حلف عليها بالطلاق..فخالفته فهل يقع عليه الطلاق ؟
مدة الملف
حجم الملف :
4189 KB
عدد الزيارات 1620

السؤال: أختكم في الله المتوكلة على الله من المدينة المنورة، الحقيقة المستمعة الكريمة أرسلت برسالة طويلة وذكرت في هذه الرسالة أن نعرضها على فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين تقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الشيخ: وعليكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السؤال :

تقول: أفيدكم علماً يا فضيلة الشيخ بأنني طلقت من زوجي بسبب ذهابي إلى أهلي  في المدينة، وكان يمانع ذهابي إليهم، ففي المرة الأولى حصل الطلاق بأن كتبه في ورقه وسلمني إياها مكتوب بها طالق، وكان السبب خروجي مع أختي وابن أختي وذهابي معهم للنزهة، لأنه مانع الذهاب معنا ولم يريدني أن اذهب معهم، وبعد ذلك حصل الصلح، وفي شهر رمضان المبارك يوم الثالث عشر طلبت منه أن أذهب للمدينة لرؤية أهلي، فمانع في البداية ولكن بعد إصرار مني ذهبت ومكثت عندهم يومين،  وبعدها رجع لأخذي من عند أهلي فطلبت منه البقاء يوماً أخر فقط، لأنني كنت محتاجة لقرب أهلي وأمي وإخواني، لأنني في بداية الحمل وكانت نفسيتي مضطربة، حتى إنني لم أطق رؤيته ولا الجلوس بجواره، وكنت قد كرهته كثيراً في بداية الحمل، وأوضحت له حالتي النفسية بغية مني أن يراعي ظروفي لكنه لم يفعل، وقال لي وهو غاضب لعدم ذهابي معه: إذا لم تذهبي معي الآن إلى جدة فأنت طالق، ولم أذهب معه في تلك الليلة، وكانت الليلة الثانية فذهبت إلى جدة وحصل الصلح بيننا وبينه، وبعدها بيومين كانت حالتي النفسية سيئة جداً حيث إنني لم استطع الجلوس في بيتي، طلبت منه أن نسكن في مكان أخر مؤقتاً حتى تهدأ  حالة الوحم أو أذهب إلى أهلي أو إلى أي مكان أخر ولو لمدة شهر، لكنه لم يوافق رغم رؤيته لحالتي النفسية والمرضية، مما اضطرني أن أقترح عليه الذهاب إلى المدينة المنورة عندما ضاقت بي الأسباب لأنه لم يقف جنبي ولم يراعني وأنا في هذه الحالة النفسية السيئة، علماً بأنني لأول مرة يحصل لي حمل ولم أكمل معه ثمانية أشهر من زواجي، وعندما قررت الذهاب إلى المدينة قال لي: لو ذهبت فأنت طالق، فطلبت منه أن يذهب معي ليلة ونرجع سوية لكنه لم ينفذ رغبتي ولم يراعِ شعوري، وبدون وعي مني ذهبت إلى المدينة وجلست عند أهلي، ولم يسأل ولم يبحث عما حصل بيننا، ولكنني الآن حامل في الشهور المتقدمة متندمة كثيراً، ولم أكن راغبة في الانفصال عن زوجي، وأتمنى من الله العلي القدير أن يكتب لي الرجوع إليه بالحلال إنه سميع مجيب، نرجو منكم يا شيخ محمد معالجة لهذه الحالة.

الجواب:


الشيخ: الحمد لله رب العالمين. وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه  ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فقبل أن أجيب على هذا السؤال أود أن أوجه نصيحتين إحداهما للزوج والثانية للسائلة الزوجة، أما نصيحتي للزوج فإني أنصح الزوج هذا وجميع إخواننا المتزوجين أنصحهم بأن يضبطوا أعصابهم عند الغضب، وأن يتريثوا في أمور الطلاق ولا يتعجلوا، فإن الطلاق الأصل فيه الكراهة إلا إذا دعت الحاجة إليه، ولهذا أمر الله عز وجل أن تطلق النساء للعدة، فلا يطلقها الإنسان وهي حائض، ولا يطلقها في طهر جامعها فيه إلا أن تكون حاملاً، فإن الحامل يصح طلاقها بكل حال، كل هذا من أجل التريث وعدم التسرع في الطلاق، وجعل للمرأة ثلاث حيض تعتد فيها لعل زوجها يراجعها في هذه المدة، كما قال الله تعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ (الطلاق: من الآية1) والتسرع في الطلاق من الحمق والسفه؛ فإن الإنسان إذا طلق زوجته لا يفارق سلعة من السلع يشتري بدلها، وإنما يفارق امرأة قد تكون هي أم أولاده أيضاً فيتفرق الأولاد ويتشتت الشمل، فعلى الإنسان أن يتريث وأن لا يتسرع، وإذا قدر أنه عازم على الطلاق فليطلق بهدوء، وليطلق للعدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، فيطلقها إما حاملاً وإما طاهراً لغير جماع.
أما نصيحتي للمرأة السائلة فإني أنصحها وأنصح جميع المتزوجات أن يصبرن على أزواجهن، وأن يتحملنّ ما يحدث منهم من مثل هذه الأمور التي قد تؤدي إلى المعاندة، لأن المعاندة ربما يحصل بها الفراق فيندم كل من الزوجين على ما فعل.

أما موضوع السؤال الذي يتبين لي أن هذا الرجل طلق زوجته الطلقة الأولى طلقة واضحة ليس فيها إشكال، وأما الثانية والثالثة فهما طلقتان معلقتان على فعل المرأة، وقد خالفت فيما علق الطلاق عليه، وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يقول إنه يحنث ويقع عليه الطلاق في المرتين كليهما، وبناء على ذلك تكون المرأة هذه قد بانت من زوجها لأنه طلقها ثلاث مرات، الطلقة الأولى التي ليست معلقة على شيء والطلقتين الأخريين المعلقتين على عدم ذهابها إلى أهلها ولكنها ذهبت، وذهب بعض العلماء إلى أن الطلقتين المعلقتين تكونان على حسب نية الزوج، فإن كان قد نوى الطلاق وقع الطلاق بمخالفتها إياه، وإن كان قد نوى باليمين حملها على ألا تذهب وتهديدها إن ذهبت بالطلاق فإنه لا يقع الطلاق وتلزمه كفارة يمين، وهذا القول هو الراجح عندي واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وإنما ذكرت القول الأول الذي هو قول جمهور أهل العلم وهو وقوع الطلاق ليتبين للسائل ولغيره ممن يستمع أن الأمر في هذه المسألة خطير، وأن الواجب على الإنسان أن لا يقدم على مثل هذا الفعل، فإن جمهور أهل العلم يرون أن الزوجة في مثل هذه المسألة حرام على زوجها لأنها طلقت منه ثلاث مرات، أقول: إنما ذكرت هذا الخلاف حتى يخاف الناس وحتى لا يكثروا من هذا الأمر الذي يمكنهم أن يحلفوا بالله عز وجل على زوجاتهم، والزوجة يجب عليها إذا نهاها زوجها عن شيء أن توافقه فيما نهاها عنه، لأن الله تعالى سمى الزوج سيداً فقال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾(يوسف: من الآية25) يعني زوجها، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النساء عوانٍ عند الرجال، والعوانِ جمع عانية وهي الأسيرة، فللزوج الحق في أن يمنع زوجته مما يخشى منه العاقبة السيئة، وعلى الزوج أيضاً أن يتقي الله عز وجل في مراعاة زوجته وأن يعاشرها بالمعروف، كما قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(النساء: من الآية19) وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(البقرة: من الآية228) بناء على القول الراجح عندي في مسألة هذا الرجل فإني أقول له: إن كانت نيتك بقولك: إن ذهبت لأهلك فأنت طالق، إن كانت نيتك أنها تطلق إذا ذهبت لأنها بعصيانها إياك تكون غير مرغوبة عندك فإن الطلاق يقع، أما إذا كانت نيتك أن تخوفها وأن تحملها على ترك الذهاب فإن حكم هذا حكم اليمين وعليك أن تطعم عشرة مساكين عشر كيلوات من الرز ومعهم اللحم الكافي لهم، وإن شئت فاصنع الطعام أنت وغدِّ المساكين أو عشّهم. نعم.