حلف بالطلاق على أم زوجته....والفتوى بغير علم .
مدة الملف
حجم الملف :
3612 KB
عدد الزيارات 1541

السؤال:

هذه رسالة من المستمع محمد أحمد و.ش. مصري يعمل بالقصيم بريدة يقول: أنا رجل متزوج، وقد حصل مني طلاق في حالتين: الأولى حضرَت إلى بيتنا والدة زوجتي وبقيت عندنا مدة قصيرة، وحينما أرادت الذهاب ومعها ابنها منعتهما رغبة في بقائها عندنا مدة أطول، فقلت: علي الطلاق إن لم تمكثوا معنا فسأرمي بما تحضرونه لنا في المرة القادمة في البحر. فهم عادة ما يحضرون لنا بعض الهدايا والطعام، ولكنهم لم يمكثوا، بل سافروا، فسألت أحد العلماء في قريتنا فقال: في هذه المرة ليس عليك شيء، وإنما في المرة القادمة لو أحضروا لك فارمه في البحر. وقد صعب علي هذا الأمر لعدة أسباب، فأردت المخرج من هذه اليمين فقال لي: هات يدك. فوضعتها في يده وبينهما منديل أبيض، وجعل يقرأ بعض القراءات وأنا أردد خلفه، ثم قال: أعط زوجتك مبلغاً يسيراً من المال، وهذه كفارة يمينك. ولعلمكم فإني لم أقصد طلاق زوجتي، وإنما أردت إلزام والدة زوجتي وابنها بالبقاء معنا، فهل بقي عليّ شيء بعد هذا؟ والحالة الثانية حينما حدثت منازعة بين زوجتي ووالدتي تركت زوجتي البيت وذهبت إلى بيت أهلها، وقد أردت إصلاح ما بينهما، فذهبت وأخذت زوجتي لكي تراضي والدتي، وفي الطريق كانت تتكلم، وفي الطريق قلت لها: علي الطلاق ألا تتكلمي في الطريق. ولكنها لم تسكت وتكلمت بعد أن حلفت، فذهبت إلى العالم الأول نفسه وأفتاني بمثل ما فعله في المرة الأولى، علماً أنني أيضاً في هذه اليمين الأخيرة لم أقصد الطلاق، وإنما أردت المنع لها من الكلام، فهل يقع منهما شيء؟ وماذا يلزمني فعله الآن؟ أرشدونا بارك الله فيكم.

الجواب:


الشيخ: إرشادنا منا بما نعلمه من شريعة الله أن تتجنب مثل هذه الأيمان -يمين الطلاق- فإنها أيمان غير مشروعة، ولا هي معروفة في عهد السلف أيضاً في عهد الصحابة، وعلى هذا فهي من الأيمان التي لا ينبغي للمؤمن أن يحلف بها لقول النبي عليه الصلاة والسلام: من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت. وهذا نسميه يميناً لأنه في حكم اليمين، وليس هو اليمين الذي هو القسم بالطلاق، فإن القسم بالطلاق أو بغيره من المخلوقات يعتبر محرماً ونوعاً من الشرك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك. فالذي يحلف بغير الله مثل أن يقول والنبي، أو والرسول، أو والكعبة، أو وشرفي، أو نحو ذلك مما يحلف به فإن ذلك محرم عليه ولا يجوز، وعليه أن يتوب إلى الله من هذا الأمر. أما بالنسبة لما وقع منك على والدة زوجتك وعلى زوجتك في المرة الثانية فقد صرحت في سؤالك أنك لم ترد الطلاق، وإنما أردت اليمين، حيث أردت منع والدة زوجتك من السفر، وأردت منع زوجتك من الكلام أثناء الطريق. وما دامت هذه نيتك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. ولكن كفارة ذلك ليس كما قال لك المفتي الذي استفتيته، بل كفارة ذلك أن تطعم عشرة مساكين، أو كسوتهم. وإطعامهم -إطعام المساكين- في كفارة اليمين يكون على وجهين: فإما أن تصنع طعاماً غداءً أو عشاءً فتدعوهم إليه فيسارع المساكين إلى هذا الغداء أو العشاء فيأكلون، وإما أن تعطيهم إياه بدون طبخ ومقدراه ستة كيلوات من الأرز، ويحسن أن تجعل معه لحماً يكون إداماً له حتى يتم الإطعام؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أطلق الإطعام ولم يقدر ما يطعم، فقال سبحانه وتعالى في كفارته: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فبين المدفوع إليه ولم يبين المدفوع، فما جرت به العادة أن يكون طعاماً فهو طعام، وقد علم أن الغداء أو العشاء يعتبر إطعاماً لهم، فيقال أطعمتهم إذا غديتهم. وعلى هذا فأنت الآن يلزمك كفارة يمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم. وفي هاتين الحالين اختلف أهل العلم هل يجب عليك كفارتان؛ لكل يمين كفارة لاختلاف المحلوف عليه، أو تكفيك كفارة واحدة لأن الكفارة من جنس تعدد الموجبات لها لا يكون منه تعددها، كما لو أحدث الإنسان بعدة أنواع من الحدث فإنه فيه وضوء واحد؛ يعني أن الإنسان لو نام وأكل لحم ابل وخرج منه ريح وبول وغائط فإنه يكفيه وضوء واحد عن هذه الخمسة كلها؛ لأن الموجب فيها شيء واحد، فكذلك الأيمان إذا كان الموجب فيها شيئاً واحداً فإنه يكفيه عنها جميعها كفارة واحدة. هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وإن أتيت بكفارتين لاختلاف الفعلين فهو أحسن وأحرص.

السؤال: بالنسبة لما أفتاه به هذا الشخص؛ يعني كونه يدفع شيئاً من المال؟

الشيخ: قلت أن الجواب ليس بصحيح. النصيحة لهؤلاء الذين يتولون الإفتاء بغير علم أن نقول لهم ولأمثالهم ليحرصوا لإنهاء هذا العمل المحرم؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ فقرن سبحانه وتعالى القول عليه بلا علم قرنه بالشرك به، ومعلوم أن الشرك أعظم الذنوب وأكبرها، والقول على الله بلا علم يتضمن القول على الله في ذاته، والقول على الله في أسمائه وصفاته، والقول على الله في أحكامه، والقول على الله في أفعاله. فالقائمون بالأفعال الشرعية قائلون على الله في أحكامه، فلا يحل لهم أن يفتوا بغير علم. وصدق عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. فهؤلاء المفتون في الحقيقة يرتكبون إثماً عظيماً، ولا أدري ماذا يحمل هؤلاء المفتين على التسرع في الفتوى وعلى التسابق فيها؟! ما الذي يحملهم مع أن الأمر خطير جداً وعظيم؟! والإنسان نفسه واقفة بين الله وبين عباده في تبليغ شرعه، ومن أظلم ممن كذب على الله وكذَّب بالصدق إذ جاءه. فأنا أنصح هذا الأخ المفتي الذي يفتي بغير علم بأنه عمل فتوى بغير علم، وأحذره من ذلك هو وغيره أيضاً. وأقول: إذا كنت تعلم وعندك علم فأفتِ بما تعلم، واستعن بالله عز وجل، واسأله التوفيق والهداية، وإن كنت لا تعلم فإن عليك بالصبر حتى تراجع المسألة وتتبينها من كلام أهل العلم. ثم إنه ينبغي للإنسان إذا نزلت به نازلة لا سيما النوازل المشكلة أن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى في سؤال التوفيق والصواب، وأن يستغفر الله عز وجل عند إيصال الفتوى. وقد استنبط بعض العلماء  ذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً ۞ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾.