آداب الصوم
مدة الملف
حجم الملف :
4883 KB
عدد الزيارات 2173

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثالث والعشرون بعد المائتين من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو الرابع والعشرون من شهر شعبان عام (1420هـ) وهو آخر خميس من شهر شعبان، وستستأنف اللقاءات -إن شاء الله- بعد تمام شهر رمضان وستة أيام من شهر شوال.

نفتتح هذا اللقاء بالكلام على ما تيسر من آداب الصوم.

تأخير السحور:

من آداب الصيام: أن يعتني الإنسان بآدابه التي جاءت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فمنها: أكلة السحور، فإن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «تسحروا فإن في السحور بركة» أمر وبين الحكمة «تسحروا» هذا فعل أمر «فإن في السحور بركة» هذا بيان الحكمة من هذا الأمر بالسحور، من بركة هذا السحور:

أولاً: أن فيه امتثال أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا شك أن امتثال أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- خير وبركة، قال الله -عز وجل-: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:31] هذه المباركات.

ثانياً: من بركة هذا السحور: أنه فصل ما بيننا وبين صيام أهل الكتاب؛ لأن أهل الكتاب لا يتسحرون، يأكلون الطعام قبل منتصف الليل ويبدؤون بالصوم من منتصف الليل إلى منتصف النهار، لكن المسلمين يأكلون السحور في آخر الليل.

ثالثاً: من بركته أنه يغذي الجسم طوال النهار، ويحمل على الصبر عن الأكل والشرب، حتى في أيام الصيف الطويلة الحارة، بينما الإنسان في غير الصيام تجده يشرب في اليوم خمس ست مرات، ويأكل مرتين، لكن هذا السحور يجعل الله فيه بركة فيتحمل الجسم.

رابعاً: من بركة السحور: أنه عون على طاعة الله، يعني على الصيام، وكل ما كان عوناً على طاعة الله فهو خير وبركة، أهم شيء الآن الذي أريد أن نفعله، عندما يقدم لك السحور استشعر الآن عندما تأكل أنك تمتثل أمر الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ليس مجرد أكل من أجل تتقوى على الصوم.

ثانياً: استشعر بأنك تتأسى به؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يتسحر ثم يقوم إلى الصلاة، وبين سحوره وبين الصلاة مقدار خمسين آية، يعني: يؤخر السحور -عليه الصلاة والسلام-، استشعر هذا -يا أخي- حتى يكون أكلك عبادة أيضاً: استشعر أمراً آخر وهو أنك بهذا تخالف أهل الكتاب.

فهم في مثل هذا الوقت صائمون؛ لأنهم يصومون من منتصف الليل أما أنت الآن تأكل، مخالفة لهم، لأن مخالفة أهل الكتاب رضاً لله -عز وجل-، فإنهم أعداء الله فمخالفتهم رضاً لله -تبارك وتعالى-، وموافقتهم يخشى أن ينزل على الإنسان فيه السخط؛ ولهذا نهى عمر -رضي الله عنه- عن دخول الكنائس حين يتعبد فيها النصارى وقال: "أخشى أن تنزل عليكم السخطة".

الانشغال بطاعة الله:

ومن آداب الصيام: أن يكون الإنسان شاغلاً وقته بطاعة الله -عز وجل-، من الذكر وقراءة القرآن والصدقة والإحسان إلى الناس؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يأتيه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين يدارسه جبريل القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة.

لا تجعل يوم صومك كيوم فطرك، اجعل عليك الخشوع والتعبد أكثر من قراءة القرآن؛ لأن شهر رمضان هو شهر القرآن، وأنزل القرآن في رمضان، إذاً: هو شهر القرآن أكثر فيه من قراءة القرآن بتأمل وتدبر واستحضار بأنك تقرأ كلام الله -عز وجل-، كلام رب العالمين.

أرأيتم لو أن إنساناً يقرأ كتاباً ورد إليه من صديقه، ماذا يكون شعوره حين قراءته هذا الكتاب! يستشعر أن صديقه بين يديه، أيضاً أنت تقرأ كلام الله -عز وجل-، يا أخي تأدب بآداب القرآن، كأن الله يخاطبك الآن، إذا قال: يا أيها الذين آمنواأول من ينتبه أنت، يخاطبك، فاستشعر هذا حتى يكون للقرآن في قلبك عظمة؛ ولذلك يحرم على الجنب أن يقرأ القرآن تعظيماً للقرآن حتى يغتسل، ويحرم على المحدث حدثاً أصغر أن يمس القرآن حتى يتوضأ، ويحرم على الإنسان أن يدخل المصحف في الأماكن القذرة، كالحمام وشبهه إلا للضرورة، المهم أن القرآن كلام الله -عز وجل- استشعر أنك حينما تقرأه تقرأ كلام رب العالمين -عز وجل-، ليس كلاماً عادياً إنه كلام الله.

تقديم الفطور:

 ومن آداب الصوم: أن الإنسان يفطر مبكراً من حين غياب قرص الشمس أفطر ولو كان أثر النهار واضحاً، سواءً أذن أم لم يؤذن، يعني: لو فرضنا أنك في مكان عالٍ ورأيت الشمس قد غابت وغاب القرص والمؤذنون لم يؤذنوا أفطر؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187] وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأشار إلى المشرق وأدبر النهار من هاهنا وأشار إلى المغرب وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» وبادر بالفطر، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» انظر لا يزالون بخير ما عجلوا الفطر، معناه: إذا لم يعجلوا الفطر فليسوا في خير، هذا مفهوم الحديث، أفطر على رطب، الرطب الآن والحمد لله متيسر، إن كنت في أيام الرطب فهو متيسر، وإن لم تكن فإنه متيسر؛ لأن الناس يجعلونه في الثلاجات و(الفريزرات) كأنه قطف الآن، فإن لم تجد فعلى تمر، فإن لم تجد فعلى ماء، حتى لو كان عندك طعام آخر خبز أو رز أو حلوى لا تفطر عليها وعندك ماء، أفطر على الماء، وإذا عندك حليب وماء أفطر على الماء؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور» وكان -صلى الله عليه وسلم- يفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى تمر، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء.

وإن كنت مثلاً في بر وغابت الشمس وليس عندك رطب ولا تمر ولا ماء فعلى أي طعام معك، أي طعام، فإن لم تجد شيئاً فالنية تنوي أنك أنهيت الصوم وقطعت الصوم، ولا حاجة أن تفعل كما يقول العوام، يقول العوام: بِلَّ شماغك بالريق ثم أخرجه ثم أردده ومصه؛ لأن الريق إذا انفصل ثم رددته وبلعته أفطرت، فهذا مما ليس له أصل، إذا لم تجد انوِ والنية كافية.

وينبغي عند الإفطار أن تدعو الله -سبحانه وتعالى- بما شئت، من خيري الدنيا والآخرة، وإذا كنت في يوم حار صائف وأنت عطشان وشربت فقل:  «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله» كما كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعل هذا.

قيام الليل:

قيام الليل هو التراويح «ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه» و «إذا قام الإنسان مع الإمام حتى ينصرف الإمام كتب له قيام ليلة» ليلة كاملة والحمد لله وأنت على فراشك، وهذه نعمة؛ ولهذا لما طلب الصحابة من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يتمم بهم الليل، أي: يقوموا الليل كله قال لهم: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» وأنت على فراشك، انتبه لهذا، لم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم- قوموا، إذا انصرفت فقوموا أنتم إلى الفجر إن شئتم، مما يدل على أن الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أراد بهم اليسر بأنهم ينهون قيام الليل بتسليم الإمام، ولا حاجة أنهم يقومون في آخر الليل.

وإذا فعلوا ذلك أي: قاموا مع الإمام حتى ينصرف كتب الله لهم قيام ليلة كاملة، ولو كانوا نائمين على فرشهم، فلله الحمد رب العالمين.

الاعتكاف:

الاعتكاف أيضاً مما يتعلق برمضان: وهو أن يبقى الإنسان ملازماً للمسجد من غروب الشمس ليلة عشرين، إلى غروب الشمس، آخر يوم من رمضان، ليتفرغ للعبادة، فهذا طيب وفيه أجر واقتداء بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإن لم يتيسر لكونك مشغولاً بعائلتك، والعائلة ليس عندهم من يقوم عليهم، فاشتغالك بهم ورعايتهم أفضل من الاعتكاف.

أسأل الله تعالى أن يمن علينا وعليكم بالتوفيق والهداية لما يحب ويرضى، إنه على كل شيء قدير.