إشكال في الذكر الجماعي والجواب عنه
مدة الملف
حجم الملف :
1739 KB
عدد الزيارات 9168

السؤال:

أحسن الله إليكم. هذه الرسالة من المستمع محمد محمد حسن سوداني مقيم بالباحة يقول: لقد سمعت كثيراً أن الذكر الجماعي بدعة ولا يجوز ولكن حسب علمي المتواضع اطلعت على بعض الأحاديث التي تفيد أنه لا حرج في ذلك، ومن تلك الأحاديث ما رواه مسلم بما معناه أنه: ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده. وأعتقد أن السيوطي أشار إلى هذا الحديث في كتابه الحاوي للفتاوي وبناءً عليه قال بجواز الذكر الجماعي. ثم الحديث الآخر والذي معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج على جماعة من أصحابه، فقال لهم: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. فلم ينكر عليهم ذلك. وواضح أن الذكر هنا مطلق علماً بأن كل ذلك يتعارض ويتناقض مع ما جاء في آخر سورة الأعراف من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾. نرجو أن توضحوا لنا الصواب في هذا الموضوع وفقكم الله.

الجواب:


الشيخ: الصواب في هذا الموضوع أن الحديث الذي أشار إليه السائل -بل الحديثان- في الذين يتدارسون كتاب الله ويتلونه وكذلك في القوم الذين يذكرون الله أن هذا مطلق، فيحمل على المقيد المتعارف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يكن من المتعارف بينهم أنهم يذكرون الله تعالى بلفظ جماعي أو يقرءون القرآن بلفظ جماعي، وقوله (ويتدارسونه بينهم) يدل على أن هذه المدارسة تكون بالتناوب، إما أن يقرأ واحد فإذا أتم قراءته قرأ الثاني ما قرأ الأول وهكذا، وإما أن يكون كل واحد منهم يقرأ جزءاً ثم يقرأ الآخر من حيث وقف عليه الأول، هذا هو ظاهر الحديث. وأما الحديث الآخر الذي فيه أنهم يذكرون الله تعالى، فإنا نقول: هذا مطلق فيحمل على ما كان متعارفاً عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولم يكن متعارفاً بينهم أن يجتمعوا وأن يذكروا بذكر واحد جماعة، ويدل على هذا أن الصحابة رضوان الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج كان منهم المكبر ومنهم المهلل ومنهم الملبي، فكل إنسان يذكر الله تعالى بنفسه وأما قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ فهذا مراد به الذكر الخاص للمرء، وهو أيضاً مخصوص بما دلت عليه السنة من الجهر به فإنه قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا يشرع الجهر بالذكر بعد الصلاة المكتوبة؛ لأن هذا هو المعروف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأما قول بعض أهل العلم: إن الإسرار به أفضل وإجابتهم عن حديث ابن عباس بأن ذلك للتعليم فإن فيه نظراً؛ وذلك لأن التعليم يحصل بدون هذا، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قد علم فقراء المهاجرين ماذا يقولونه دبر الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين. ثم إن التعليم يحصل بالمرة الواحدة لا بأن يحافظ عليه النبي عليه الصلاة والسلام في كل صلاة أو يحافظون عليه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في كل صلاة، ثم نقول سلمنا أنه للتعليم فهو في التعليم في أصل الذكر وفي صفته، بمعنى: أن الرسول يعلمهم ما هو الذكر الذي يقال في أدبار الصلوات وما كيفية تلاوة هذا الذكر والإتيان به أنه يكون جهراً، وهذا هو القول الذي يؤيده حديث ابن عباس المذكور وهو في صحيح البخاري .