حكم طلاق في حال الغضب الشديد
مدة الملف
حجم الملف :
9630 KB
عدد الزيارات 13708

السؤال:

بارك الله فيكم هذا المستمع ع. ع. ن. يماني يقول: إنه متزوج وطلق زوجته ثلاث طلقات وهي حامل في الشهر السادس يقول علماً أن لي منها أربعة أولاد من قبل وإني أريد أن أرجعها ودوافع الطلاق يا فضيلة الشيخ؛ أنها أخذت ملابسي وأغلقت عليها الباب قبل ذهابي إلى العمل، ولم تعطيني إياها مما أغضبني وجعلني أفقد صوابي وأقدم على الطلاق دون صواب أرجو إفادتي والسلام عليكم؟ 

الجواب:


الشيخ:
الشيخ: الواقع أن هذا السؤال تضمن شيئين؛ أحدهما: أن الرجل طلق في حال غضبٍ شديدٍ فقد به صوابه، والثاني: أنه طلق ثلاثاً؛ فأما الأول فإننا نقول: إذا كان قد طلق في حال غضب شديد فقد به صوابه وأغلق عليه أمره، ولم يتمكن من الإرادة التي يقدم بها، أو يحجم فإنه في هذه الحال لا طلاق عليه، ولا يقع على امرأته، ولا طلقة واحدة، ولا ثلاثاً؛ لأنه كالمكره المرغم وإن كان إكراهه من الخارج؛ أي من خارج النفس؛ لكن هذا إكراهٌ داخلي، ودليل هذا قوله صلى الله عليه وسلم: لا طلاق، ولا عتاق في إغلاق. والإغلاق معناه: أن يغلق على الإنسان قصده وإرادته، حتى لا يتمكن من التصرف على ما يريده ويهواه، وهو مأخوذٌ من أغلق الباب يغلقه وضده الفتح والانشراح والانطلاق بالإرادة المقصودة، بل بالإرادة التامة التي وقعت من الإنسان عن تروي. وقد ذكر بعض أهل العلم أن الغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ قسمٌ يفقد به الإنسان تصرفه فقداً تاماً؛ بحيث لا يدري ما يقول، ولا يدري أهو في السماء أو في الأرض، فيطلق هذا، لا يقع طلاقه بالاتفاق، وأن هذا لم يقصد لا اللحظة، ولا المعنى، وإنما تكلم كأنما يتكلم كلاماً معتوهاً، أو مجنوناً. والقسم الثاني: غضبٌ يسير يحمل الإنسان على الفعل أو على القول؛ لكنه قادرٌ على التحكم في نفسه، والتصرف بها تصرفاً رشيداً، فهذا يقع طلاقه بالاتفاق، والقسم الثالث: غضبٌ بين هذا وهذا، فهو محل نزاعٍ بين العلماء والصحيح أنه لا يقع به الطلاق أو لا يقع فيه الطلاق؛ وذلك لأن الإنسان كالمكره المرغم، ولا بد من قصد تامٍ عن تصرفٍ واعٍ، وأما الطلاق الثلاث، وهو الذي تضمنه سؤاله أيضاً فإننا نقول: الطلاق الثلاث إذا كان متوالياً بعد رجوع، فإن الطلقة الثالثة تبين المرأة من زوجها، ولا تحل له إلا بعد زوج مثاله أن يطلق، ثم يراجع، ثم يطلق، ثم يراجع، ثم يطلق الطلقة الثالثة ففي هذه الطلقة لا يحل له الرجوع إلى زوجته لا بعقد، ولا بغير عقد إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً مقصوداً غير تحليل للزوج الأول، وأما إذا طلق ثلاثاً من غير رجعة؛ مثل أن يقول: أنت طالقٌ ثلاثاً، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإن جمهور أهل العلم على أن هذا كالأول؛ أي أن المرأة تبين به، ولا تحل لزوجها إلا بعد نكاحٍ صحيحٍ غير نكاح تحريم، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن الطلاق بهذه الصيغة لا يقع إلا واحدةً فقط، واستدل بعموم حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فلما تتايع الناس في هذا وكثر إيقاعهم في هذا الطلاق قال عمر رضي الله عنهم إن الناس قد تتابعوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، وتبعه على هذا عامة أهل العلم، وإنني بهذه المناسبة أوجه نصيحةً إلى إخواني المسلمين أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم وفي أهليهم، وألا يتسرعوا بالطلاق، فيبث نساءهم، ثم يذهبون إلى كل عالمٍ يستفتونه مع الندم العظيم، وربما حصل بذلك فراقٌ وتشتت وتفريقٌ للعائلة؛ بسبب التسرع وعدم التأني، ولا شك أن بعض الناس سريع الغضب شديد الغضب أيضاً، ودواء هذا أعني شدة الغضب وسرعة الغضب دواؤه أن يستعيذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان قائماً جلس، وإذا كان جالساً اضطجع، وليقم، ويتوضأ، وليملك نفسه؛ ولهذا جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أوصني. قال: لا تغضب فردد مراراً قال: لا تغضب، وهذا يدل على أن الغضب أمرٌ ذميم حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام كرر الوصية به، كما أني أنصح إخواني المسلمين إلى أمرٍ بدأ يكثر فيهم، وهو الحلف بالطلاق يقول الإنسان مثلاً: علي الطلاق ألا أفعل كذا. أو يقول: إن فعلت كذا فامرأتي طالق. أو يقول لزوجته: إن فعلتي كذا فأنتي طالق، أو ما أشبه ذلك من العبارات التي يوقعونها، ثم يندمون على ما فعلوا، ثم يذهبون إلى عتبة كل عالم لعلهم يجدون مخرجاً، فاليمين بالطلاق خلاف الأمر بالمشروع، خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» وإنني أقول لهؤلاء المتساهلين في الحلف بالطلاق أقول لهم: إن جمهور أهل العلم لا يرون أن الحلف بالطلاق يميناً أقول: إن جمهور أهل العلم لا يرون أن الحلف بالطلاق يميناً، بل يرونه تعليقاً، وأنه متى حصل الحنث وقع الطلاق على صفة ما قاله المطلق، المسألة خطيرة جداً فعليكم أيها الإخوة ألا تتهاونوا بالطلاق لا بإيقاعه، ولا بعدده، ولا بصيغه نسأل لنا ولإخواننا المسلمين الحماية من أسباب غضبه وعقابه. 

السؤال:

اللهم آمين جزيتم خيراً يا فضيلة الشيخ.

الجواب:


الشيخ: أخشى أن يكون السائل لم يفهم جواب سؤاله، فأقول له: إذا كان غضبك شديداً؛ بحيث لا تملك نفسك، فليس عليك طلاقٌ وزوجتك باقية معك لم يحصل عليها طلاق، أما إذا كان الغضب يسيراً تملك به نفسك، فالقول الراجح أن طلاقك الثلاث لا يقع إلا واحدة، فلك أن تراجعها ما دامت في العدة قبل أن تقع، فإن وضعت قبل أن تراجعها؛ فلا بد من عقدٍ جديد، هذا إذا لم يصدق منك طلقتان قبل هذه الطلقة، فإن يصدق منك طلقتان قبل هذه الطلقة فإنها لا تحل لك إلا بعد زوج.