أقسام الناس في الإجازة
مدة الملف
حجم الملف :
7453 KB
عدد الزيارات 748

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى على حين فترة من الرسل، وانطماس من السبل، وانغماس في الجهل والضلال والظلم والعدوان، فأزال الله به كل هذا، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا هو اللقاء الأول من هذا العام، عام (1416هـ) وهو الذي يتم ليلة الأحد التاسع عشر من شهر المحرم من هذا العام.

إننا نرجو الله تبارك وتعالى ونحن في استقبال عامنا الجديد أن يجعله عام عز وتمكين للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، نسأل الله تعالى أن ينصر به إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك، وأن ينصر به إخواننا المسلمين في الشيشان، وأن ينصر به إخواننا المسلمين في كشمير، وأن ينصر به إخواننا المسلمين في الحبشة، وفي كل مكان إنه على كل شيء قدير.

وإننا أيها الإخوة، ونحن في هذه الأيام نسمع أن إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك، قد أعدوا العدة لهجوم من أجل أن يكسروا به الطوق الذي ضربه عليهم أولئك الصرب المعتدون، فنسأل الله تعالى أن يعينهم، وأن يثبت أقدامهم، وأن ينصرهم على عدوهم، حقهم علينا الدعاء، هم محتاجون إلى الدعاء، محتاجون إلى أن نرفع أكفنا إلى ربنا عز وجل بأن ينصرهم فلنكن قائمين بذلك، هذا أقل ما يجب علينا نحوهم.

أما موضوع هذا اللقاء فإنه يتصارع فيه موضوعان: الموضوع الأول: الإجازة وماذا يصنع بها المسلم؟ الموضوع الثاني: الزواج؛ لأن الغالب أن هذه الإجازة يكون فيها الزيجات كثيرة.

ولكن أخانا الشيخ حمود بن عبد العزيز الصائغ اختار أن يكون الكلام على الإجازة؛ وذلك لأن الإجازة ليس معناها كما يفهمه بعض الناس العطلة، العطلة معناها: تعطيل العمل، والإنسان لا يمكن أن يتعطل عمله أبداً، الإنسان لا بد أن يعمل كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء حارث وهمام». الإنسان دائماً متحرك، دائماً مريد، ولكن إلى أين؟ تارة إلى صراط مستقيم ينجو به من النار، ويكسب به الدنيا والآخرة، وتارة إلى خلاف ذلك، فنحن وإن انتهت الدروس النظامية، فإن الدروس غير النظامية لم تنته، وإن انتهى العمل في هذه المدارس النظامية، فإن عمل الإنسان لا ينتهي أبداً.

وإذا تأملنا أحوال الناس في هذه الإجازة وجدنا أنهم على طرق شتى:

القسم الأول: التفرغ لطلب العلم.

من يكدح في طلب العلم، ويجعل هذه الإجازة تفرغاً لطلب علوم لا يحصل عليها في المدارس النظامية، فيلزم العلماء ويستفيد منهم في بيوت الله عز وجل، وما أعظم البركة في العلم الذي يتلقى في المساجد! العلم الذي يتلقاه الإنسان في المساجد أبرك بكثير من العلوم التي يتلقاها في المدارس، هذا شيء مجرب؛ لأن المساجد بيوت الله ومأوى الملائكة الكرام، فكان أثر الطلب فيها أثراً بالغاً على طالب العلم؛ ولهذا نقول: إن هذا الصنف من الناس هم الذين كسبوا، هم الذين بقوا في طلب العلم ولكن ليس بين جدران المدارس والمعاهد، وإنما في بيوت الله عز وجل، على أهل العلم الموثوق بعلمهم وأمانتهم ودينهم، هؤلاء في الحقيقة هم الرابحون.

القسم الثاني: زيارة البلاد المقدسة.

ومن الناس من يمضي هذه الإجازة بالسفر إلى البلاد المقدسة، إلى مكة، و المدينة، فيحصل له بذلك خير، يحصل له بذلك عمرة، وزيارة إلى المسجد النبوي، وربما يلتقي بإخوان له وفدوا من هنا وهناك، فيدلي كل واحد منهم إلى الآخر بما لديه من المشاكل وما لديه من الهموم، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، والإنسان لا بد أن يشكو إلى صديقه وإلى ذي النصح له، لا بد أن يشكو إليه الحاجات التي في صدره حتى يبين له كيف يكشف هذه الحاجات.

وهؤلاء يحتاجون إلى أن يعلموا كيف يعتمرون، وكيف يزورون المسجد النبوي، بحيث لا يذهبون إلى هناك سدى، أو في حالة غفلة، لا بد أن يعلم ماذا يصنع إذا أراد العمرة؟ ماذا يصنع إذا أراد الزيارة؟ ونحن نتعرض إلى هذا بشيء يسير من القول: يذهب من بلده قاصداً العمرة حتى يكون مسيره من بلده إلى أن يقوم بالعمرة على خير، يأتي الميقات فيحرم، يقول: لبيك عمرة، ثم يأتي البيت فيطوف به سبعة أشواط، ثم يصلي خلف المقام، ثم يسعى بين الصفا والمروة، ثم يبقى هناك ما شاء الله، وإذا أراد أن يخرج من مكة إلى بلده فإنه يطوف طواف الوداع.

أما الزيارة فإنه يأتي المدينة فيصلي في المسجد النبوي ما شاء الله، ثم يذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبري صاحبيه أبي بكر و عمر، فيقف تجاه وجه الرسول صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه، وأحسن صيغة للسلام عليه: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون تجاه أبي بكر يقول له: السلام عليك يا خليفة رسول الله ورحمته وبركاته، جزاك الله عن أمة محمدٍ خيراً، ثم يخطو خطوة أخرى عن يمينه ليكون مقابل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن أمة محمدٍ خيراً. انتهت الزيارة.

وينبغي أن يخرج إلى قباء من بيته متطهراً فيصلي فيه ما شاء الله، ركعتين أو أكثر؛ لأن قباء من المساجد التي تسن زيارتها، لكنه لا يشد إليه الرحل، لكن إذا كنت في المدينة فاخرج إليه متطهراً وصلِّ فيه ما شئت، فإنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أن من توضأ في بيته ثم خرج إلى قباء كان كمن أدى عمرة».

فهذان مزاران: المزار الأول: في المدينة قبر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقبرا صاحبيه.

الثاني: مسجد قباء.

الثالث: البقيع وهو مدفن الصحابة رضوان الله عنهم، فإنك تزور البقيع وتسلم عليهم عموماً بما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسلم به: «السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم سلفنا ونحن في الأثر، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم». وتسلم على عثمان رضي الله عنه بالأخص، وقبره هناك معروف.

ثم المزار الرابع: شهداء أحد تذهب إلى أحد لتسلم عليهم، فتقف هناك عند الشبك عند باب المقبرة وتسلم عليهم، وشهداء أحد على رأسهم حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وأما المساجد السبعة وما يقال عن مزارات هناك فهذا كله لا أصل له، ولا صحة له، ولهذا لا تنخدع بما يذكر من المزارات، فإن ذلك لا صحة له ولا أصل له. يظن بعض الناس أنه لا بد لمن زار المدينة أن يبقى فيها خمسة أوقات وهذا غير صحيح، بل لو صليت وقتاً واحداً أو جئت في الضحى وصليت في المسجد وسافرت قبل الظهر فلا بأس، هذا الصنف الثاني من الناس، الصنف الأول: الذي تفرغ لطلب العلم. الثاني: الذي سافر إلى مكة و المدينة.

القسم الثالث: السفر إلى أطراف البلاد للنزهة.

من سافر إلى أطراف بلادنا للنزهة، وإزالة التعب والسآمة والملل؛ لأن النفس تكل، فيحب أن يسافر إلى أطراف البلاد مع أهله يتمتع بما يرى ويزور إخواناً له هناك، هذا أيضاً طيب، وليس فيه بأس، والإنفاق فيه مع النية الطيبة إنفاق مخلوف إن شاء الله.

القسم الرابع: السفر إلى الخارج.

الذين يسافرون إلى الخارج، ينقسمون إلى قسمين:

إما أن يسافر إلى بلاد الكفر التي لا يسمع فيها إلا أبواق اليهود ونواقيس النصارى، لا يسمع فيها ذكراً ولا أذاناً ولا غير ذلك، ولا تقام الجماعات إلا في زوايا خاصة لبعض الجاليات الإسلامية هناك، فهذا خاسر، خسر الدنيا والآخرة.

أولاً: أنه سينفق على هذا مبالغ كثيرة.

ثانياً: أنه سيكون في ذلك مقوياً لاقتصاد الدول الكافرة؛ لأنهم يكتسبون من وراء السياحة أموالاً كثيرة في المنازل التي يؤجرونها، في الأكل والشرب، في الملابس، فيما يشتري من بلادهم من هدايا، إلى غير ذلك من الأموال الكثيرة الطائلة التي تصرف في جيوب اليهود والنصارى أو الوثنيين.

ثالثاً: أنه ربما يكتسب من أخلاقهم وآدابهم فيرجع إلى قومه بآداب وأخلاق هؤلاء الكفار، وربما يكون الأمر أكبر من ذلك، ربما يعتقد أن دين النصارى، ودين اليهود، ودين الإسلام شيء واحد -كما قاله الظالمون الذين هم كفرة- فأي إنسان يسوي بين دين اليهود والنصارى والمسلمين فإنه كافر؛ لأنه إذا سوى بين هذه الأديان لزم من تسويته أن دين النصارى مقبول عند الل،ه وأن دين اليهود مقبول عند الله، والله عز وجل يقول في القرآن: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:85] ويقول جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:3] ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:6]. فأديان اليهود والنصارى اليوم أديان باطلة غير مقبولة عند الله، وأعمالهم أعمال ضائعة ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ۞ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ۞ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:103-105] ربما يطرأ على باله أنهم أهل دين ونحن أهل دين ولا فرق بيننا وبينهم إلا كالفرق بين الحنابلة والشافعية والمالكية والأحناف! يقع عند بعض الناس هكذا، وربما يقول: إذا كان هؤلاء منعمين هذه النعمة العظيمة والترف العظيم إذاً هم على الحق، ويأتي بشبهات من القرآن.

فخطر الذهاب إلى بلاد الكفر خطر عظيم، مع ما فيه من تنمية اقتصادهم، ورفع رءوسهم مما لا يليق بالمسلم أن يقوم به.

القسم الثاني: قسم يسافر إلى بعض البلاد العربية، ولا شك أن السفر إلى بعض البلاد العربية أهون من السفر إلى بلاد الكفر؛ لأن هؤلاء أكثرهم مسلمون، أو كلهم مسلمون، فالسفر إليهم أهون بكثير، لكنه أسوأ من السفر إلى أطراف بلادنا؛ وذلك لأن السفر إلى هناك يحتاج أول ما يحتاج إلى أن تصور بناتك وأخواتك وزوجاتك اللاتي يسافرن معك، يحتاج إلى نفقة كثيرة، وربما يكون هناك في بعض البلاد مسارح لهم وأشياء لا ترضى، فيقع الإنسان في فخها وشراكها.

القسم الخامس: الجلوس عند الأب ومساعدته.

من يبقى مع أبيه يساعده في حراثته وزراعته إن كان حارثاً أو مزارعاً، أو مع أبيه في تجارته، أو مع أبيه في معمله، أو ما أشبه ذلك، وهذا لا شك أنه خير، وأنه معونة على بر الوالدين وصلة الأرحام، فليبق في هذا العمل فإنه خير.

القسم السادس: مرافقة جلساء السوء.

من يبقى في بلده ولكن يقيض له شياطين الإنس، يصحبونه ويسحبونه، يقيض له شرذمة فاشلة ضائعة من الشباب فيكون معهم، في غفلة من أبيه الذي يجب عليه تربيته، وبعدم المبالاة في الأوقات، فتجده يضيع أوقاته يميناً وشمالاً، يتسكع في الأسواق، يخرج إلى أطراف البلد، يسهر الليالي ويترك الصلوات، فهذا لا شك أنه فاشل، مضيع لأوقاته التي هي أثمن من اللؤلؤ والذهب والفضة.

ولهذا نقول بهذه المناسبة: إنه يجب على أولياء أمور الشباب ملاحظتهم في هذه الإجازة، إذا غابوا يسألونهم: أين ذهبتم؟ إذا صحبوا أقواماً يسأل عن هؤلاء الأقوام: من هم؟ هل هم أهل خير أم أهل شر؟ إذا رأى من ابنه ما يشم منه رائحة الفساد يجب عليه أن يحاول الحيلولة بينه وبين هذا الشر بكل وسيلة؛ وذلك لأن الإنسان مسئول مسئولية مباشرة عن أهله، يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:6]. فأنت مسئول، لو ضاعت لك شاة من البهائم لذهبت في طول البلاد وعرضها تسأل عنها، فكيف بابنك الذي هو فلذة كبدك وسعادتك في الدنيا والآخرة إن كان صالحاً؟! قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

فنسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وإياكم اغتنام الأوقات في الأعمال الصالحات، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.