نذرت والدته إن خرج ولدها من محنته أن تصوم شهراً من كل سنة فماذا يلزمها ؟
مدة الملف
حجم الملف :
7027 KB
عدد الزيارات 1286

السؤال:

السؤال: هذه الرسالة وصلتنا من المجند حسين شهاب الحمد الجيش العربي السوري، يقول في رسالته: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

السؤال: وبعد، أخبر سماحتكم أني وقعت في إحدى الشدائد أو ما يسمونها محنة تؤدي لقتل النفس، وهذه المحنة ارتكبتها في عام ستة وسبعين وتسعمائة وألف، لقد خافت والدتي خوفاً شديداً علي من القتل أو القتال، ويومها ليس لدى والدتي أي سلطة أو وسيلة لحل مشكلتي، فمن شدة خوفها علي جعلت في ذمتها صيام شهر ما عدا شهر رمضان، من كل سنة تصوم شهراً، من عام ستة وسبعين تتابع صيامها حتى الآن، وأنا -والحمد لله رب العالمين- قد نجوت من هذه الشدة بسلام، ووالدتي قد تجاوز عمرها الأربعين سنة، والآن أصبحت تصوم شهرين منهما شهر رمضان المبارك، هذا فرض، والثاني اليمين الذي في ذمتها من طرفي. فما المبرئ الذي يبرئها من صيام هذا الشهر؟

الجواب:


الشيخ: الحمد لله، قبل أن نجيب على هذا السؤال نحب أن نبين لإخواننا المستمعين أن النذر مكروه، بل إنه محرمٌ عند كثيرٍ من أهل العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، ولأن الإنسان يلزم نفسه بما لم يلزمه الله به، ولأن الإنسان ربما لا يستطيع أن يفي بهذا النذر لعذرٍ حقيقي شرعي أو للتهاون، فيكون في ذلك خطرٌ عظيمٌ عليه كما في قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما بخلوا به﴾ وحصل لهم ما علقوا هذين الأمرين الصدقة والصلاح  ﴿فلما آتاهم من فضله بخلوا به﴾ يعني فلم يتصدقوا وتولوا وهم معرضون، فلم يكونوا من الصالحين، النتيجة والعقوبة ﴿فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في النذر: «إنه لا يأتي بخيرٍ» وإنما يستخرج به من البخيل؛ البخيل ببدنه إذا كان النذر عملاً بدنياً كصلاةٍ وصوم، أو البخيل بماله فيما إذا كان النذر مالياً كالصدقة وشبهها. وعلى كل حال أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النذر لا يأتي بخيرٍ، وما لا يأتي بخيرٍ فليس فيه خير؛ ولهذا ننهى إخواننا أن يلجئوا عند الشدائد إلى النذور، وإنما المطلوب من المسلم أن يلجأ عند الشدائد إلى الله سبحانه وتعالى ويسأله الفرج وإزالة الشدة، ويعلم علماً يقيناً أنه كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً. والإنسان إذا نذر عند الشدة وأزيلت الشدة عنه فليس معنى ذلك أن سبب إزالتها هو النذر، فالشدة لم تزل بالنذر؛ لأننا لا نعلم أن النذر سببٌ لإزالة الشدة، وإنما ابتلى الله سبحانه وتعالى المرء فأزال هذه الشدة عند النذر لا بالنذر، وهذا كما يحصل حتى في فتنة عباد القبور الذين يعبدون القبر ويدعون صاحب القبر، ربما يحصل مطلوبهم بعد دعاء صاحب القبر مباشرةً؛ ليختبرهم الله بذلك ويبلوهم، وإننا نعلم أن ما حصل لهم من المطلوب ليس من صاحب القبر، ولكنه حصل عند دعائهم إياه، وليس بدعائهم إياه. على كل حال، بعد هذه المقدمة نرجع إلى الجواب على هذا السؤال، فأمه التي جعلت في ذمتها، والذي يظهر أنها جعلت ذلك بصيغة النذر، بأن نذرت أن تصوم في كل سنةٍ شهراً لإزالة هذه الشدة، فإننا نقول لها أنه يجب عليها أن تفي بنذرها؛ لأن الصوم طاعةٌ لله سبحانه وتعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». فيجب على المسلم إذا نذر طاعةً سواء كان نذراً معلقاً على شرط كهذا النذر أو غير معلق، يجب عليه أن يوفي بنذره إذا كان طاعةً لله عز وجل، ونسأل الله أن يعينها على ما ألزمت به نفسها.

السؤال: مثلاً إذا عجزت لكبر سنها، ألا يسقط عنها النذر كما يسقط عنها صوم رمضان؟


الشيخ: إذا عجزت لكبر سنها يعني لا في الشتاء ولا في الصيف، عجزت يعني هذا الشهر لم تقيده بزمن، فهو يصلح في الشتاء ويصلح في الصيف، وكذلك يصلح متتابعاً ويصلح متفرقاً إلا إذا كان من نيتها أنه متتابع فيجب، فلكل امرئٍ ما نوى، ويجب عليها أن تفي به متتابعاً، فأما إذا قالت شهراً وأطلقت فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز متتابعاً ويجوز متفرقاً، لكن إذا عجزت لكبر كما سألت فالظاهر أنه يجب عليها ما يجب على العاجز عن صيام رمضان، بمعنى أن تطعم عن كل يومٍ مسكيناً، لأن الواجب بالنذر يحذى به على الواجب باليمين، إلا ما قام الدليل على الفرق بينهما فيه.

 

 

السؤال: ما هي صيغة النذر التي يجب على الإنسان الوفاء بها؟ هل يسبق ذلك حلف أو مثلاً يقول علي أن أفعل كذا وكذا؟


الشيخ: النذر ليس له صيغة معينة، بل كل قولٍ يدل على التزام العبد بالشيء لله فهو نذرٌ، فإن قرنه باليمين صار يميناً ونذراً.