حكم الأكل مع تارك الصلاة
مدة الملف
حجم الملف :
3799 KB
عدد الزيارات 4728

السؤال:

هذه رسالة من المستمع ع. أ. ب. سوداني، يقول في رسالته: هل يصح الأكل مع تارك الصلاة، وإذا كانت الإجابة: لا، ماذا نعمل مع من تجمعنا معه ظروف وأوقات، مثل: الأفراح، السراء والضراء، والجار، والصديق الذي يحضر لك بأكله عندما يأتون الضيوف للإخوان، أفيدونا بذلك مأجورين؟

الجواب:


الشيخ: إن تارك الصلاة تركاً مطلقاً، لا يصليها في بيته ولا في المساجد، كافر كفراً مخرجاً عن الملة، كما دل على ذلك كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة، والمعنى والاعتبار، أما الدلالة من كتاب الله تعالى على كفر تارك الصلاة ففي قوله تعالى في المشركين: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾، وجعل الله ثبوت الأخوة بالدين مشروطاً بهذه الأمور الثلاثة، التوبة من الشرك، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإذا كانت الأخوة  في الدين لا تثبت إلا بهذه الأمور الثلاثة، فإن فقدها، أو فقد واحد منها يخرج الإنسان عن الدين، ولا يخرج الإنسان من الأخوة في الدين إلا الكفر، وإلا فإن المؤمنين إخوة، وإن جرى منهم معاصٍ، بل وإن حصل منهم الكبائر ما عدا الكفر، فإذا تاب المشركون من الشرك، فلم يقيموا الصلاة فليسوا إخوة لنا في الدين، وإن أقاموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة، فليسوا إخوة لنا في الدين، وإذا لم يكونوا إخوة لنا في الدين، فهم كفار، وهذه دلالة واضحة من الآية الكريمة، ألا أن منع الزكاة بخلاً وتهاوناً قد دلت السنة على أنه ليس بكفر، وذلك فيما رواه أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من صاحب ذهب، ولا فضة، لم يؤدّ منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جنهم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار» وكون هذا الذي لا يؤدي حقها يمكن أن يرى سبيلاً له إلى الجنة دليل على أنه ليس بكافر، إذ إن الكافر لا يرى سبيله إلى الجنة، ومن أدلة القرآن أيضاً: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾، ووجه الدلالة أن الله قال: ﴿إلا من تاب وآمن﴾ وهذا يدل على أنهم كانوا غير مؤمنين حين إضاعتهم الصلاة، وأما الدلالة من السنة، فمنها ما رواه مسلم في صحيحه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أهل السنن من حديث بريدة: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الصلاة فاصلاً بين الكفر والإيمان، وبين المسلمين والكفار، والفاصل بين شيئين يستلزم أن يكون كل واحد منهما سوى الآخر، وأما الآثار عن الصحابة، فمنها ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث قال: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. وقد نقل إجماع الصحابة رضي الله عنهم على كفر تارك الصلاة عبد الله بن شقيق، حيث قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. ونقل إجماعهم أيضاً إسحاق بن راهويه الإمام المشهور، ونقله غيره أيضاً، وأما المانع لكفر تارك الصلاة أن كل مؤمن بما جاء في الصلاة من العناية والرعاية والحث عليها، وتخصيصها بخصائص لا توجد في غيرها من العبادات، لا يمكنه مع هذا أن يدع الصلاة وفي قلبه شيء من الإيمان، فالتلازم بين الإيمان القلبي وبين فعل الصلاة أمر ظاهر، ولا يعرفه إلا أرباب القلوب، وبهذه الأدلة الأربعة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والمعنى، يتبين أن القول الراجح في تارك الصلاة إنه كافر كفراً مخرجاً عن الملة، وإنه يجب أن يستتاب، فإن تاب ورجع إلى الإسلام بالصلاة، وإلا قتل كافراً مرتداً، لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، والله يعلم أنني قد بحثت كثيراً في هذه المسألة، ونظرت في أدلة القائلين إن تارك الصلاة ليس بكافر، فلم أر لهم دليلاً يمكن أن يعارض الأدلة التي ذكرناها في كفر تارك الصلاة، فكل الأدلة التي استدلوا بها لا تعدو واحداً من أربعة أمور، فإما أن لا يكون فيها دليل أصلاً، وإما أن تكون مقيدة بحال يعذر فيها من لم يصل، كما في حديث حذيفة، فإن هؤلاء القوم الذين كفتهم كلمة لا إله إلا الله أدركوا الإسلام، وهم لا يعلمون عنه شيئاً، وإما أن تكون مقيدة بوقت لا يمكن معه ترك الصلاة، لحديث عتبان بن مالك: «إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله»، يبتغي بذلك وجه الله، وإما أن تكون عامة مخصصة بأدلة كفر تارك الصلاة، وأما أن يوجد نص بأن تارك الصلاة لا يكفر، أو أن تارك الصلاة يدخل الجنة، أو أن تارك الصلاة مؤمن، أو ما أشبه ذلك، فإن هذا متعذر، ولو وجد نحو هذا الدليل لطلب الجمع بينه وبين الأدلة التي تدل على كفره، أو الترجيح، لكن هذا النوع من الأدلة لم يوجد أبداً، ولا يمكن أن تحمل أدلة كفر تارك الصلاة على من تركها جحوداً، لأننا لو حملناها على ذلك لألغينا الوصف الذي اعتبره الشرع، وهو الترك، وأتينا بوصف جديد من عندنا، وهو الجحود، فيكون في ذلك جناية على النص من وجهين، أحدهما: إلغاء ما اعتبره الشرع. والثاني: اعتبار وصف لم يثبته الشارع. ثم إن الجحود مكفر برأسه، أو بعبارة أخرى، ثم إن الجحود مكفر وحده، وإن لم يكن معه ترك، وهذا لو أن أحداً من الناس حافظ على الصلوات في أوقاتها مع الجماعة، وهو يعتقد أنها ليست مفروضة، بل هي تطوع، وللإنسان الخيرة في تركها، لو أن أحداً كان على هذه الحال لكان كافراً، وإن لم يترك الصلاة، فدل ذلك على أن تقييد هذه النصوص بمن ترك الصلاة جاحداً لوجوبها تقييد لا وجه له، ونحن حين نكفر تارك الصلاة بمقتضى الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة رضي الله عنهم لم نَعْدُ ما يلزمنا نحو كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الحكم بالتكفير وعدمه راجع إلى الشرع، كما أن الحكم بالحل والحرمة والإيجاب والاستحباب في الأحكام الشرعية راجع إلى الشرع أيضاً، فهي كذلك الحكم بالتكفير، فإذا دلت النصوص على كفر أحد من الناس بعمل عمل من الأعمال، أو بترك عمل من الأعمال، فليس لنا إلا التسليم بما دل له النص، لأن الكل عبيد لله عز وجل، وهو الذي يحكم بينهم وفيهم بما تقضيه حكمته، قال الله عز وجل: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾، وقال الله تعالى: ﴿له الحكم وإليه يرجعون﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه ليس للعباد أن يخرجوا عما تقتضيه أدلة الكتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الحكم فيما دلت عليه متعين، سواء أكان ذلك بما يستنكره الناس، أم يستغربونه، أم لأمر لا يستنكرونه، بل يألفونه.