حكم من يقول إن هطول الإمطار نتيجة تبخر البحار...
مدة الملف
حجم الملف :
2711 KB
عدد الزيارات 8261

السؤال:

هذه الرسالة من المستمع سعيد عبد اللطيف صالح من اليمن لواء تعز، يقول: نعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بأصحابه صلاة الصبح في الحديبية على إثر سماء نزلت في الليل، فلما سلم أقبل على أصحابه، وقال لهم:« أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إنه قال: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فقد أصبح وهو مؤمن بي، وكافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا فهو مؤمن بالكوكب، وكافر بي». وفي هذا الزمن يقولون: إن الأمطار تتبخر، أو هي نتيجة تبخر البحار والمحيطات إلى غير ذلك، فمن اطلع على حقيقة ذلك، وهل هذا الاعتقاد جائز، وما الدليل من الكتاب والسنة على هذا القول؟

الجواب:


الشيخ: قول
السائل: "نعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم"، الصواب أن يقال: إنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن قول روي عن الرسول معناه تضعيف الحديث، والحديث ثابت، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام صلى بأصحابه صلاة الصبح على إثر مطر نزل، فلما أنهى صلاته، أقبل عليهم، وقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن، وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب». من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمن بالله، لأنه اعترف لله بالفضل، وأن هذا المطر من آثار فضله ورحمته تبارك وتعالى، وهذا هو الواجب على كل مسلم، أن يضيف النعم إلى بارئها ومسجيها، وهو الله تبارك وتعالى، ولا حرج أن يضيفها إلى سببها الثابت شرعاً أو حساً، إلا أنه إذا أضافها إلى سببها الثابت حساً أو شرعاً فإنه لا يضيفها إلى السبب مقروناً مع الله عز وجل بالواو، وإنما يضيفها إلى سببها مقروناً مع الله تعالى بـ ( ثم )، أو إلى سببها وحده، فلو أن شخصاً أنقذ غريقاً من غرق، فهُنَا لا يخلو من حالات: الأولى: أن يقول: أنقذني الله تعالى على يد فلان، وهذا أفضل الأحوال. الثاني: أن يقول: أنقذني الله، ثم فلان، وهذه جائزة، وهي دون الأولى. الثالث: أن يقول: أنقذني فلان، ويعتقد أنه سبب محض، وأن الأمر كله إلى الله عز وجل، وهذه جائزة، ويدل لجوازها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أَخْبر عن عمه أبي طالب أنه كان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، والعياذ بالله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار.» الرابعة: أن يقول: أنقذني الله وفلان، وهذا لا يجوز لأنه أشرك سبباً مع الله بحرف يقتضي التسوية، وهو الواو، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: ما شاء الله وشئتَ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده». فالمطر النازل لا شك أنه بفضل الله ورحمته وبتقديره عز وجل وقضائه، ولكن الله تعالى جعل له أسباباً كما أشار الله إليه بقوله: ﴿الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً﴾ قد يرسل فتثير، أضاف الرسالة إلى السحاب لأنها سبب هذه الإثارة. ﴿فيبسطه في السماء كيف يشاء﴾ فلا بأس بإضافة الشيء مع سببه، مع اعتقاد أنه سبب المحل، وأن خالق السبب هو الله عز وجل، وأما قول الرسول عليه الصلاة والسلام عن الله تبارك وتعالى أن من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهو مؤمن بي، كافر بالكوكب، فهذا لأنهم أضافوا الشيء إلى سبب غير صحيح، لأن النوء ليس سبباً للمطر، فالنوء الذي هو الكوكب ليس الذي هو يجلب المطر، ولا علاقة له به، ولذلك أحياناً تكثر الأمطار في نوء من الأنواء، وتقل في سنة أخرى، وتعدم في سنة ثالثة، وربما يكون العكس، فالأنواء ليس لها تأثير في نزول المطر، ولهذا كانت إضافة المطر إليها نوعاً من الشرك، فإن اعتقد أن النوء يحدث المطر بنفسه بدون الله، فذلك شرك في الربوبية، شرك أكبر مخرج عن الملة، فهذا وجه قوله تبارك وتعالى فيما رواه عنه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب. وأما ما اشتهر من أن الأمطار تكون بسبب تبخر البحار ونحو ذلك، فهذا إن صح فإنه لا ينافي ما ذكره الله تعالى في القرآن، إذ من الجائز أن يكون هذا البخار تثيره الريح حتى يصعد في جو السماء، ثم يبسطه الله تعالى في السماء كيف يشاء، ثم ينزل به المطر، وهذه مسألة ترجع إلى أهل العلم بهذا الشأن، فإذا ثبت ذلك فإنا نقول: هذا البخار الذي تصاعد من البحار الذي خلقه هو الله، والذي جعله يصعد في الجو حتى يمطر هو الله عز وجل، ولا ينافي هذا ما جاء في القرآن إذا صح علمياً. والله أعلم.