعه-: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والهزيلة- أو قال: العجفاء- الذي ليس فيها مخ» إن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يقل: العوراء بل قال: البين عورها، كيف بيان العور؟ بيان العور أنك إذا رأيتها أنها عوراء إما لكون عينها بارزة، وإما لكونها منخسفة غائرة، أما لو كانت قائمة ولا تبصر بها فإنها تجزئ؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «العوراء البين عورها» ولم يقل: العوراء فقط. المريضة البين مرضها، المرض نوعان: نوع بين بحيث تكون الشاة -مثلاً- خاملة لا ترعى ولا تمشي، ودائماً رابضة، هذه مرضها بين، أما إذا كان فيها شيء من السخونة ولكنها تمشي، تأكل، وتصحب الغنم -مثلاً- فهذه مريضة لكن مرضها ليس ببين.

العرجاء بين الرسول -عليه الصلاة والسلام- بأن العرجاء البين ضلعها، فإن كانت تهمز بيدها أو برجلها لكنها تمشي، ليس مرضها بيناً، فإنها تجزئ؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قيد فقال: «البين عرجها».

الرابعة: العجفاء أو الهزيلة التي ليس فيها مخ؛ لأن هذه تكون ضعيفة جداً، ويكون لحمها غير طيب، ولهذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إنها لا تجزئ» أي: تتقى، ولا يضحى بها.

أما إذا كان في الأذن نقص؛ كأن قطع نصف أذنها، أو انخرمت أذنها، أو انخرقت من الوسم فهل تجزئ؟ نعم تجزئ لكنها ناقصة، ولو أنها سقطت أسنانها أو شيء من أسنانها: الثنايا والرباعيات أتجزئ أو لا؟ تجزئ، ولكنها ناقصة، كلما كانت أكمل فهو أفضل، ولو قطعت إليتها؟ فيقول العلماء: إن المقطوعة الإلية لا تجزئ؛ لأن الإلية تحمل شحماً كثيراً فهي بمنزلة العجفاء فلا تجزئ.

ولو ضحى ببعير مقطوعة الذنب -ذيلها مقطوع-؟ تجزئ؛ لأن ذيل البعير ليس بمقصود بل يرمى به، وكذلك لو ضحى ببقرة مقطوعة الذنب -مقطوعة الذيل- فإنها تجزئ لكن الكاملة أفضل، ولو ضحى بعنز مقطوعة الذيل، فإنها تجزئ لكنها ناقصة، ولو ضحى بشاة قطع أكثر من نصف أذنها ولكنها صحيحة تأكل وتشرب وتمشي فما تقولون؟ تجزئ لكنها ناقصة، فالمهم إذا ضحى بشيء خال من العيوب الأربعة التي نص عليها الرسول -عليه الصلاة والسلام- فإنها تجزئ، لكن كلما كانت أنقص فهي ناقصة، لو ضحى بعمياء؟ عمياء لا تنظر أبداً؟ لا تجزئ، لأنه إذا كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- منع من الأضحية بالعوراء البين عورها، فالعمياء من باب أولى، لكن ألا تعلمون أن بعض العلماء قال: إن العمياء تجزئ، قيل له: سبحان الله! العمياء تجزئ والعوراء لا تجزئ؟! قال: نعم؛ لأن العوراء يتركها أهلها ترعى وحدها وهي لعورها لا ترى كل شيء، العوراء لا ترى إلا من عند العين الصحيحة فقد يفوتها شيء كثير من المرعى، والعمياء أهلها يأتونها بالعلف، يعرفون أنهم لو أطلقوها ما رأت فلا يأتيها شيء، لكن لا شك أن هذا قياس ضعيف وقول باطل، يا سبحان الله! الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «العوراء البين عورها» ونحن نقول: العمياء البين عماها تجزئ؟! والمقطوعة اليد تجزئ أو لا تجزئ؟ لا تجزئ لسببين:

أولاً: أنها أن أبلغ من العرجاء.

والثاني: قد فات لحم مقصود، إذا قطعت من عند الكتف فقد فات لحم مقصود. على كل حال افهموا -بارك الله فيكم- العيوب المنصوص عليها واضحة ولا أحد يتكلم فيها أنها لا تجزئ، وما كان مثلها أو أكثر فله حكمها، وما كان دون ذلك فإنه لا يمنع من الإجزاء ولكن تكون ناقصة.

من شروط الأضحية: أن يكون ذبحها في الزمن المحدد شرعاً:
الرابع: أن تكون في وقت الأضحية، من صلاة العيد يوم العيد إلى غروب الشمس يوم الثالث عشر، فتكون أيام الذبح أربعة أيام يجزئ الذبح فيها ليلاً ونهاراً، والنهار أفضل من الليل، وأول يوم أفضل من الذي يليه، فإن ذبح قبل التسليمة الثانية من صلاة العيد فهي غير مقبولة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من ذبح قبل الصلاة فشاته شاة لحم» لا تقبل، من ذبح بعد غروب الشمس ليلة الثالث عشر فإنها لا تقبل؛ لأنها بعد الوقت، اللهم إلا في حال واحدة: لو أن الرجل اتكل على ابنه -مثلاً- قال: يا ابني ضح، فتهاون الابن أو نسي ولم يضح، وكان الأب عازماً على الأضحية، لكن قد وكل ابنه فلم يفعل، والأب ظن أنه ضحى، وبعد غروب الشمس ليلة الثالث عشر جرى الدرس بينهما فقال الابن: أنا ما ضحيت نقول: لا بأس الآن أن يضحي وتكون قضاءً؛ لأن هذا من نيته أن يضحي في الوقت نفسه لكن نسي.

والأفضل أن الإنسان بنفسه يتولى ذبح أضحيته، وأما سلخها وتقطيع لحمها فأمر هين، لكن المهم أن يذبح هو بنفسه، فيضجع الشاة أو العنز على الجانب الأيسر أولاً: لأنه أهون له لأنه سيذبح باليمنى، وثانياً: لعل الأيسر أقرب إلى القلب فيكون أسرع في خروج الدم، وكلما كان الدم أسرع صار الموت أريح، فإذا قال: أنا لا أعرف أن أذبح باليد اليمنى، هو لا يعرف أن يذبح إلا باليسرى فعلى أي الجنبين يضجعها؟ يضجعها على الأيمن؛ لأنه لو أضجعها على الأيسر لما تمكن إلا بصعوبة وأذى للبهيمة.

البقرة تذبح أم تنحر؟ تذبح، وعلى هذا تضجع على الجانب الأيسر ويذبحها الإنسان، وإذا أراد الذبح فإنه مطالب بأمور:

أولاً: أن يذبح بسكين حادة لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وليحد أحدكم شفرته».

الثاني: ألا يحدها وهي تنظر، إذا أراد أن يحدها -يعني: يسنها- فلا يفعل ذلك والبهيمة تنظر لماذا؟ لأنها ترتاع، هي تعرف أنه إذا سن السكين أمامها وقد أضجعها أنه يريد ذبحها فترتاع. وأيضاً: لا يذبحها
والأخرى تنظر؛ لأنها ترتاع -أيضاً- إذا رأت أختها تضجع وتذبح ارتاعت، ولهذا نجد بعض الأحيان إذا ذبحت أمام أختها هربت الأخت، ولا يستطيعون إمساكها إلا بمشقة.

وأيضاً: ينبغي عند الذبح أن يذبح بقوة وعزيمة؛ لأنه لو جعل يرمي بسهولة ويحرحر الذبح لتأذت البهيمة، بل يرمي بقوة وسرعة؛ لأن ذلك أسهل.

وإذا ذبح فليقل: باسم الله، عند تحريك يده بالذبح، ويزيد على ذلك: الله أكبر، والواجب قول: باسم الله، أما (الله أكبر) فهو مستحب، ويقول -أيضاً-: اللهم هذا منك ولك، منك خلقاً ولك تعبداً؛ لأن الذي يسر لك هذه الشاة أو البقرة أو البعير هو الله -عز وجل-، وله تعبداً فتقول: اللهم هذا منك ولك، اللهم هذا عني وعن أهل بيتي، أو تقول: اللهم تقبل مني ومن أهل بيتي، ولا يجوز أن يكسر عنقها حتى تموت، وبعض الذين لا يخافون الله ولا يرحمون خلق الله يكسر عنقها قبل أن تموت؛ لأنه أسرع لموتها، لكن فيه أذية لها، اصبر وستموت ما دام الدم يخرج، فإنه إذا نزف الدم لا بد أن تموت، لكن بعض الناس -نسأل الله العافية- يكسر عنقها؛ لأجل أن تموت سريعاً، وهذا حرام.

وكذلك -أيضاً- نقول: لا تشرع في سلخها حتى تموت؛ لأن سلخها يؤلمها، ما دامت الروح فيها فإن السلخ يؤلمها، أن تجرحها وتشق جلدها لا بد أن تتألم، فانتظر حتى تزهق روحها؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن نعجل الأنفس حتى تزهق، الدم الذي يخرج منها نجس أم طاهر؟ ما كان قبل خروج الروح فإنه نجس، وما كان بعد موتها فهو طاهر.

الدليل على أن الدم قبل أن تزهق روحها حرام قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:145] أما بعد أن تخرج روحها فالدم طاهر، فإذا أصاب الإنسان منها دم بعد سلخها فهو طاهر، ولا يجب عليه أن يغسله لا من ثوبه ولا من بدنه. ما حكم الدم الذي يكون في القلب؟ طاهر، وكذلك دم الكبد والعروق.

هل يجب أن نغسل ما على الرقبة مما حصل من الدم المسفوح أم لا يجب؟ قال بعض العلماء: إنه يجب لأنه نجس، وقال بعض العلماء: إنه معفو عنه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر بغسله، ولا أمر بغسل الصيد الذي يصيده الكلب أو يصيده الصقر أو ما أشبه ذلك مع أنه متلوث بدم نجس، وهذا مما يعفى عنه، فلو أن الإنسان ترك غسله فلا حرج عليه، ولو غسله لكان هذا أحوط وأحسن.

فإذا ذبح فكيف يكون توزيع اللحم؟ نقول: إن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج:28] ولم يحدد الله -تبارك وتعالى-، لكن قال أهل العلم: يجعلها أثلاثاً: ثلث للأكل، وثلث للهدية، وثلث للصدقة، ولكن هذا ليس شيئاً واجباً إنما شيء على وجه التقريب، فيتصدق ويهدي ويأكل، والأفضل أن يبادر بها، وأن يبادر بالأكل منها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج:28].

ثم إذا كان لا يستطيع الذبح بنفسه فالأفضل أن يحضر ذبحها، ونحن نعرف أن الشاة والعنز غالب الناس يستطيعون أن يذبحوها، لكن البقرة صعب ذبحها على الإنسان، وكذلك البعير صعب نحره على الإنسان، فنقول: إذا كنت لا تعرف فاحضرها، فإذا حضرها صاحبها هل يسمى هو أو يسمي الفاعل؟ الفاعل، لو سمى هو ولم يسم الفاعل حرمت الذبيحة، بل الفاعل هو الذي يسمي، يقول: باسم الله، اللهم هذا منك ولك، اللهم هذا عن محمد أو عن علي أو عن خالد أو عن بكر وأهله.

ولعلنا نكتفي بهذا القدر مما أردنا أن نتكلم فيه، ونسأل الله تعالى أن ينفع به، وأن يرزقنا وإياكم علماً نافعاً وعملاً صالحاً، ورزقاً طيباً واسعاً.

ونختم هذا بأن من أراد أن يضحي فإنه إذا ثبت دخول شهر ذي الحجة حرم عليه أن يأخذ شيئاً من شعره أو ظفره أو بشرته، حتى فيما يسن أخذه من الشعر فلا يأخذه، أو الظفر، أو البشر، ما هي البشرة هذه؟ الجلد، إلا إذا انكسر الظفر فله أن يقص ما انكسر، أو نزلت الشعرة في عينه وآذته فليأخذها، أو انكشط جلده وآذاه فله أن يقصه؛ لأن هذا لدفع أذاه وإلا فلا يأخذه.

وهل هذا حرام على رب العائلة وهو القيم أو على الجميع؟ على رب العائلة فقط، أما أهل البيت فلا بأس أن يأخذوا من شعورهم وأظفارهم وأبشارهم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وأراد أحدكم أن يضحي» ولأنه كان يضحي عن أهله، ولم ينقل أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لهم: اجتنوا ذلك إلى متى؟ قال العلماء: إلى أن يضحي، إذا ضحى حل له أن يأخذ من شعره وبشرته وأظفاره.

وإذا لم يضح إلا ثاني العيد فإنه ينتظر حتى يضحي، وكذلك ثالث العيد ينتظر حتى يضحي، أو رابع العيد ينتظر حتى يضحي.