تجب الدية والكفارة في قتل الخطأ
مدة الملف
حجم الملف :
4458 KB
عدد الزيارات 2005

السؤال:

المرسل الحائر من المنطقة الشرقية في الأحساء ع ع ج م بعث بهذه الرسالة يقول فيها: شاء القدر على إنسان وعمل حادثاً وصدم رجلاً كبير السن، وذلك بالسيارة، ومكث في المستشفى عدة أيام، وبعدها فارق الحياة تغمده الله بواسع رحمته، ولم يكن ذلك مقصوداً من الشخص إلا أن القدر شاء ذلك، فما الحكم في ذلك؟ هل يكفر عن ذلك بكفارة أم ماذا يفعل؟ جزاكم الله عني وعن المسلمين خيراً.

الجواب:


الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد؛ فإن الجواب عن هذا السؤال في مقامين: المقام الأول التعبير بكلمة شاء القدر، فإن القدر تقدير الله تبارك وتعالى، وهو من صفاته، وصفات الله تعالى لا ينسب إليها شيء من صفات الربوبية كالمشيئة والتدبير وما أشبهها، فلا يصح أن يقال دبر القضاء أو دبر القدر على فلان كذا وكذا؛ لأن المدبر هو الله والذي يشاء هو الله، والقدر تقدير الله، فإذا كانت صفات الله تعالى لا تستحق أو لا يجوز أن تعبد فلا يقل الإنسان سأعبد عزة الله، سأعبد قدرة الله، فإنها ليس لها شيء من الربوبية كالتدبير وما أشبه ذلك. فالذي ينبغي بل الذي يجب أن يضيف الإنسان المشيئة إلى الله سبحانه وتعالى كما أضافها الله سبحانه إلى نفسه في كتابه، وكما أضافها إليه أيضاً نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله للرجل: بل ما شاء الله وحده. والآيات في هذا كثيرة معلومة. المقام الثاني الجواب عن هذا الحادث ونحن لا نستطيع أن نعطي حكماً محدداً على هذه الصورة المعينة؛ إذ إنها تحتاج إلى تفصيل ومشافهة، ولكننا نقول بصفة عامة: إذا حصل الحادث فإما أن يكون بتفريط من قائد السيارة أو بتعدٍ منه، والتفريط ترك ما يجب مثل أن يدع الإنسان تفقد السيارة في حال يحتمل أن يكون فيها خلل، فيدع تفقدها، ثم يحصل الحادث من جراء هذا التفريط، فيكون في ذلك ضامناً؛ لأنه ترك ما يجب عليه، أو بتعدٍ منه؛ والتعدي فعل ما لا يجوز، مثل أن يسير في خط معاكس للسير، أو يقطع الإشارة، أو يسرع سرعة تمنع في مثل هذا المكان، وما أشبه هذا. المهم أن القاعدة هي أنه إذا كان الإنسان الذي حصل منه الحادث متعدياً بفعل ما لا يجوز أو مفرطاً بترك ما يجب فإنه يجب عليه في هذا الحادث شيئان إذا تلفت منه نفسٌ: الشيء الأول الكفارة، وهي حق لله تعالى، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما يوماً واحداً إلا لعذر حسي أو شرعي. والأمر الثاني مما يجب عليه الدية، لكن الدية تتحملها عنه عاقلته، وهذه حق لأولياء المقتول وهم ورثته، إن عفوا عنها سقطت، أما الكفارة فإنها حق لله ولا بد منها حتى لو عفا أولياء المقتول عن الدية، فإن الكفارة لا تسقط؛ لأن الكفارة حق لله، والدية حق للآدميين، ولا يغني عن سقوط أحد الحقين سقوط الآخر، كما أن هذا لو كان لا يجد الرقبة ولا يستطيع أن يصوم شهرين متتابعين فإن الكفارة تسقط عنه وإن كانت الدية تجب لأولياء المقتول. مثال الشيء الذي يكون بغير تعد منه أو تفريط مثل أن ينكسر الذراع، أو أن يضرب الكفر مع تفقده له قبل أن يمشي، أو يأتي إنسان يكون هو الذي قابل السيارة على وجه لا يتمكن القائد من إيقاف السيارة؛ يعني لو جاء ورمى بنفسه في الشارع والسيارة قد أقبلت والقائد لا يتمكن من إيقاف السيارة فإن هذا الذي رمى بنفسه هو الذي أهلك نفسه، فليس على هذا السائق شيء، وكذلك أيضاً لو فرض أن الإنسان القائد قابلته سيارة، فرأى أن خير وسيلة ينجو بها من هذا الذي قابله أن يخرج عن الخط يميناً أو يساراً، ففعل وتصرف، ثم إنه في تصرفه هذا حصل انقلاب السيارة ومات أحد معه، فإنه في هذه الحالة لا يضمنه لا بدية ولا بكفارة؛ لأنه في هذه الحالة محسن، وقد قال الله تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾. فبهذا يتبين أنه إذا كان الحادث نتيجة لتصرف مأمور به من قبل القائد يرى أنه أحسن من عدمه فإنه ليس عليه هنا ضمان لا بكفارة ولا بدية؛ لأن الله يقول: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾. ولأنه تصرف تصرفاً مأموراً به ومأذوناً له به شرعاً. وقد قال أهل العلم من قواعدهم المقررة: ما ترتب على المعدوم فليس بمضمون. وكذلك من الأشياء التي لا ضمان فيها لو كان القائد يسير فواجهه شيء في الخط بهيمة أو سيارة واقفة بدون إشارات أو ما أشبه ذلك، ثم إنه لم يعلم حتى وصل إلى حد لا يتمكن به من إيقاف السيارة فانحرف، ثم حصل الحادث من انحرافه الذي يرى أنه أقرب إلى النجاة فإنه في هذه الحال ليس عليه ضمان لا بدية ولا بكفارة. وهذه المسائل في الحقيقة دقيقة تحتاج إلى تحقيق المناط وإلى معرفة الشيء معرفة تامة ولا ينبغي للإنسان أن يتسرع فيلزم الناس ما لا يلزمهم من دية أو كفارة، بل إنه ينبغي له أن يعلم أن الأصل السلامة والعصمة كما أن الأصل أيضاً الضمان لما تلف، فهذان الأصلان متعارضان، وينبغي لطالب العلم أن يسلك ما يراه أقوى من هذين الأصلين، وأن يتقي الله سبحانه وتعالى فلا يُلزم عباد الله ما لا يلزمهم، ولا يسقط عن عباد الله ما يجب عليهم، والله أعلم.

السؤال:

وردتنا رسالة، ولكن قبل أن نتجاوز هذا السؤال الذي سألنا عنه عن الحادث قلتم بعذر حسي أو شرعي، حبذا لو وضحتم ذلك للمستمع.

الجواب:


الشيخ: يعني قلنا: إن الذي سبب القتل يلزمه صيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما يوماً واحداً إلا لعذر حسي أو شرعي. العذر الحسي كالمر ض، يمرض الإنسان فلا يستطيع مواصلة الصوم. والعذر الشرعي كالحيض والسفر. الحيض قد تكون الجامع امرأة مثل ما لو كان طفلها إلى جنبها وهي نائمة فتنقلب عليه ويموت فعليها كفارته، فهذه يلزمها صيام شهرين متتابعين، فإذا أتاها الحيض فإن هذا الحيض لا يقطع التتابع لأنه عذر شرعي؛ إذ إنه حساً يمكنها أن تصوم، لكن شرعاً لا يمكنها أن تصوم. وكذلك السفر فإنه يبيح الفطر، وهو عذر شرعي؛ لأن المسافر يتمكن من الصيام. وبهذه المناسبة أيضاً أود أن أقول: إنه إذا كان الحادث سبباً في موت أكثر من واحد فإنه يجب على هذا الذي ألزمناه بالكفارة بعدد الأنفس، فإذا مات معه اثنان وجب عليه صيام أربعة أشهر، لكن لا يلزم أن تكون هذه الأشهر الأربعة كلها متوالية، بل شهران متواليان، والشهران الآخران متواليان، لو فصل بين الشهرين والشهرين بأيام فلا يضر؛ لأن كل كفارة مستقلة عن الأخرى، وإذا كان سبباً في موت ثلاثة وجب عليه صيام ستة، وهكذا.

السؤال: لكن هذا ليس فيه حرج على المسلمين؟


الشيخ: فيه حرج، لكن هو الذي تسبب في إحراج نفسه، ومن قتل مؤمناً خطاً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله، إلى أن قال: فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. مؤمناً واحداً، فكما أن الدية تعدت فكذلك الكفارة تعدت.


الشيخ: هذه رسالة وردتنا من المستمع عبد الله.


الشيخ: في الحقيقة إني أقول لك: إن هذا من حكمة الإسلام أن يكون حماية للنفوس حتى لا يتسرع الإنسان في القتل، وحتى يحسب حسابه، وإلا فقد يقول قائل: حتى الخطأ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. فقد يشتبه على بعض الناس كيف وجبت الكفارة مع الخطأ؟ الدية قد يقال تجب مع الخطأ لأنه حق آدمي لا يفرق فيه بين العمد والخطأ، لكن الكفارة حق لله، وحق الله مبني على المسامحة، فلماذا وجبت الكفارة مع كون القتل خطأً؟ نقول: هذا لأجل المبالغة في حماية النفوس وعدم التسرع.