نذر أن يصوم عشرة أيام من أول الشهر فصام بعضها وعجز عن البعض الآخر فصامها في الشهر الثاني فماذا يلزمه ؟
مدة الملف
حجم الملف :
3066 KB
عدد الزيارات 1059

السؤال:

السؤال الأخير في رسالة أبو فيصل من الرياض يقول: رجل نذر أن يصوم عشرة أيام في بداية شهر ما، فلم يستطع إكمالها جميعاً، فأخر بعضها للشهر الثاني، هل عليه كفارة في هذه الحالة؟

الجواب:


الشيخ: أولاً نحن من هذا المنبر نكرر النهي عن النذر، آخذين بنهي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل». وما أكثر السائلين الذين يسألون عن نذور نذروها، إما لوقوع في ضيق فينذرون إن نجاهم الله منه أن يتصدقوا أو يصوموا، وإما لمريض كان عندهم وينذرون إن شفاه الله أن يتصدقوا أو يصوموا، وإما لطلب الذرية ينذرون إن رزقهم الله أن يفعلوا كذا وكذا من العبادات، كأن الله عز وجل لا يمنن عليهم بنعمه  ألا إذا شرطوا له على النذر، وإنني من هذا المكان أحذر إخواني المسلمين من النذر، وأنقل إليهم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه؛ لأنهم دائماً ينذرون فيندمون، وربما ينذرون ولا يوفون، وما أعظم عقوبة من نذر لله سبحانه وتعالى ولم يوفِّ، فلنستمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ۞فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ۞فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾. ثم إن النذر أقسام، منه ما يجب الوفاء به، ومنه ما لا يجب الوفاء به لكونه جارياً مجرى اليمين، فإذا نذر الإنسان لعبادة سواء كان نذراً مطلقاً أو معلقاً قاصداً فعل تلك العبادة وجب عليه أن يأتي بهذه العبادة، مثال ذلك قال رجل: لله علي نذر أن أصلي ركعتين، هذا نذر لله مطلق، فيجب عليه أن يصلي فوراً ما لم يقيده بزمن أو مكان، فإن قيده بزمن لا يجب عليه أن يصلي حتى يأتي ذاك الزمن، وإن قيدها بمكان لا يلزمه أن يصلي إلا في ذلك المكان الذي نذره، ما لم يكن فيه محظور شرعي، لكن يجوز له أن يصليها في المكان الآخر، إلا إذا كان الذي عينه له مزية الفضل فإنه لا يجوز أن يصليها في مكان ليس له ذلك الفضل، مثل لو نذر الصلاة في المسجد  الحرام لم تجز له الصلاة في ما سواه من المساجد، ولو نذر الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أجزأه أن يصلي في المسجد الحرام، ولو نذرها في المسجد الأقصى أجزأه أن يصليها في المسجد النبوي وفي المسجد الحرام أيضاً، فإذا نذر الأعلى لا تجزئ الصلاة فيما دونه، وإن نذر الأدنى أجزأه ما هو أعلى منه، المهم النذر في العبادة يجب الوفاء به سواء كان مطلقاً كما مثلنا، أو معلقاً كما لو قال: إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أصوم شهراً، أو قال: إن نجحت في الامتحان فلله علي نذر أن أصوم ثلاثة أيام، أو أن أصوم يوم الاثنين من الشهر الفلاني، فيجب عليه الوفاء، ذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». أما إذا كان النذر جارياً مجرى اليمين والتعبد لله بمثل هذه العبادة المعينة، وإنما يقصد الناذر أن يمتنع عن فعل معين أو أن يستقيم بفعل معين، مثل أن يقول: لله علي نذر أن لا ألبس هذا الثوب، هذا يخير بين لبسه وكفارة اليمين، أو يقول إن لبست هذا الثوب فلله علي نذر أن أصوم شهراً، فهنا إذا لبس الثوب لا يلزمه أن يصوم شهراً، بل إن شاء صام شهراً وإن شاء كفر عن نذره كفارة يمين؛ لأن كل نذر يقصد به المنع أو الحث أو التصديق أو التكذيب فإنه يكون جارياً مجرى اليمين، بعد هذا نرجع إلى جواب السؤال الذي تقدم به السائل وهو أنه نذر أن يصوم عشرة أيام من شهر ما ثم لم يصمها في ذلك الشهر وصامها في الشهر الثاني، فنقول له: إن عليك كفارة يمين؛ لأن نذرك تضمن شيئين؛ تضمن صيام عشرة أيام، وأن تكون في هذا الشهر المعين، فلما فاتك أن تكون في هذا الشهر المعين لزمتك كفارة اليمين لو فات وقتها، وأما الأيام فقد صمتها، وأخيراً أرجو من إخواني المسلمين أن لا ينذروا، أن لا يكلفوا أنفسهم بهذه النذور، ألا يلزموها بما لم يلزمها الله به، ألا يفعلوا شيئاً يندمون  عليه، وربما لا يوفون به فيقع  عليهم ما  وقع على من عاهد الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ۞فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ۞فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾. أخشى أن يقع الإنسان إذا نذر لله نذراً كهذا الذي ذكره الله عز وجل ثم لم يوفِّ به أن يعقبه الله تعالى نفاقاً في قلبه إلى الممات، وأكرر رجائي أن ينتبه إخواني المسلمون إلى هذه المسألة، وأن ينتهوا عن النذر كما نهاهم عنه نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم. والله المستعان.