مسألة العينة الثلاثية
مدة الملف
حجم الملف :
4495 KB
عدد الزيارات 5983

السؤال:

هذه رسالة وردت من الخماسين من وادي الدواسر من السائل محمد إبراهيم سلطان، يقول: عندي كمية من أكياس الأرز، وهو بمستودع لنا بوادي الدواسر، ويأتي إلي أناس يشترونه مني بقيمته في السوق ويدينونه على أناس آخرين، وإذا صار على حظ المدين أخذته منه بنازل ريال واحد عما اشتراه مني، ثم يأتي مثلهم أناس بعدما يصير على حظي ويشترونه، وهكذا، وهو في مكان واحد إلا انهم يتسلمونه عداً في محله، فهل في هذه الطريقة إثم أم لا؟ أفيدونا ولكم جزيل الشكر.

الجواب:

هذه الطريقة حيلة على الربا المغلظ الجامع بين التأخير والفضل - أي: بين ربا النسيئة وربا الفضل -؛ وذلك لأن الدائن يتوصل بها إلى حصول اثني عشر مثلاً بعشرة، وأحيانا يتفق الدائن والمدين على هذا قبل أن يأتيا إلى صاحب الدكان، وهذا أنه سيدينه كذا وكذا من الدراهم العشرة باثنتي عشرة، أو أكثر، أو أقل، ثم يأتيان إلى صاحب الدكان ليجريا معه هذه الحيلة.

وقد سمى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه الطريقة الحيلة الثلاثية، وهي بلا شك حيلة على الربا - ربا النسيئة وربا الفضل - فهي حرام، ومن كبائر الذنوب؛ وذلك لأن المحرم لا ينقلب مباحاً بالتحايل عليه، بل التحايل عليه يزيده خبثاً، ويزيده إثماً، ولهذا ذكر عن أيوب السفياني رحمه الله أنه قال في هؤلاء المتحيلين: إنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أنهم أتوا الأمر على وجهه لكان أهون، وصدق رحمه الله، فإن المتحايل مخادع في منزلة المنافق مع الكافر الصريح، وهو أنه مؤمن وهو كافر.

هذا المتحايل على الربا يظهر أن بيعه وعقده بيع صحيح وحلال، وهو في الحقيقة حرام، وقد جعل الله سبحانه وتعالي كفر المنافقين أعظم من كفر الذين يصرحون به حيث قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ [النساء: 145].

كذلك هذا المتحايل على الربا أشد إثماً ممن يأتي الربا الصريح، ثم إنه أسوأ حالاً أيضاً، كيف؟

لأن هذا المتحايل يشعر بأنه على طريق سليم، ويستمر ولا يخجل من الله، ولا ينزع عن غيه، بخلاف الذي يأتي شيئاً صريحاً فإنه يشعر بالخجل من الله، ويشعر بأنه ارتكب المعصية، ويحاول أن يتخلص منها بالتوبة، لذلك هذا أسوأ حالاً ومآلاً من الذي يأتي الربا الصريح.

أما موضوع العقد وهو في مكانه وجعلوا ذلك من باب القبض فإنه أفتى به بعض الناس نفسه أو غيره استناداً إلى قول الفقهاء رحمهم الله، ويحصل قبض مبيع بعد بيعه، وعندي أنه لا بد من حيث الوجهة الشرعية مع ذلك من القبض، وهو الاستيلاء التام الذي يكون به الشيء في قبضتك وتحت حوزتك، لكن إذا بيع بالعد فلا بد مع ذلك - بالإضافة إلى كونه في قبضتك وفي حوزتك - من عده، فإذا كان هذا مراد الفقهاء فهو مرادهم، وإن لم يكن مرادهم فهذا هو ما تقتضيه الأدلة الشرعية، أن يكون الشيء في قبضتك، لكن إذا كان قد بيع بِعَدٍّ، أو كيل، أو وزن، فلا بد من وجود هذه الأشياء ليتم القبض، ويؤيد ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع، يعني: حيث تشترى في المكان الذي اشتُريت فيه حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.

وهذا مسلك من مسالك تحريم هذه المعاملة التي أشار إليها الأخ:

المسلك الأول: أنها حيلة وخداع على الربا - ربا الفضل والنسيئة -.

والمسلك الثاني: أنها معصية للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.

ومن المؤسف جداً وحقاً أن كثير من الناس يتعاملون بها كما أشار إليها الأخ ظناً منهم أن ذلك من باب التورق الذي أجازه بعض أهل العلم، ولكن ذلك ليس من التورق؛ ولهذا تجد أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا أتى على وجه، - أي إذا أتى على ذكر التورق - ذكر خلاف أهل العلم فيه، ولما ذكر هذه الحيلة الثلاثية قال: "إن هذا من الربا بلا ريب" فدل ذلك على أنها ليست من مسألة التورق في شيء، وهو واضح أيضاً، فإن التورق كما قال أهل العلم أن يحتاج الإنسان إلى دراهم فيشتري ما يساوي مائة بمائة وعشرة مثلاً إلى أجل، فهنا تجد مسألة التورق أن الشراء وقع على عين السلعة، وأنها المقصودة، وأنه لا اتفاق بين الدائن والمدين على الربح قبل الملك؛ لأن الدائن والمدين في الصورة التي أشار إليها السائل اتفقا على الربح قبل الملك، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يملك؛ يعني ما لم يكن في ضمانك وتحت ملكك وقهرك فالربح فيه منهي عنه، وهذا يربح فيما لم يضمن وما لم يكن في ضمانه، أعني الدائن.

ثم إن هذه المعاملة تختلف عن التورق؛ لأن التورق كما أشرنا إليه يشتري السلعة بعينها ليبيعها، فتجده يقلبها، وينظر فيها، وينظر نوعها، وجنسها، لكن هذه الصورة التي أشار إليها السائل نجد أن الدائن لا يهمه ما في هذه الأكياس، ربما تكون هذه الأكياس قد أكلتها السوسة، أو أكلتها الأرضة، وربما تعفنت لأنها لا تحمل، ولا تنظر، ولو فكر فيها، بل في ظني لو أن صاحب المستودع أتى بأكياس مملوءة رملاً وقال: هذه الأكياس سكر، أو أكياس ما شاء، ثم باعها على الدائن، وباعها على المدين، وذلك اشتراها بنقص، في ظني أن المعاملة ستتم؛ لأنه حسبما نسمع أنهم لا يفكرون، لا يقلبون، ولا ينظرون.

فبالله عليكم أيها الناس، قارنوا بين هذه الحيلة، وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قاتل الله اليهود؛ أنه لما حرم الله عليهم شحومها استمالوه» يعني أذابوه «ثم باعوه فأكلوا ثمنه». فانظروا أيهما أقرب إلى صورة الحرام؛ فعل اليهود الذين دعا النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الله لهم، أي: بلعنه إياهم على قول، أو بإهلاكه إياهم على ما نراه، أي: معناه قاتل الله كذا أي: أهلكهم؛ لأن من قاتل الله فهو مغلوب مقتول.

فالمسلم يجب أن ينظر أيهما أقرب إلى صورة المحرم، ما فعله اليهود الذين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما دعا عليهم به، أو هذه الصورة التي يفعلها هؤلاء المتحيلون، الذين نرجو الله سبحانه تعالى أن يفتح لهم، وأن يهيئ لهم طريقاً مباحاً، الطريق المباح مثلاً أن يستعملوا السَّلَم، ولو أطلت في الجواب؛ لأن الحاجة أو الضرورة دعت أن يستعملوا طريقة السلم الذي كان معروفاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بأن يبذل الدائن دراهم يشتري بها سلعة تسلم إليه من المدين عند حضور الأجل، مثل أن يقول: هذه عشرة آلاف ريال نقداً، خذها على أن تأتي إليّ بعد سنة بسيارة موديلها كذا وكذا وكذا، السيارة تساوي نقداً اثني عشر ألف ريال، لكنها من أجل التقديم صارت بعشرة، يكون الدائن ربح ألفين، وذلك استفاد من الدراهم وانتفع بها.

هذه الطريقة هي الطريقة السليمة، جاء بها الشرع، لكن الناس لا يستعملونها، لماذا؟ لأن الدائن يقول: إذا فعلت هذا الشيء ربما يأتي الوقت - وقت الحلول - والسيارات رخيصة، فلم يكن عندي ربح، فلذلك يتهربون منه، وفيه أيضاً طريق آخر: أنه إذا احتاج الرجل إلى سلعة معينة بدل من أن يلف في هذه الطريقة المحرمة، يذهب إلى صاحب السلعة التي عنده ويشتريها هي عينها، يشتريها، يقول: بعني هذه، وهي تساوي عشرة مثلاً، يقول: بعنيها باثني عشر ألف، أو خمسة عشر ألف، أو ما أشبه ذلك، فيكون المراد بهذا العقد نفس السلعة المعينة، وهذه الطريقة سليمة لا بأس بها.

على كل حال، من خلصت نيته، وراقب الله عز وجل، واتقى الله، يجعل له من أمره يسراً، وسوف يرزقه الله تعالى من حيث لا يحتسب.