هل يشرع الدعاء بعد الفرائض والنوافل ؟
مدة الملف
حجم الملف :
3826 KB
عدد الزيارات 9716

السؤال:

هذا مستمع للبرنامج يسأل ويقول: أسأل يا فضيلة الشيخ؛ عن رفع اليدين وعن مسحهما عند السنن الرواتب ما حكم ذلك مأجورين؟ 

الجواب:


الشيخ: نعم المشكلة في رفع اليدين بعد انتهاء السنن الرواتب أو غيرها من النوافل ليست هي رفع اليدين؛ لكن المشكلة في الدعاء بعد الرواتب أو غيرها من النوافل فهل من المشروع أن الإنسان كلما أنهى نافلة راتبةً كانت أو غيرها جعل يدعو الجواب؟ لا ليس من المشروع هذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي النوافل من الرواتب أو غيرها، ولم يحفظ عنه أنه كان إذا سلم رفع يديه يدعو، ولا أنه يدعو دون رفع، وعلى هذا فاتخاذ هذا الأمر؛ أعني الدعاء بعد النوافل سنة في الراتبة يفعلها الإنسان كلما صلى نافلة يعتبر من غير الأمور المشروعة، وينبغي للإنسان أن يتجنبه، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى موضع الدعاء من الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام حين علم عبد الله بن مسعود التشهد قال: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، وهذا يدل على أن موضع الدعاء قبل السلام وليس بعده، ثم إن النظر الصحيح يقتضي ذلك؛ أي يقتضي أن يكون الدعاء قبل أن يسلم؛ لأنك ما دمت في صلاتك فأنت مناجٍ لله عز وجل؛ فإذا سلمت منها انفصلت المناجاة والصلة بينك وبين الله فأيهما أولى أن تدعو الله وأنت في حالة مناجاةٍ له والصلاة صلةٌ بين الإنسان وبين ربه، أو أن تدعوه بعد الانفصال من الصلاة والانفصال من الصلة، من المعلوم أن الأول هو الأولى وعلى هذا فمن أراد أن يدعو الله سبحانه وتعالى فليدعو الله قبل أن يسلم، ولا خطأ ما دام غير إمام، أما الإمام فقد بيّن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه مأمورٌ بالتخفيف؛ بحيث لا يتجاوز ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة إذا عرفت هذا؛ فلا حاجة إلى أن تصوغ السؤال بقولك: ما حكم رفع اليدين؟ وإنما السؤال الصحيح صيغته ما حكم الدعاء بعد النافلة؟ والجواب على ذلك ما سمعت أن الأفضل أن تدعو قبل أن تسلم، فإن دعوت بعد السلام على وجهٍ دائم كأنه أمرٌ راتب فإنك تنهى عن ذلك؛ لأنه ليس من المشروع، أما إن فعل ذلك أحياناً وسلمت من أن يراك جاهلٌ يقتضي بك، وأما إذا خفت أن يقتدي بك كما لو كنت طالب علم أمام العامة؛ فلا تفعل هذا، ولا في بعض الأحيان؛ لأن الناس إن رأوك اقتدوا بك، ولا يفرقوا بين أن تفعله أحياناً وتتركه أحياناً، هذا هو الجواب على هذا السؤال، وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير، ومن العجب أن بعض الناس تشاهده أنه إذا سلم كأنما يرى أن رفع اليدين بالدعاء واجب، بل بعضهم تظن أو يغلب على ظنك أنه لم يدعُ، فتشاهد الإنسان مثلاً يقرأ التشهد، ثم تقام الصلاة، ثم إذا كبر الإمام سلم هو من صلاته التي هو فيها، ثم رفع يديه ومسح بعضهما ببعض، ومسح بهما وجهه، ثم دخل مع الإمام، وكأنك تجد أنه لم يدعُ بشيء، وأما رفع اليدين عند الدعاء في غير هذا الموطن، فإن الأصل فيه أنه من آداب الدعاء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله حييٌ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يعد بهما صفراً». ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً». وأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يا أيها المؤمنين كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم﴾ وقال تعالى: ﴿يا أيها الذي آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام قال: فأنى يستجاب بذلك. فجعل النبي عليه الصلاة والسلام رفع اليدين من أسباب إجابة الدعاء؛ ولكن السنة فيها الأمر ورد على وجوه؛ الأول: ما ثبت فيه الرفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كدعائه في خطبة الجمعة في الاستسقاء وفي الاستسقاء حيث دخل رجلٌ والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعو الله يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه، وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، ورفع الصحابة أيديهم معه قال أنس وهو راوي الحديث: فوالله ما في السماء من سحابٍ، ولا قزعة وما بيننا وبين سبعٍ من بيتٍ ولا دار، وسبع؛ جبل معروف في المدينة تأتي من نحوه السحاب، قال: فخرجت من ورائه سحابة؛ مثل الطرس فلما توسطت السماء انتشرت ورعدت وبرقت وأمطرت فما نزل النبي صلى الله عليه وسلم إلا والمطر يتحادر من لحيته وبقي المطر أسبوعاً كاملاً، ثم دخل رجل أو الرجل الأول في الجمعة الثانية، وقال: يا رسول الله غرق المال، وتهدم البناء، فادعو الله أن يمسكها، فرفع يديه، وقال: اللهم حوالينا، ولا علينا. وجعل يشير إلى النواحي فما يشير إلى ناحيةٍ إلا انفرجت، وخرج الناس يمشون في الشمس، فهذا ثبت فيه الرفع عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك رفع يديه على الصفا وعلى المروة في السعي، ورفع يديه وهو واقفٌ بعرفة، وقد ذكر أهل العلم أكثر من ثلاثين موضعاً ثبت فيه الرفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا وجه من الوجوه. الوجه الثاني: ما لم يرفع فيه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ أي ما ثبت فيه عدم الرفع؛ وذلك في الدعاء في خطبة الجمعة في غير الاستسقاء، فإن بشر بن مروان لما رفع يديه، وهو يخطب الناس في الجمعة أنكر عليه الصحابة رضي الله عنه، وقالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان لا يرفع يديه، ولا يعدو أن يشير بإصبعه. الوجه الثالث: ما الظاهر فيه عدم الرفع؛ كالدعاء في الصلاة، والدعاء بين السجدتين، والدعاء في التشهد الأخير، وكذلك قول من يصلي بعد الانصراف من الصلاة أن هذا لم يثبت فيه الرفع عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل الظاهر فيه عدم الرفع، بل يكاد يكون نصاً صريحاً في عدم الرفع. الوجه الرابع: ما لم يرد فيه رفعٌ، ولا عدمه، الأصل في هذا أن ترفع يديك عند الدعاء كما أسلفنا من قبل، وإن لم ترفع؛ فلا يقال: إنك خالفت السنة؛ لأن السنة ليست في هذا الباب صريحةً جداً، وأما مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، فقد وردت فيه أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عنها صاحب بلوغ المرام: إن مجموعها يقضي أنه حديثٌ حسن؛ ولكن شيخ الإسلام رحمه الله قال: كلها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة؛ فلا يسن مسح الوجه بعد الدعاء وما قاله الشيخ رحمه الله أقرب؛ ولكن مع هذا لو مسح وجهه؛ فلا نبدعه أو نضلله؛ لورود بعض أحاديث وإن كان في صحتها نظر.