والدها ترك الصلاة قبل وفاته..فهل لها أن تحج عنه ؟
مدة الملف
حجم الملف :
6779 KB
عدد الزيارات 2684

السؤال :

أيضاً في أسئلتها هذا السؤال، تقول: نشأت منذ صغري وأبي يصلي ويتلو القرآن، ولكن قبل وفاته بحوالي خمس سنوات قطع الصلاة نهائياً وهو قادر، أنا أريد الآن أن أحج عنه، هل هذا يجوز يا فضيلة الشيخ؟

الجواب:


الشيخ: هذا ينظر في سبب قطعه للصلاة؛ لأن الظاهر من حال هذا الرجل الذي كان يقرأ القرآن ويصلي ويصوم، الظاهر أنه لم يدع الصلاة إلا لسبب، فقد يكون هذا الرجل اختل علقه وصار لا يطيق الصلاة ولا يحس بها، وفي هذه الحال لا تجب عليه الصلاة إذا كان قد اختل عقله ولا يشعر ولا يدري، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم المجنون حتى يفيق، أما إذا كان ترك الصلاة ومعه تمييزه وعقله فإنه حينئذ يكون كافراً والعياذ بالله، وإذا كان كافراً فإنه لا يجوز الحج عنه ولا الدعاء عنه؛ لقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ فإن قال قائل: هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، أعني مسألة ترك الصلاة، هل يكفر الإنسان بذلك أو لا؟ فجوابه أن نقول: نعم، هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، هل يكفر  تارك الصلاة أو لا، ولكن الميزان كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،  لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. ولقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه﴾ وإذا رددنا هذه المسألة -أعني مسألة تكفير تارك الصلاة- إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ونحن لا نعتقد لا قول هؤلاء ولا قول هؤلاء، وإنما ننظر إلى مقتضى الدليل، فإن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة والنظر الصحيح كل هذه الأربعة تدل على أن تارك الصلاة كافر، أما القرآن فقال الله تعالى في المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ فاشترط للأخوة في الدين ثلاثة شروط؛ التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومن المعلوم أن الحكم المشروط بشيء لا يتم إلا باجتماع شروطه، فلا تتم الأخوة في الدين إلا بهذه الثلاثة؛ التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإن بقوا مشركين فليسوا إخوة لنا في الدين، وإن  أسلموا ولكن تركوا الصلاة فليسوا إخوة لنا في الدين، وإن أسلموا وأقاموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا إخوة لنا في الدين، ولا تنتفي الأخوة في الدين إلا بالكفر، لأن المعاصي مهما عظمت لا تخرج الإنسان من أخوة الدين، كما قال الله تعالى في القتل العمد وهو من أعظم الذنوب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فقال: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ والقاتل فاعل كبيرة عظيمة، ومع هذا لم يخرج من الأخوة الإيمانية، وقال الله تعالى في الطائفتين المقتتلتين: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إنما المؤمنين اخوة فاصلحوا بين أخويكم﴾. والقتال بين المؤمنين من أعظم الكبائر، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا التقى المسلمان  بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه». وقال عليه الصلاة والسلام: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تدلوا بها إلى الكفار يضرب بعضكم رقاب بعض». ومع كونه من أعظم الذنوب وأطلق عليه الشارع الكفر فإنه لا يخرج من الدائرة الإيمانية؛ لقوله تعالى: ﴿إنما  المؤمنين إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾. وترك الصلاة وترك إيتاء الزكاة كما في آية التوبة التي صدرنا بها الجواب مخرج عن الدائرة الإيمانية؛ لأن الله اشترط للأخوة هذه الشروط الثلاثة، إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فإن قال قائل: هل تقول بتكفير مانع الزكاة؟ فالجواب: قد قيل بذلك، أي أن مانع الزكاة بخلاً لا يكفر، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، لكن القول الراجح أنه لا يكفر لحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه مسلم في صحيحه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار ويحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». وكونه يرى سبيلاً إلى الجنة يدل على أنه ليس بكافر، فيقال: إن إيتاء الزكاة دلت السنة على أن من لم يقم به فليس بكافر، والسنة كما هو معلوم لأهل العلم تخصص القرآن وتقيده وتفسره وتبينه، أما الدليل من السنة على أن تارك الصلاة كافر فما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن  عبد الله رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». وما رواه بريد بن حصين عن النبي صلى  الله عليه وسلم أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» أخرجه أهل السنن، وهذا يدل على، بل هذان الحديثان يدلان على كفر تارك الصلاة، ووجه ذلك لفظ البينية الدالة على الانفصال، انفصال الشرك من الإيمان، وأن هذا هو الحد الفاصل، فمن أقام الصلاة فهو في جانب الإيمان، ومن تركها فهو في جانب الكفر والشرك، ومن أقام الصلاة فهو من المسلمين، ومن لم يقمها فهو من الكافرين، «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»، وأما أقوال الصحابة رضي الله عنهم فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله  عنه: (لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة)، حظ أي نصيب، وهو منفي بلا النافية للجنس الدالة على العموم، وإذا انتفى الحظ القليل والكثير في الإسلام لم يبقَ إلا الكفر، وقد  قال عبد الله بن شقيق رحمه الله، وهو من التابعين: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة.) وأما النظر الصحيح وهو الدليل الرابع فإنه يقال: كيف نقول لشخص محافظ على ترك  الصلاة لا يصلي وهو يسمع النداء ويرى المسلمين يقومون بالصلاة وهو غير مبالٍ بها ولا مكترث بها، كيف نقول لمن هذا حاله إنه مسلم؟! هذا من أبعد ما يكون، فالنظر الصحيح يدل على كفر هذا الرجل، وإن قال: لا إله الله محمد رسول الله، وليس كل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله  يكون مسلماً، فلو قال أحد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكفر بآية من القرآن أو بحكم من أحكام الله عز وجل وهو يعلم أنه من أحكام الله فهو كافر، فإن قال قائل: أفلا يمكن حمل الحديث: «بين الرجل وبين الشرك والكفر  ترك الصلاة» على أن المراد بذلك كفر النعمة؟ فالجواب: هذا لا يصح؛ لما أشرنا إليه من قبل وهو كلمة البينية، فإن كلمة: [بين] تعتبر حداً فاصلاً لا يمكن أن يختلط هذا بهذا إطلاقاً، والبينية المطلقة تدل على التباين المطلق، فترك الصلاة مباين للإسلام لا يمكن أن يكون الإنسان مسلماً وهو تارك لصلاته، فإن قال قائل: أفلا يمكن أن نحمل النصوص الدالة على الكفر على أن المراد من تركها جاحداً لها؟ فجوابه أن هذا لا يمكن؛ لأن مجرد الجحد كفر، مجرد جحد الصلاة كفر سواء فعلها أم لم يفعلها، فلو أن أحداً كان يحافظ  على الصلاة ويأتي بها مع الجماعة ولكنه يعتقد أنها ليست بفرض، وأن الإنسان مخير فيها إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعل فإنه كافر، ومع ذلك فهو لم يتركها، وحمل النصوص على أن المراد به الجحد لا يصح من وجهين؛ الوجه الأول: أننا ألقينا الوصف الذي قيد الشارع الحكم به وهو الترك، والثاني: أننا أثبتنا وصفاً لم يعتبره الشرع وهو الجحد، وهناك وجه ثالث أنه لا ينطبق على الحديث؛ لأنه كما قلنا أنفاً: لو صلى ودوام على الصلاة وهو جاحد كان كافراً مع أنه لم يترك، فتبين بهذا أن تارك الصلاة كافر، وأن تأويل نصوص الكفر على أن المراد به كفر  النعمة لا يصح، وتأويلها على أن المراد به الجحود لا يصح أيضاً، وينبغي أن يعلم طالب العلم أنه مسئول أمام الله عز وجل يوم القيامة عن الحكم بما تقضيه ظواهر الكتاب والسنة، ويعلم أيضاً أن الحكم على الناس وعلى أقوالهم وأفعالهم ومعتقداتهم ليس إلى أحد إلا إلى الله ورسوله، فما بالنا نتهيب أن نحكم على شخص بكفر دل الكتاب والسنة على أنه وصفه وأنه مستحق له، أن التهيب من هذا مع دلالة النصوص كالتهيب من تحريم شيء  دال الشارع على تحريمه مع وضوح أدلته ولسنا نحن الذين نحكم على عباد الله وعلى أفعال عباد الله،  وإنما الذي يحكم هو الله عز وجل سواء في كتابه أو فيما جاء عن نبيه صلى الله عليه وسلم،  وعلى هذا فالواجب على الإنسان أن ينظر إلى النصوص على أنه تابع، بل أن ينظر  إلى النصوص على أنها متبوعة لا على أنها تابعة حتى يسلم من التأويل، سواء أكان هذا التأويل قريباً أم بعيداً إذا لم يدل عليه دليل من الكتاب والسنة، وبناء على هذا فإننا نقول: هذا الرجل الذي سألت عنه المرأة إذا كان ترك الصلاة لمدة خمس سنوات قبل وفاته مع سلامة بدنه وصحة عقله فإنه يكون كافراً ميتاً على الكفر، إلا إذا علم أنه في آخر حياته تاب وصلى، وإذا قدر أنه مات على ترك الصلاة فإنه لا يجوز لها أن تحج عنه ولا أن تدعوا له. نعم.
السؤال: إنما عليها أن تتحرى ابنته؟

الشيخ: عليها أن تتحرى في أمرين؛ الأمر الأول: هل كان حين ترك  الصلاة هل كان عاقلاً معه عقله وشعوره؟ لأني أستبعد أن يدع الصلاة ومعه وعقله وشعوره، مع أنه كان في الأول محافظاً عليها وعلى بقية العبادات، وثانياً: هل رجع قبل موته أو لم يرجع لأنه يمكن أن يكون رجع قبل أن يموت، كما يوجد في كثير من الناس يحصل منهم تفريط وتهاون ثم يوقظهم الله عز وجل في آخر حياتهم، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق فقال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطنه أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون نطفة مثل ذلك،  ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وعمله وشقي أم سعيد»، إلى قوله: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه  القول فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم يعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل أهل الجنة فيدخلها». فالإنسان قد ييسر الله له اليقظة في آخر حياته وتكون  خاتمته خاتمة خير وسعادة، وليعلم أن  قوله في الحديث: «ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع»  هذا مقيد بحديث آخر وهو أنه يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى يكون ما بينه وبينها إلا ذراع لقرب أجله، ثم بعد ذلك يغلب عليه ما في قلبه من السيئات الخبيثة، وأعوذ بالله حتى يعمل بعمل أهل النار فيدخلها. نعم.