من أحكام الصيام
مدة الملف
حجم الملف :
9598 KB
عدد الزيارات 5464

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثاني والعشرون بعد المائتين من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو العاشر من شهر شعبان عام (1420هـ).

وبما أن شهر رمضان المبارك قد قرب، نسأل الله أن يبلغنا وإياكم صيامه وقيامه إيماناً واحتساباً، وبما أن الخميس القادم ليس فيه لقاء نجعل هذا اللقاء فيما يتعلق بالصيام.

حكم الصيام.. والتدرج في الأمر به:

فنقول: الصيام فرض على المسلمين بإجماع المسلمين، ومرتبته في الدين أنه أحد أركان الإسلام الخمسة، فهو الركن الرابع بعد الشهادتين والصلاة والزكاة، أي: هو الذي يلي الثلاثة، والخامس حج بيت الله، وقد فرض في السنة الثانية من الهجرة بالإجماع، فصام النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تسع رمضانات بالإجماع أيضاً، وكان الصيام أول ما فرض يخير فيه المسلم بين أن يصوم، أو يفدي عن كل يوم إطعام مسكين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:184] ثم نزلت الآية بعدها، فأوجب الله تعالى الصوم عيناً بدون تخيير، فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:185].

شروط وجوب الصيام:

لا يجب الصوم أداءً إلا بشروط:

أولها: العقل.

الثاني: البلوغ.

الثالث: الإسلام.

الرابع: القدرة.

الخامس: الإقامة.

السادس: الخلو من الحيض والنفاس بالنسبة للنساء.

الأول: العقل وضده فقد العقل، سواءً بجنون خرف، يعني: هرم، أو حادث أزال عقله وشعوره، فهذا ليس عليه شيء؛ لفقد العقل، وعلى هذا فالكبير الذي وصل إلى حد الهذرمة ليس عليه صيام ولا إطعام؛ لأنه لا عقل له، وكذلك من أغمي عليه بحادث أو غيره فإنه ليس عليه صوم ولا إطعام؛ لأنه ليس بعاقل، الثاني: البلوغ وضده الصغر، فمن دون البلوغ لا صوم عليه، لكن يؤمر به إذا أطاقه بلا ضرر، فإنه يؤمر به ويأمره به وليه؛ ليعتاده ويسهل عليه بعد البلوغ،  الثالث: الإسلام، فغير المسلم لا يلزم بالصوم، ولو صام لم يصح منه؛ لفقد شرط القبول وهو الإسلام، وليس معنى هذا: أننا نسقط عنه عقوبة تركه، بل هو يعاقب على تركه يوم القيامة، لكننا في الدنيا لا نطالبه به ولا نأمره بقضائه بعد إسلامه، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:38] ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أحداً ممن أسلم أن يقضي ما أفطره، ولأننا لو أمرنا المسلم أن يقضي ما كان قبل إسلامه لكان في ذلك تنفير عن الإسلام، فكان مقتضى الدليل والنظر الصحيح: ألا يؤمر الكافر إذا أسلم بقضاء ما ترك، لكن لو مات على كفره عوقب على تركه، أي: ترك ما يجب على المسلم.

الرابع: القدرة على الصيام، فالعاجز عن الصيام لا يجب عليه الصوم، ولكن إن كان عجزه مستمراً لا يرجى زواله أطعم عن كل يوم مسكيناً، وإن كان عجزه يرجى زواله كالمريض مرضاً معتاداً فإنه ينتظر حتى يزول عجزه ثم يقضي، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:185].

الخامس: الإقامة، وضدها السفر، فالمسافر لا يجب عليه الصوم، ولكنه يقضي إذا رجع عن السفر، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:185] فإن سافر في أثناء اليوم، يعني: كان مقيماً وصام ثم سافر في أثناء اليوم فله الفطر؛ لوجود السبب المبيح للفطر وهو السفر، كما أنه لو أذن للصلاة وهو مقيم ثم سافر بعد الأذان فإنه يصلي ركعتين ولا يصلي أربعاً؛ لوجود السبب المبيح للقصر، وإن قدم بلده وهو مفطر لم يلزمه الإمساك، بل يبقى مفطراً ويقضي ذلك اليوم كما يقضي سائر الأيام التي أفطرها.

السادس: الخلو من الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة، فإن كانت المرأة حائضاً فإنها لا تصوم بالإجماع، ولو صامت لم يقبل بالإجماع، فإذا طهرت في أثناء اليوم لم يلزمها الإمساك، بل تبقى على فطرها لأنها ستقضي هذا اليوم، وإن حاضت في أثناء اليوم أفطرت ولا يحل لها الاستمرار في الصوم لوجود المفسد وهو الحيض.

واعلم أيها الطالب: أن وضع الشروط والأركان والواجبات عند أهل العلم مما يقرب العلم ويسهل الحصول عليه؛ لأنهم -رحمهم الله- جمعوا هذه الشروط من نصوص الكتاب والسنة ورتبوها، فكان في ذلك تسهيل للعلم، وأما قول بعض المحدثين: إن هذا من البدع، فالجواب على هذا أن نقول لهم: ومن البدع بناء المدارس، ومن البدع طبع الكتب، فهل تنكرون بناء المدارس وطبع الكتب؟ سيقولون: لا، نقول: هذا مثله هذه وسيلة لتسهيل العلم وتقريبه، وقد وجد في السنة ما يدل عليه، أحياناً يقول النبي -عليه الصلاة والسلام- ثلاثة كذا وكذا خمسة كذا وكذا سبعة كذا وكذا، كما قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذكرهم، وقال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» أحياناً السنة تأتي بالحصر.

تعريف الصيام ومفطراته:

ما هو الصيام الذي يشترط لوجوبه تلك الشروط السابقة؟ الصيام: هو التعبد لله -عز وجل- بترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أي: من حين أن يتبين طلوع الفجر إلى أن تغرب الشمس، تعبداً لله -عز وجل- لا حرمة عن الأكل والشرب ولا عادة تجري على الإنسان، لابد من قيد: التعبد لله -عز وجل-.

والمفطرات: الأكل والشرب والجماع، وهذا ذكرت في القرآن في مكان واحد، قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187] هذه ثلاث ذكرت في موضع واحد في القرآن الكريم.

الرابع: الحجامة إذا ظهر الدم، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أفطر الحاجم والمحجوم».

الخامس: القيء إذا تعمده لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمداً فليقض» هذه خمسة أشياء منصوص عليها، ثلاثة في القرآن واثنان في السنة، هل هناك شيء يفطر سوى هذه؟

الجواب: أما النص فلا نعلم شيئاً يفطر بالنص سوى هذه، أما بالقياس فنعم، فمثلاً الأكل والشرب يقاس عليهما الحقن التي تحقن في المريض عوضاً عن الأكل والشرب، وهي ما يعبر عنه: بالإبر المغذية، فهذه تفطر؛ لأنها بمعنى الأكل والشرب، والقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية: ألا تفرق بين متماثلين ولا تجمع بين متفرقين، أما الإبر التي ليست للتغذية كإبر العلاج والتنشيط، هذه الإبر التي للعلاج لا تفطر سواء أخذت مع العضلات أو مع الوريد أو مع أي مكان؛ لأننا نقول: إنها ليست أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب، وإذا لم تكن أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب فلا يمكن أن نفسد عبادة خلق الله بدون دليل شرعي؛ لأننا مسئولون عما نحل وعما نحرم.

فالمعنى: أننا إذا قلنا: هذا حلال فإننا سنسأل عنه يوم القيامة ما الدليل؟ وإذا قلنا هذا حرام سنسأل عنه يوم القيامة، وإذا شككنا في الشيء هل هو مفطر أو غير مفطر فما الواجب؟ أن يكون غير مفطر؛ لأن العبادة ثبتت بدليل شرعي، فلابد من دليل شرعي يدل على أنه يفطر، كذلك أيضاً مما يفطر: إنزال المني بشهوة بفعل العبد، أي: بفعل من الإنسان، مثل: أن يستمني بيده، أو يباشر زوجته حتى ينزل، أو ما أشبه ذلك، فأما إذا أنزل بمجرد التفكير فإنه لا يفسد صومه إذا لم يمس ذكره لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل أو تتكلم» قد يعترض معترض ويقول: ما هو الدليل على أن إنزال المني بشهوة يفسد الصوم؟ فجوابنا على هذا أن نقول: إنه جاء في الحديث القدسي أن الله قال في الصائم: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» والإنزال شهوة؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: «نعم. أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر».

وعلى هذا تكون المفطرات سبعة: الأكل، والشرب، والجماع، والحجامة، والقي، وما في معنى الأكل والشرب، والإنزال بفعل من العبد.

شروط وقوع المفطرات على الصوم:

هذه المفطرات لا تفطر إلا إذا كان الصائم ذاكراً عالما قاصداً، إذا كان عالماً يعلم أن هذا مفطر، ذاكراً وما نسي، قاصداً لم يأتِ بغير قصد بل فعله قصداً، ثلاثة شروط:

الأول: أن يكون عالماً وضد العلم الجهل، فإن كان جاهلاً لا يدري أن هذا يفطر، أو جاهلاً لا يدري أن الفجر طلع، فإنه لا يفسد صومه، صومه باقٍ؛ لقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:286] قال الله: قد فعلت؛ ولقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:5] وهذا لم يتعمد.

الثاني: أن يكون ذاكراً وضده الناسي، فإذا أكل أو شرب ناسياً أنه صائم فلا شيء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:286] ولقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» ولكن يجب على الجاهل متى علم أن يمسك وعلى الناسي متى ذكر أن يمسك، حتى لو كانت اللقمة في فمه أو الشربة في فمه وجب عليه أن يلفظها، لارتفاع الجهل أو النسيان.

الثالث: أن يكون قاصداً وضده من لم يقصد، كشخص يتوضأ فتمضمض فنزل الماء بغير قصد إلى بطنه فإنه لا يفسد صومه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:5] وهذا الرجل ما تعمد وإنما كان غصباً عليه، وكذلك المكره لو أن الرجل أكره امرأته فجامعها وهي صائمة، فإن صومها لا يفسد؛ لأنها مكرهة، ولا تستطيع أن تتخلص.

ما ينبغي أن يكون عليه الصائم:

ينبغي للصائم أن يكون صومه صوماً حسياً وصوماً معنوياً، الصوم الحسي عن المفطرات، والصوم المعنوي عن المنكرات، أن يمسك عن المنكرات في حال صومه، وأن يقوم بالواجبات لأن هذه هي الحكمة من وجوب الصوم، كما قال الله -عز وجل-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:183] وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

والكثير من الناس اليوم وقبل اليوم يصومون الصوم الحسي ولا يصومون الصوم المعنوي، فتجده يصوم، ولكنه لا يمسك عن المنكرات التي كان يفعلها في حال فطره، فيغتاب الناس ويسبهم ويعتدي عليهم بأكل الأموال وهضم الحقوق وما أشبه ذلك، وهذا لم يصم صوماً معنوياً؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، وإن أحد سابه أو شاتمه فليقل: إني امرؤ صائم» يعني: ولا يرد عليه؛ ليقل: إني امرؤ صائم، أحدهم رفع صوته عليك وسبك فلا ترد عليه؛ لأنك إن رددت عليه زاد وإذا زاد زدت أنت، ثم تبقيان في خصومة، لكن إذا قلت: إني صائم، فإنك تخجِّله وتبين له أنه لولا الصيام لرددت عليه، وأنك لم تترك الرد عليه لعجزك ولكن لأنك صائم، بعض الناس يصوم الصوم الحسي، ولكن لا يصوم الصوم المعنوي، تجده إذا تسحر نام إلى الغروب، هل هذا صائم؟ صائم صيام بهيمة عن الأكل والشرب وبقية المفطرات لكنه لم يصم صوم أهل التقوى الذين يصومون عما حرم الله، بل إني في شك من قبول صيام هذا الرجل لأنه ترك الصلاة في وقتها عمداً، وقد قال بعض العلماء: إن من ترك صلاة واحدة عمداً حتى خرج وقتها فقد كفر وارتد، نسأل الله العافية.

وينبغي للصائم أن يكثر من العبادات: من قراءة القرآن والتسبيح والتكبير والتحميد والصدقات وغيرها مما يقرب إلى الله -تبارك وتعالى-.

حتى إذا خرج رمضان خرج على حال ليس عليها قبل رمضان، يخرج ملتزماً متقياً ربه؛ لأنه تمرن على هذا شهراً كاملاً، وإنني بهذه المناسَبَة أدعو إخواننا الذين ابتلوا بشرب الدخان: أن ينتهزوا الفرصة في رمضان، فيمسكوا عن شربه؛ لأنهم في النهار لن يشربوا وفي الليل يتلهون عن الشرب، فإذا مضى عليهم شهر كامل؛ فإن ذلك سوف يؤثر فيما خالط دماءهم من مضار الدخان ويسهل عليهم تركه، فهي فرصة في الواقع لا ينبغي أن تفوت.

أسال الله تعالى للجميع التوفيق لما فيه الخير والصلاح، إنه على كل شيء قدير.