حلف بالطلاق أن لا يشرب الدخان فشربه ناسياً فماذا يلزمه ؟
مدة الملف
حجم الملف :
2470 KB
عدد الزيارات 2687

السؤال:

بارك الله فيكم. هذا السائل حمود على المالكي من بني مالك بعث برسالة يقول فيها: أنا رجل متزوج، وقد كنت مكثراً من شرب الدخان، وحرصاً مني على الإقلاع عنه كلية فقد أقسمت بالطلاق على ألا أعود لشربه أبدا، وفعلاً فقد انقطعت عنه مدة طويلة، ولكن في يوم من الأيام كنت جالساً مع بعض الأصدقاء ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أدخن، فانتبهت لذلك، وتذكرت أنني حلفت بالطلاق على تركه، وقد سألت عن ذلك فقيل علي كفارة فقط. ولأنني أشك في عدد الطلقات في ذلك الوقت فقد أصابني القلق والشك في بقائي مع زوجتي بعد ما حدث، ولكني ما زلت ممسكا لها، وحياتنا عادية جداً. فأرجو إرشادي إلى ما يجب علي من ناحية الطلاق، جزاكم الله خيراً

الجواب:


الشيخ: الطلاق الذي وقع منك هو كما أفتاك المفتي حكمه حكم اليمين، وعليك كفارة يمين. ولكني أنصحك عن أمرين: الأمر الأول أن جعلت لسانك حلف بالطلاق، فإن هذا أمر خلاف المشروع، فلا ينبغي على الإنسان أن يعتاد الحلف بالطلاق، إن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت. أما الأمر الثاني فإني أنصحك عن الرجوع إلى شرب الدخان؛ لأن شرب الدخان محرم بدليل الكتاب والسنة، ولا أعني بالدليل هنا الدليل الخاص الذي ينص على هذا الدخان وهو التبغ؛ لأن هذا ما حدث إلا أخيراً، لكن في نصوص الكتاب والسنة كلمات عامة جامعة تشمل ما يحدث إلى يوم القيامة، فمن النصوص الدالة على تحريمه قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾. ومن المعلوم أن هذا الشراب -يعني الدخان- سبب لأمراض كثيرة مستعصية ربما تؤدي بالإنسان إلى الموت كما قرر ذلك الآن أكابر الأطباء، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وهذه دلالة وفي دلالتها الآية الأولى، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾. فالله تعالى نهى أن نؤتي السفهاء الذين لا يحسنون التصرف في المال، نهى أن نعطيهم الأموال، وبين أن الله جعل هذه الأموال قياماً للناس تقوم بها مصالح دينهم ودنياهم، ومن المعلوم أن الدخان ليس فيه مصلحة لا في الدين ولا في الدنيا، بل فيه مضرة. أما من السنة فيستدل على تحريمه بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من النهي عن إضاعة المال، وإضاعة المال صرفه فيما لا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، والدخان لا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، فيكون صرف المال فيه إضاعة للمال. ومن أدلة السنة أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار. وهذا الحديث وإن كان فيه مقال ولكن قواعد الشرع تشهد له، وهو نفي بمعنى النهي، ألا يمارس الإنسان ما فيه الضرر أو ما فيه الإضرار بالغير. وحينئذٍ نقول: هل في الدخان ضرر أم لا؟ والجواب على لسان الأطباء: فيه ضرر. وعلى ذلك يكون داخلاً في النهي الوارد في هذا الحديث. هذه أدلة تحريم الدخان من حيث الأثر، أما من حيث النظر فشارب الدخان يستثقل العبادات البدنية ولا سيما ما فيها الإمساك عن الأكل والشرب مثل الصيام، فإن الصيام أثقل شيء على شارب الدخان؛ لأنه يحبسه عن تناوله في النهار، فيجد من ذلك مشقة عظيمة وثقلاً عظيماً من هذه العبادة. كذلك أيضاً تثقل عليه الصلاة أحياناً لو جاء وقت الصلاة وهو مشتهٍ للدخان لوجدته يستثقل هذه الصلاة وينتظر بفارغ الصبر الخلاص منها. وهذا لا شك أنه مؤثر على العبد في سيره إلى ربه عز وجل. فنصيحتي لك أيها الأخ ولعامة إخواننا المسلمين أن يتجنبوا شرب الدخان، ولا يصعب على المرء تركه إذا صدق العزيمة والتوجه إلى ربه باستعانته تبارك وتعالى وسؤاله الخلاص منه، وبابتعاده عن الجلوس مع الذين يشربونه. ولهذا عدت إلى شربه حين جلست مع أولئك الذين يشربونه، فالابتعاد عن مجالسة الذين يشربونه من أكبر العون على الاعتصام منه. وأهم شيء صدق العزيمة والنية والإخلاص لله والاستعانة به سبحانه وتعالى، فإن هذا كله مما يعين الإنسان على تركه. وقد رأينا أناساً منَّ الله عليهم بتركه فعادت لهم الصحة والقوة والنشاط، وحمدوا العاقبة.