حكم استخدام العطور المحتوية على نسبة من الكحول في تطهير الجروح
مدة الملف
حجم الملف :
2620 KB
عدد الزيارات 1169

السؤال:

بارك الله فيكم، هذه رسالة وصلت من مصر، من إحدى الأخوات المستمعات، تقول في رسالتها: هل يجوز الاستخدام الظاهري للروائح والعطور التي تحتوي على نسبة من الكحول، كما في تطهير الجروح وغيرها، أفيدونا أفادكم الله؟

الجواب:


الشيخ: هذا السؤال يحتاج في الجواب عنه إلى أمرين، الأمر الأول: هل الخمر نجس، أو ليس بنجس؟ وهذا مما اختلف فيه أهل العلم، وأكثر أهل العلم على أن الخمر نجس نجاسة حسية، بمعنى أنه إذا أصاب الثوب أو البدن أو البقعة، وجب التطهر منه، ومن أهل العلم من يقول: إن الخمر ليس بنجس نجاسة حسية، وذلك لأن النجاسة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل على أن الخمر نجس، وإذا لم يثبت بدليل شرعي أن الخمر نجس، فإن الأصل الطهارة، وإذا كان الأصل الطهارة فإن من قضى بنجاسته مطالب بالدليل، قد يقول قائل: الدليل من كتاب الله في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، والرجس بمعنى النجس، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾، أي: هذا المطعوم من الميتة والدم المسفوح ﴿فإنه رِجْسٌ﴾،أي: نجس، والدليل على أن المراد بالرجس هنا النجس قول النبي صلى الله عليه وسلم في جلود الميتة: «يطهرها الماء والقرض»، فإن قوله: "يطهرها" دليل على أنها كانت نجسة، وهذا أمر معلوم عند أهل العلم، فإذا كان الرجس بمعنى النجس، فإن قوله تعالى في آية تحريم الخمر رجس من عمل الشيطان، أي: نجس، ولكن يجاب على ذلك بأن المراد بالرجس هنا الرجس العملي، لا الرجس الحسي، بدليل قوله: ﴿رجس من عمل الشيطان﴾، وبدليل أن الميسر والأنصاب والأزلام ليست نجسة نجاسة حسية كما هو معلوم، والخبر هو ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ خبر عن الأربعة، عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وإذا كان خبراً عن هذه الأربعة، فهو حكم عليها جميعاً لحكم تتساوى فيه، ثم إن عند القائلين: إن الخمر ليس بنجس نجاسة حسية دليلاً من السنة، فإنه لما نزل تحريم الخمر لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الأواني منها، والصحابة رضي الله عنهم أراقوها في الأسواق، ولو كانت نجسة ما أراقوها في الأسواق لما يلزم من تنجيس الأسواق، وتنجيس المارين بها، بل قد ثبت في صحيح مسلم في قصة الرجل الذي أهدى راوية خمر إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إنها حرمت، فساره رجل، أي: تكلم مع هذا الصحابي رجل آخر سراً، يقول له: بعها، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، فأخبره بأنه يقول له: بعها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه»، ففتح الرجل فم الراوية، وأراق الخمر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بغسلها من هذا الخمر، فدل على ذلك على أن الخمر ليس بنجس نجاسة حسية، هذا هو الأمر الأول الذي يحتاجه هذا السؤال. أما الأمر الثاني فهو إذا تبين أن الخمر ليس بنجس، وهو القول الراجح عندي، فإن الكحول لا تكون نجسة نجاسة حسية، بل نجاستها معنوية، لأن الكحول المسكرة خمر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر»، وإذا كانت خمراً فإن استعمالها في الشرب، ولك لأن تمزج في شيء مأكول، ويؤكل، حرام بالنص والإجماع، وأما استعمالها لغير ذلك كالتطهير من الجراثيم ونحوه، فإنه موضع نظر، فمن تجنبه فهو أحوط، وأنا لا استطيع أن أقول: إنه حرام، لكني لا أستعمله بنفسي إلا عند الحاجة إلى ذلك، كما لو احتجت إلى تعقيم جرح، أو نحوه، والله أعلم.