حكم الحلف على المصحف وبالمصحف
مدة الملف
حجم الملف :
2527 KB
عدد الزيارات 7064

السؤال:

بارك الله فيكم، رسالة وصلت من أخيكم في الله رمز لاسمه بـ ع. ج. يسأل ويقول: هل يجوز الحلف بالمصحف، والحلف على المصحف، يقول مثلاً: والمصحف، لأعمل كذا، ما حكم الشرع في نظركم؟

الجواب:


الشيخ: هذا السؤال ينبغي أن نبسط الجواب فيه، وذلك أن القسم بالشيء يدل على تعظيم ذلك المقسم به تعظيماً خاصاً لدى المقسم، ولهذا لا يجوز لأحد أن يحلف إلا بالله تعالى؛ بأحد أسمائه أو بصفة من صفاته، مثل: أن يقول: والله لأفعلنّ، ورب الكعبة لأفعلنّ، وعزة الله لأفعلنّ، وما أشبه ذلك من صفات الله سبحانه وتعالى، والمصحف يتضمن كلام الله، وكلام الله تعالى من صفاته، وهو -أعني كلام الله- صفة ذاتية فعلية لأنه بالنظر إلى أصله، وأن الله تعالى لا يزال موصوفاً به، لأن الكلام كمال، فهو من هذه النظرية من صفات الله الذاتية لم يزل ولا يزال متكلماً، ﴿فعال لما يريد﴾، وبالنظر إلى آحاده يقوم من الصفات الفعلية لأنه يتكلم متى شاء، قال الله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾، فقرن القول بالإرادة، وهو دليل على أن كلام الله يتعلق بإرادته ومشيئته، والنصوص في هذا متضافرة كثيرة، وأن كلام الله تحدث آحاده حسب ما تقتضيه حكمته، وبهذا نعرف بطلان قول من يقول: إن كلام الله أزلي، ولا يمكن أن يكون تابعاً لمشيئته، وأنه هو المعنى القائم بنفسه، وليس هو الشيء المسموع الذي يسمعه ما يكلمه الله عز وجل، فإن هذا قول حقيقته أن قائله جعل كلام الله. وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتاباً يعرف باسم التسهيلية، بيّن فيه بطلان هذا القول من تسعين وجهاً، فإذا كان المصحف يتضمن كلام الله، وكلام الله تعالى من صفاته، فإنه يجوز الحلف بالمصحف، بأن يقول الإنسان: والمصحف، ويقصد ما فيه من كلام الله عز وجل، وقد نص على ذلك فقهاء الحنابلة رحمهم الله، ومع هذا فإن الأولى للإنسان أن يحلف بما لا يشوش على السامعين، بأن يحلف باسم الله عز وجل، فيقول: والله، أو ورب الكعبة، أو الذي نفسي بيده، وما أشبه ذلك من الأشياء التي لا تستنكرها العامة، ولا يحصل لديها فيها تشويش، فإن تحليف الناس بما يعرفون وتطمئن به قلوبهم خير وأولى، وإذا كان الحلف إنما يكون في بالله وأسمائه وصفاته، فإنه لا يجوز أن يحلف أحد بغير الله، لا بالنبي، ولا بجبريل، ولا بالكعبة، ولا بغير ذلك من المخلوقات، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»، وقال صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، فإذا سمع الإنسان شخصاً يحلف بالنبي أو بحياة النبي أو بحياة شخص آخر، فلينهه عن ذلك، وليبين له أن ذلك حرام، ولكن ليكن نهيه وبيانه على وفق الحكمة، بحيث يكون باللطف واللين، والإقبال على الشخص وهو يريد نصحه وانتشاله من هذا العمل المحرم، لأن بعض الناس تأخذه الغيرة عند الأمر والنهي، فيغضب، ويحمر وجه، وتنتفخ أوداجه، وربما يشعر في هذه الحال أنه ينهاه انتقاماً لنفسه، فيلقي الشيطان في نفسه هذه العلة، ولو أن الإنسان نزل الناس منازلهم، ودعا إلى الله بالحكمة واللين والرفق، لكان ذلك أقرب إلى القبول، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله يعطي بالرفق ما لا يعطي على العنف، ولا يخفى على كثير من المستمعين ما حصل من النبي عليه الصلاة والسلام في قصة الأعرابي الذي جاء إلى المسجد، فبال في طائفة منه، فزجره الناس، وصاحوا به، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى بوله دعاه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: «إن هذه المساجد لا يصح فيها شيء من البول والقذر، وإنما هي للتكبير والتسبيح وقراءة القرآن». أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ثم أمر أصحابه أن يصبوا على البول دلواً من ماء، وبهذه زالت المفسدة، وطهر المكان، وحصل المقصود بالنسبة لنصيحة هذا الأعرابي الجاهل، وهكذا ينبغي لنا نحن في دعوة عباد الله إلى دين أن نكون داعين لله سبحانه وتعالى فنسلك الطريق التي تكون أقرب إلى إيصال الحق إلى قلوب الخلق وإصلاحهم، والله الموفق.