تفسير قوله تعالى : " إن هذا أخي له تسعٌ وتسعون نعجة ولي نعجةٌ واحدة... "
مدة الملف
حجم الملف :
3658 KB
عدد الزيارات 4587

السؤال:

على بركة الله نستفتح هذه الحلقة بتفسير آية بعث بها المستمع محمد إبراهيم يستفسر عن قوله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم  ﴿إن هذا أخي له تسعٌ وتسعون نعجة ولي نعجةٌ واحدة﴾ الآية؟

الجواب:


الشيخ: نعم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد فإنه بمناسبة السؤال بتفسير هذه الآية الكريمة أود أن أوجه كلمة إلى إخواني المسلمين، فأقول: إن الله سبحانه وتعالى قد بيّن الحكمة من إنزال القرآن على محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: ﴿كتابٌ أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته ويتذكر أولو الألباب﴾ فبين الله تعالى الحكمة من إنزال القرآن في شيئين؛ الأول: تدبر الآيات وتفهمها؛ ليصل الإنسان إلى معناها، الثاني: تذكر ما فيها، وهو الاتعاظ والعمل بما دلت عليه؛ تصديقاً للأخبار، وامتثالاً للأحكام، وهذا هو الذي كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها، وما فيها من العلم والعمل، فتعلموا من كتاب الله القرآن والعلم والعمل جميعاً، وهذا ينطبق على جميع الأمة إلى يوم القيامة، وإنني أحث إخواني المسلمين على تفهم كتاب الله وتدبره، والسؤال عن معناه، ومطالعة كتب أهل العلم المنطوق بتفسيرهم إذا كان يستطيع أن يصل إلى المعنى بهذه المطالعة، حتى يذوق طعم القرآن، ويعرف عظمة القرآن، أما قراءة القرآن دون فهم معناه؛ فلا شك أن فيها خيراً كثيراً وفيها أجراً عظيماً، فإن من قرأ القرآن فله في كل حرفٍ منه عشر حسنات؛ لكن تمام ذلك، والفائدة العظيمة الكبيرة هو بتحقيق ما أنزله الله من أجله؛ وهو التدبر والاتعاظ، ثم ليعلم أن هذا القرآن الكريم إذا حمله الإنسان فهو كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: حجة لك أو عليك. فإن قمت بواجبك؛ من تصديق الأخبار والعلم بالأحكام وقبول ذلك بانشراح وطمأنينة كان حجةً لك، وإن كان الأمر بخلاف ذلك كان عليك من الحجة بقدر ما فرطت فيه، أو اعتديت، ومن المعلوم أن الإنسان لو طلب منه تنفيذ ما في كتابٍ مرسوم من جهةٍ من الجهات لكان يقرأ هذا الكتاب ويتفهم معناه ويستفهم عن معناه حتى يتمكن من تطبيقه والعمل به، فكيف بالكتاب العظيم النازل من عند الله عز وجل الذي كلف الله عباده العمل به كيف لا يدري الإنسان عن معناه لا يتفهم، ولا يستفهم، ولا يبالي، أما ما يتعلق بالسؤال عن الآية التي ذكرها في قوله: ﴿إن هذا أخي له تسعٌ وتسعون نعجة ولي نعجةٌ واحدة﴾ فهذه في سياق قصةٍ وقعت على نبي الله داود، فإن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه القصة في قوله: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذا دخلوا على داود ففزع منهم﴾ إلخ، فذكر الله هذه القصة مصدراً لها بالاستفهام الدال على التشويق ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذا تسوروا المحراب﴾ أي دخلوا من السور لا من الباب؛ لأن الباب كان مغلقاً والمحراب مكان العبادة، وليس هو الذي نعرفه الآن طاق القبلة، ولكنه مكان العبادة، ولو كان حجرة مدورة أو مربعة، المهم أنهم لما تسوروا عليه الجدار، فدخلوا عليه ففزع منهم؛ لأن ذلك على خلاف العادة، وما خرج عن العادة فطبيعة البشر تقتضي أن يفزع منه، لا سيما في مثل هذه الصورة، فقالوا له: لا تخف خصمان؛ يعني نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق، ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط، ثم ذكروا القصة إن هذا أخي له تسعٌ وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، والنعجة الواحدة من الشياه ولي نعجةٌ واحدة، فقال: أكفلنيها وعزني في الخطاب؛ أي غلبني في خطابه؛ لقوته وفصاحته وبيانه، فقال له داود: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فحكم له داود عليه الصلاة والسلام دون أن يسمع من خصمه، وطريقة الحكم ألا يحكم الحاكم حتى ينظر ما لدى الخصم قال الله تعالى: ﴿وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعضٍ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلٌ منهم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب﴾ أي أيقن أننا اختبرناه بهذه الخصومة؛ وذلك أنه عليه الصلاة والسلام اشتغل بالعبادة الخاصة عن الحكم بين الناس، فأغلق الباب دونهم، والحاكم ينبغي له أن يكون فاتحاً بابه لمن يأتيه من الخصوم، حتى يحكم بينه وأيضاً حكماً للخصم دون أن يسمع حجة خصمه، وأيضاً تعجل بذلك؛ أي بالحكم قبل سؤال الخصم من أجل أن يرجع إلى عبادته، فعلم عليه الصلاة والسلام أن الله اختبره بهذا فخر راكعاً وأناب تائباً لله عز وجل قال الله تعالى: ﴿فغفرنا له ذلك﴾ وما يروى في هذه القصة من أن داود عليه الصلاة والسلام رأى زوجة رجلٍ، فأعجبته، فتحيل على الوصول إليها بأن أمره أن يخرج في الغزو؛ ليقتل، فيأخذ زوجته، فهذا كذب لا يليق بأدنى واحدٍ من الناس عقلاً وأمانة، فكيف بنبي الله داود عليه الصلاة والسلام، وهذه القصة مما دسه اليهود على بعض الناس، حتى فسر بها كلام الله عز وجل؛ فلا يجوز لأحد أن ينزل الآية على ذلك، ولا أن يروي هذا للناس إلا إذا كان يريد أن يبين أنها ضعيفة وباطلة، فهذا لا بأس به، بل هو واجب؛ لأن الناس قد اشتهر عند كثيرٍ منهم أن هذه القصة هي ما ذكرت من أن داود أعجبته زوجة رجلٍ من الناس بأن بعثه للغزو، فيقتل، فيأخذ زوجته من بعده، وهذا كذبٌ لا يجوز ذكره إلا لمن أراد أن يبيّن أنه كذب.