الطلاق بالثلاث عند الغضب ، واختلاف الفتوى
مدة الملف
حجم الملف :
3299 KB
عدد الزيارات 3594

السؤال: 

 م.ع.ع. من سوريا يقول: أنا والحمد لله مسلم أقوم بواجباتي الدينية على أكمل وجه، أصلي وأصوم وأقرأ القرآن، ولكنني في هذا العام حصل بيني وبين زوجتي سوء تفاهم فنطقت بقولي: إنك طالقة ولم أسم اسمها أو أقل: أنت طالق، فسألت الشيخ عندنا فقال بالحرف الواحد: إن لم تكن قد لفظت باسمها أو قلت: أنتِ طالق فلا يقع الطلاق وليس عليك شيء إن شاء الله، وفي المرة الثانية كنت مريضاً في غاية المرض وعلى الفراش، وحدث خلاف بيني وبينها، فقلت: أنت طالق. طالق. طالق وأنا في حالة عصبية لأنها تدعو عليّ بعدم الشفاء وتراضينا بعدها ولكني لم أقربها، وصح بدني وأصبحت في حيرة من أمري هذا، فذهبت إلى شيخ قريب منا فسألته، فقال لي: لا يوجد لك حل عندي، فذهبت إلى شيخ آخر وقال: لا حرج في ذلك أهي معك حتى آتي وأعقد عقداً جديداً بينك وبينها، فقلت له: هي بعيدة عني ولكن علمني كيفية العقد الجديد فرجعت إلى أهلي وجئت بإمام القرية وشخص آخر فعقد عقداً جديداً بيني وبينها حتى اطمئن قلبي لذلك، فاتصلت بها بعقد جديد، وصرنا على هذه الحالة مدة ثلاثة أشهر، وأحيطك علماً أنني قبل الطلاق كنت أظن بأن الطلاق هو ثلاث مرات، أي: أن يقول الإنسان في المرة الأولى ثلاث طلقات، وفي المرة الثانية ثلاث طلقات، وفي المرة الثالثة أيضاً ثلاث، وأنا الآن في حيرة من أمري علماً أني أصلي وأصوم وأقوم بواجباتي كما أسلفت على أكمل وجه، فما الحكم في قضيتي هذه وماذا عليّ أن أفعل؟

الجواب:


الشيخ:  الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. الحقيقة أن هذا السؤال كنت حين قراءته لا أريد أن أجيب عليه؛ وذلك لأن هذا السائل سأل واقتنع برأي من سألهم، وقد ذكر أهل العلم: أن الإنسان إذا استفتى شخصاً أهلاً للفتوى مقتنعاً بقوله ملتزماً به فإنه لا يسأل أحداً غيره؛ لأنه حين سأله يعتقد أن ما يقوله هو شرع الله، وشرع الله تعالى إذا التزم به الإنسان لا يمكن أن يستبدل به غيره، ولكن رأيت أن أجيب على هذا السؤال لا إجابة شخصية لهذا السائل بل من أجل الفائدة؛ لأنه عرض واستمع إليه من يستمع هذا البرنامج: الحادثة الأولى: التي وقعت على هذا الشخص أنه قال: إنك طالق بالكاف، والكاف هنا حرف خطاب ولاشك أنه يريد بحرف الخطاب زوجته، وإذا كان كذلك فإنها تكون طالقاً سواء أتى بالضمير المنفصل وهو: أنتِ طالق أو أتى بالضمير المتصل وهو: إنك طالق، بل إنكِ طالق أبلغ من أنتِ طالق؛ لأن الجملة هنا مؤكدة بـ(إن) بخلاف أنت طالق، والضمير في أنت طالق كالضمير في إنك طالق؛ لأن كليهما ضمير مخاطب، وكذلك إذا سمى زوجته، فقال: زوجتي فلانة طالق وإن لم تكن حاضرة فإنها تطلق، وعلى هذا فتكون فتوى من أفتاك في المسألة الأولى بأن زوجتك لم تطلق فتوى غير صحيحة. وأما الحادثة الثانية: فقد ذكر أنه كان مريضاً فأغضبته غضباً شديداً حتى نطق بقوله: أنتِ طالق. طالق. طالق، ثم ذهب إلى شيخ يسأله، وظاهر فتوى الشيخ أنه حكم ببينونتها وأنه لابد من عقد، وعلى كل حال فإننا نقول في جواب هذه الحادثة: إذا كان الغضب شديداً بحيث لا يدري ما يقول فإن طلاقه لا يقع، بل حتى لو كان يعي ما يقول لكن الغضب أرغمه وحمله حتى لا يستطيع أن يمنع غضبه فقال بالطلاق فإنه لا يقع طلاقه على القول الصحيح، وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: « لا طلاق في إغلاق »؛ ولأن هذا إكراه نفسي باطني فيشبه الإكراه الخارجي من أحد غير الزوجة، أما إذا كان الغضب لا يبلغ إلى هذا الحد فإن الطلاق يقع، ولكن الطلاق يقع واحدة إذا قال: أنتِ طالق..طالق..طالق، ولم ينو الثلاث فإنه يقع واحدة حتى على المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.وأما إذا نوى بقوله: أنتِ طالق..طالق..طالق..الثلاث فإنه يقع الطلاق الثلاث على المشهور أيضاً في مذهب الإمام أحمد ، والراجح عندي أنه لا يقع الطلاق الثلاث بتكرار ألفاظه حتى لو نوى ذلك؛ لعموم حديث ابن عباس رضي الله عنهما:  «كان الطلاق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة»؛ ولأن الإنسان إذا طلق طلقة عقب طلقة فقد طلق لغير العدة، وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، ووجه كونه طلق لغير العدة أن العلماء قالوا: لو طلق الإنسان زوجته طلقة واحدة ثم بعد أن حاضت مرتين طلقها ثانية فإنها لا تستأنف العدة بل تبني على العدة الأولى، وهذا يعني أن الطلاق الثاني لم يكن طلاقاً لعدة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، ولو كان طلاقاً للعدة وجب عليها استئنافها، فالقول الراجح هو أن تكرار الطلاق -أعني: تكرار ألفاظه- لا يتكرر به الطلاق، وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الذي يدل عليه ظاهر حديث ابن عباس . وعلى هذا فتكون هذه الزوجة التي طلقتها بقولك: أنتِ طالق..طالق..طالق، إن كانت في العدة فإنها لا تحتاج إلى عقد، وإن كانت بعد انتهاء العدة فإنها تحتاج إلى عقد. هذا الجواب الذي قلته ليس جواباً شخصياً لهذا الرجل، ولكنه جواب علمي عن مثل هذه الحادثة؛ لأني لا أحب أن أفتي بشيء أفتى به أحد قبلي؛ لأن ذلك يحصل فيه تذبذب للعامة إذا اختلفت الفتوى وتردد وشك. نعم.