عدة أسئلة في قنوت الفجر
مدة الملف
حجم الملف :
1322 KB
عدد الزيارات 1162

السؤال:

رسالة المستمع محمد سعيد من الأردن يقول فيها: فضيلة الشيخ، كثير أئمة المساجد يقنتون في صلاة الفجر في الركعة الثانية، ويدعون بدعاء؛ اللهم اهدنا في مَن هديت ويزيدون عليه بأدعية أخرى مختلفة، ويجعلون هذا الدعاء مختصاً بصلاة الفجر دون الصلوات الأخرى وبشكل مستمر، وليس كما كان يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء النوازل في مدة معينة، وبعضهم إذا ما نسي هذا الدعاء سجد سجود السهو. ما حكم هذا القنوت؟ وماذا يفعل المؤتم إذا قنت الإمام؟ هل يرفع يديه مع المؤتمين ويقول: آمين أم يبقي يديه إلى جنبيه ويبقى صامتا ولا يشترك معهم في هذا القنوت؟


الجواب:


الشيخ: القنوت في صلاة الفجر بصفة دائمة لغير سبب شرعي، ذلك خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأما إذا كان هناك سبب، فإنه يقنت في جميع الصلوات الخمس، على الخلاف الذي أشرت إليه آنفاً، ولكن القنوت كما قال السائل ليس هو قنوت الوتر: اللهم اهدنا في من هديت. ولكن القنوت هو الدعاء فيما يناسب الحال التي من أجلها شرع القنوت، كما كان ذلك هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن السائل قال: إذا كان الإنسان مأموماً هل يتابع هذا الإمام، فيرفع يديه، ويؤمم معه، أم يرسل يديه إلى جنبيه، والجواب عن ذلك أن نقول: بل يؤمم على دعاء الإمام ويرفع يديه تبعاً للإمام، وخوفاً من المخالفة، وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على أن الرجل إذا ائتم بإمام يقنت في صلاة الفجر فإنه يتابعه ويؤمم على دعائه، مع أن الإمام أحمد رحمه الله لا يرى مشروعية القنوت في صلاة الفجر في المشروع عنه، لكنه رحمه الله رخص في ذلك؛ أي في متابعة الإمام مَن يقنت في صلاة الفجر؛ خوفاً من الخلاف الذي قد يحدث معه خلاف القلوب، وهذا هو الذي جاء عن الصحابة رضي الله عنهم؛ فإن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في آخر خلافته كان يتم الصلاة في منى في الحج، فأنكر عليه مَن أنكر من الصحابة، ومع ذلك فإنهم كانوا يتابعونه ويتمون الصلاة، ويذكر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قيل له: يا أبا عبد الرحمن كيف تصلي مع أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر يفعلون ذلك، فقال رضي الله عنه: الخلاف شر. وبقي في قول
السائل: أو يرسل يديه. فإن ظاهر كلامه أنه يظن أن المشروع بعد الرفع من الركوع إرسال اليدين على الفخذين، وهذا وإن قال به مَن قال من أهل العلم قول مرجوح، والصحيح الذي دلت عليه السنة أن المصلي إذا رفع من الركوع فإنه يصنع بيده، كما صنع بهما قبل الركوع؛ أي يضع يده اليمنى على اليسرى فوق الصدر، ودليل ذلك حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة، وهذا ثابت في صحيح البخاري، وقوله في الصلاة يعم جميع أحوال الصلاة، لكن يخرج منه هذا السجود؛ لأن اليدين على الأرض، وحال الجلوس؛ لأن اليدين على الفخذين، وحال الركوع؛ لأن اليدين على الركبتين، فما عدا ذلك يكون فيه اليد اليمنى على ذراع اليد اليسرى، كما يقتضي هذا العموم. هذا هو القول الراجح في هذه المسألة. وبعض العلماء قال: إن السنة أن يرسل يديه بعد الركوع والإمام أحمد رحمه الله قال: يخيَّر بين أن يضع يده اليمنى على اليسرى، أو يرسلهما، لكن اتباع ما يدل عليه حديث سهل بن سعد قولان؛ وهو أن يصنع في يده بعد الركوع ما كان يصنع فيهما قبل الركوع، وليس الشأن في أن هذا هو المشروع، أو ذاك، لكن الشأن ما سلكه بعض الإخوة المجتهدين حول هذه المسألة وأشباهها من مسائل الخلاف؛ حيث ظنوا أن الخلاف فيها كبير، ورتبوا على ذلك الولاء والبراء، حتى كانوا ينكرون إنكاراً بالغاً على مَن خالفهم في هذا الأمر، ولا شك أن هذا مسلك مخالف لما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، ولما قاله أهل العلم في أن مسائل الاجتهاد التي يسوغ فيها الاجتهاد لا ينكر فيها على الأمر؛ لأن قول كل واحد من الناس ليس حجة على الآخرين إلا المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا فإني بهذه المناسبة أوجه النصيحة لإخواني الذين وفقهم الله للاستقامة والاتجاه السليم والحرص على اتباع السنة ألا يجعلوا من هذا الخلاف سبباً لاختلاف القلوب، والتخلق بالألسنة على غيرهم، وأكل لحوم الناس، وضرب رأي العلماء بعضهم على بعض، فإن في ذلك شراً وفساداً كبيراً، ونحن ولله الحمد مسرورون جداً بما كان عليه الشباب في الأمة الإسلامية جمعاء من الإقبال على الله عز وجل والاستقامة، ولكني أرجو الله أن يجمعهم على كلمة الحق وعلى سلوك الفتنة فيما يأمرون به وينهون عنه، وعلى اجتناب العنف والشدة عند مخالفة الآخرين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالرفق، وقال: «إن الله يعطي بالرفق ما لا يعطي بالعنف». والعنف ربما يحدث بما يسمونه برد الفعل من الجانب الآخر، فتأخذه العزة بالإثم، فيكره الحق من أجل الطريق التي سلكها مَن يدعو إلى الحق، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾نسأل الله أن يجمع كلمتنا على الحق في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.