شروط الداعية إلى الله
مدة الملف
حجم الملف :
2972 KB
عدد الزيارات 8388

السؤال:

بارك الله فيكم فضيلة الشيخ لا شك أن الداعي إلى الله لا بد أن تشترط فيه شروط معينة، حبذا لو بينتموها للإخوة الدعاة إلى الله.

الجواب:


الشيخ: من شروط الداعي إلى الله عزَّ وجلَّ أن يكون مخلصاً لله في دعوته؛ بأن يكون قصده في دعوته إقامة دين الله وإصلاح عباد الله، لا أن ينتصر لنفسه، وأن يظهر قوله على قول الناس؛ لأنه إذا كان قصده أن ينتصر لنفسه، وأن يظهر قوله على أقوال الناس صار داعيةً لنفسه لا إلى سبيل الله عزَّ وجلَّ، فلا بد من الإخلاص وأن يخلص في دعوته إلى الله إذا تبيَّن له أن الحق في خلاف قوله رجع إليه وانقاد له واستغفر الله تعالى من الخطأ الذي وقع فيه، وإن كان مأجوراً عليه إذا كان قد صدر منه باجتهاد؛ لأنه قد يكون فرق في اجتهاده ولم يستقم. ثانياً: أن يقصد بذلك إصلاح عباد الله وهو داخل في الإخلاص في الدعوة، وإذا كان قصده إصلاح عباد الله فإنه لا بد أن يسلك الطريق الأمثل؛ لحصول هذا المقصود الأعظم بحيث يدعوهم إلى الله عزَّ وجلَّ على وجه لا ينفر؛ على وجه الرفق واللين والمداراة دون المداهنة؛ لأن المداراة شيء والمداهنة شيء آخر؛ لأن المداهنة ترك الحق للغير؛ أي من أجل الغير، وأما المداراة فهي إيصال الحق إلى الغير في الطريق الأسفل فالأسفل، وأن هذا الشرط قد يختل عند بعض الناس، فيقصد بدعوتهم إلى الله الانتقاد؛ انتقاد ما هم عليه وحينئذٍ تفسد دعوته وتنزع البركة منها؛ لأن الذي يقصد انتقاد غيره ليس داعياً له في الواقع، ولكنه معير له وعائب عليه صنيعه، وفرق بين شخص يدعو غيره لإصلاحه وبين شخص يصب سهام اللوم والعتاب على غيره بحجة أنه يريد الإصلاح، ثالثاً: من الآداب الواجبة أن يكون للداعية علم؛ علم بشريعة الله فلا يدعو على جهل؛ لقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: 
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فلا بد من أن يكون للإنسان علم يدعو به؛ لأن العلم هو السلاح، والداعي إلى الله بلا علم قد يفسد أكثر مما يصلح. الداعي إلى الله بغير علم ربما يجعل الشيء حلالاًً وهو حرام، وربما يجعل الشيء حراماً وهو حلال، وربما يوجب على عباد الله ما يوجب الله عليه، فلا بد من العلم؛ العلم المتلقى من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ إن كان الداعي قادراً على ذلك بنفسه وإلا فبتقليد مَن يثق به من أهل العلم، وفي هذه الحال؛ أي فيما إذا كان مقلداً لغيره في الدعوة إلى الله إذا ذكر حكماً من الأحكام فإنه ينسبه إلى مَن؟ إلى مقلده، فيقول: قال فلان كذا. وقال فلان كذا إذا كان قد سمعه من فمه أو قرأه من كتاب بيده، أما إذا كان معه من شريط فإنه لا يقول: قال فلان. فليقل: سمعت شريطاً منسوباً إلى فلان؛ لأن هذا أدق في التعبير؛ ومن آداب الداعية أن يكون على بصيرة في من يدعوه، فينزله منزلته، ودليل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تأمر به شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله». وذكر تمام الحديث. الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بحالهم؛ ليكون على استعداد لمواجهتهم، ولينزلهم منزلتهم اللائقة بما عندهم من العلم، وهكذا الداعي إلى الله، ومن هنا ينبغي للداعي إلى الله أن يكون على بصيرة بحال مَن يدعوهم، حتى يكون مستعداً للحال التي هم عليها، ومن آداب الداعي أن يكون أول مَن يمثل دعوته، فيقوم بما أمر به ويدع ما ينهى عنه؛ لأن هذا مقتضى العقل ومقتضى الشرع كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ۞كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾. وقال الله تعالى موبخاً بني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾فلا بد للداعي أن يكون متأدباً بهذا الأدب العظيم، فيكون فاعلاً لما يأمر به، تاركاً لما نهى عنه، ومع أن هذا مقتضى الشرع ومقتضى العقل فإنه أقرب إلى قبول الناس لدعوته؛ لأن الناس إذا رأوا أنه يسبق غيره فيما دعا إليه فعلاً أو تركاً وثقوا به، وقالوا: إن هذا صادق فيما دعا إليه وأنه أمين فتبعوه على ذلك وانقادوا له، وإذا رأوه بالعكس سقط في أعينهم ولم يتابعوه وشكوا في دعوته، فكان من أهم آداب الداعية أن يكون أول سابق لما يدعو إليه فعلاً لما دعى لفعله وتركاً لما دعا إلى تركه.