دعوة للمحاسبة
مدة الملف
حجم الملف :
11680 KB
عدد الزيارات 6251

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الشهري الأخير في هذا العام عام (1415هـ) والذي يتم هذه الليلة، ليلة الأحد الثامن والعشرين من شهر ذي الحجة، نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجعل خاتمتنا خيراً من ماضينا. موضوع هذا اللقاء يشمل شيئين:

الشيء الأول: ما الذي أودعناه في العام الماضي؟

الشيء الثاني: ماذا أعددنا للعام المقبل؟ وكلاهما يحتاج إلى عناية.

أما الأول فما الذي أودعه الإنسان في عامه الماضي؟ هل كان قائماً بالواجبات التي لله -عز وجل- والتي لعباده، أم هو مفرط مهمل مضيع؟ هل أخلص لله في عبادته؟ هل محَّص عمله في اتباع شريعة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ هل قام بالصلاة على ما ينبغي؟ هل صلاها في أوقاتها؟ هل صلاها مع الجماعة؟ هل أدى شروطها وأركانها على ما يجب؟ هل أدى زكاة ماله؟ هل أحصاه إحصاءً دقيقاً وكأن مستحقي الزكاة يحاسبونه محاسبة دقيقة؟ هل أتقن صيام رمضان؟ هل قام فيه بما يجب؟ هل أتقن حجه إن كان قد حج؟ هل قام ببر والديه؟ هل قام بصلة أرحامه؟ هل قام بالإحسان إلى جيرانه؟ هل قام برحمة الأيتام؟ هل قام برحمة البهائم؟ هل قام بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هل قام بالدعوة إلى الله -عز وجل-؟ هل قام بما يجب عليه من الإنفاق على أهله؟ هل قام بما يجب عليه من دفع أثمان المبيعات وأجور الأجراء؟ كل هذه تساؤلات يجب أن يعرف الإنسان الجواب عليها، إن كان قد فرط فيها فليتب إلى الله وليتدارك ما يمكن تداركه، وإن كان قد قام بما يستطيع وحسب ما أوجب عليه فليحمد الله على ذلك، وليسأل الله الثبات عليه.

إننا نعلم أن التجار إذا تمت سنة إدارة تجارتهم فإنهم يسهرون الليالي يتفقدون الدفاتر، ماذا دخل على المتجر؟ وماذا خرج منه؟ ماذا اكتسب الإنسان في هذه السنة وماذا خسر؟ حتى يتداركوا ما يمكن تداركه، أما التجارة العظمى وهي التي قال الله عنها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۞ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الصف:10-11] فإن هذه التجارة نحن في غفلة عنها، ولا نعلم ماذا أدينا فيها إلا أن يشاء الله؛ ولهذا أقول لنفسي ولكم: الواجب علينا أن نتفقد، أن ننظر فما يمكن تداركه قمنا به، وما لا يمكن استغفرنا الله منه وتبنا إليه -عز وجل-.

أما المستقبل فالمستقبل في الواقع لا يمكن لأي أحد أن يجزم بما يفعل في المستقبل، ولو أنه جزم بما يفعل في المستقبل لعد سفيهاً مخالفاً لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ۞ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:23-24] لقد سأل كفار قريش رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن قصة أصحاب الكهف، فقال: أخبركم غداً، ولم يقل: إن شاء الله، فماذا كان من الله -عز وجل-، تأخر الوحي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمدة خمسة عشر يوماً، ثم نزل الوحي، وفي تلك السورة قال الله لرسوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ۞ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:23-24] وكان هذا من حكمة الله -عز وجل- أن تأخر الوحي بعد أن وعدهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقص عليهم القصة، وفي هذا أكبر دليل على أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان صادقاً، إذ لو كان كاذباً للفق قصة من القصص وقال: هذه قصة أصحاب الكهف، لكنه لا ينطق في علم الغيب إلا بما أوحي إليه -عليه الصلاة والسلام-.

نحن لا نجزم بما نفعل غداً، ولا يمكننا أن نجزم، كم من إنسان أراد ولكن صار الواقع خلاف مراده! كم من إنسان أمل ولكن انقطع حبل الأمل! ولكن المؤمن مأمور بأن يستقبل الأيام بحزم ونشاط، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:62] أي: جعل الليل والنهار يختلفان، يخلف بعضها بعضاً من أجل أن ينشط الناس، كل يوم يتجدد لهم النشاط، كذلك الأعوام: جعل الله تعالى الأعوام أطول من الأيام بلا شك؛ لأنها شهور والأيام ساعات، لكنه -سبحانه وتعالى- كررها على العباد وجعل عدة السنة اثني عشر شهراً، حتى إذا تمت السنة وإذا بالإنسان يستجد نشاطه إلى سنة مقبلة، فانظر يا أخي ماذا أعددت للسنة المقبلة، هل أعددت نشاطاً في فعل الخير، فأنفذ ذلك وأمضه، فإن العزيمة على الرشد تكون رشداً إذا فعله الإنسان، أما مجرد العزيمة بدون أن يكون هناك حركة فإنها تمنِّ يصح أن نصف صاحبها أنه عاجز، كما جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني» رتب وقتك حتى ينزل الله لك فيه البركة، رتبه ولكن لا تجعل هذا الترتيب أمراً متعيناً، لا، بل هو على حسب الحال، وقد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، لكن رتب نفسك، رتب عملك، فقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل» مثلاً: اجعل لك ساعة تقرأ فيها كتاب الله -عز وجل-، وساعة تقرأ فيها من أحاديث الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وساعة تتفكر في معاني القرآن ومعاني الأحاديث، وساعة تتفكر ماذا عملت في يومك وماذا تركت، رتب نفسك حتى يبارك لك الله في أيامك وساعاتك، أما من أهمل نفسه ولا يبالي أعمل أم لم يعمل! أنشط أم كسل! فهذا لا شك أنه مفرط، وأنه سيضيع عليه الوقت وسيندم يوم لا ينفع الندم، لأنه أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، قال: أنا إن شاء الله مؤمن، أنا سأكون من أهل الجنة، أنا سأكون كذا، ولكنه ليس معه عمل، لا بد من عمل.
في شهر المحرم سنن وعبر:
أما السنن فإنه -أي: شهر المحرم- أحد الأشهر الأربعة الحرم، والأشهر الأربعة الحرم، هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، فشهر المحرم هو أحد الأشهر الحرم، وقد نهى الله -عز وجل- أن نظلم فيهن أنفسنا، فقال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:36] ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء أنه لا يجوز القتال فيها إلا ما كان دفاعاً، أو كان قد انعقدت أسبابه من قبل، بمعنى: أنه لا يجوز أن نبدأ قتال الكفار في هذه الأشهر الحرم، إلا إذا كان دفاعاً، بمعنى أنهم هم الذين بدءونا في القتال، أو كان ذلك امتداداً لقتال سابق على هذه الأشهر. 
في شهر المحرم نجى الله موسى من فرعون:
شهر المحرم قال فيه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» وأوكده يوم العاشر ثم التاسع؛ فإن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قدم المدينة، ووجد اليهود يصومون يوم العاشر من محرم، فسألهم: «لماذا تصومون؟» قالوا: إنه يوم نجى الله فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه، فنصومه شكراً لله، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «نحن أولى بموسى منكم، ثم صامه وأمر بصيامه» لكنه في آخر حياته، قال: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع» أي: مع العاشر، فيسن صيام اليوم العاشر، ويصوم قبله يوماً أو بعده يوماً ليخالف اليهود، وفي شهر المحرم عبر، أعظمها ما جرى لموسى وقومه وفرعون وقومه: فإن موسى -عليه الصلاة والسلام- أرسل إلى طائفتين من الناس: بني إسرائيل وفرعون، أما مع فرعون فلم تجدِ الرسالة فيه شيئاً ولم يؤمن، بل ما زاد إلا عتواً ونفوراً، وتوعد موسى، وصار يُقتل بني إسرائيل ويستحيي نساءهم، وجرى منه ما هو معلوم في كتاب الله -عز وجل-، وكان يفتخر على قومه ويقول: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ۞ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:51-52] ولما مضى لموسى في دعوته ما مضى أوحى الله تعالى إلى موسى ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [طه:77] فأسرى بهم ليلاً وخرج من مصر متوجهاً نحو الشرق نحو البحر الأحمر، فلما علم بهم فرعون دعا قومه ليخرج إلى موسى وقومه ليقضي عليهم، فلما وصل موسى إلى البحر قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:61] لا بد أن نهلك، لماذا؟ لأن فرعون وراءهم والبحر أمامهم، فرعون بجنوده وعَدَدِهِ وعُدَدِه خلفهم والبحر أمامهم، فهم إن تساقطوا في البحر غرقوا، وإن وقفوا أهلكم فرعون، ولكن موسى -عليه الصلاة والسلام- قال وهو موقن: ﴿كَلَّا﴾ [الشعراء:62] لن ندرك ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء:62] وبهذا نعرف قوة توكل الرسل على الله -عز وجل- وقوة ثقتهم بوعد الله قَال كَلَّا ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:62] فهداه الله، أمره أن يضرب البحر، فضرب البحر بعصاه، فانفلق البحر اثني عشر طريقاً على حسب أسباط بني إسرائيل، والغريب أن البحر لم يتميز ويندفع ولكنه بقي أسواقاً وطرقاً وبينها كتل الماء كالجبال مع أن الماء جوهر مائع يسيل، لكن وقف الماء كالجبال، وقيل: إنه كان في كل قطعة فرجة، من أجل أن يطمئن بنو إسرائيل بعضهم على بعض.

هذه الطرق التي انفتحت بضربة عصا هل بقيت أياماً حتى تجف ويمكن السلوك عليها؟

الجواب: لا، قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً﴾ [طه:77] في الحال صارت أرضاً يابسة، استطاع موسى وقومه أن يمشوا عليها حتى تكاملوا خارجين منها، وبتكاملهم دخل فرعون وجنوده، فلما تكاملوا داخلين أمر الله -عز وجل- البحر أن يرجع إلى حاله فانطبق على فرعون وقومه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:82] غرق فرعون بالماء الذي كان بالأمس يفتخر به، ويقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:51] غرق بالماء، ولما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:90] انظر إلى الذل العظيم، لم يقل: آمنت بأنه لا إله إلا الله، قال: إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وهذا اعتراف منه بفضل بني إسرائيل عليه، واعتراف منه بأنه كان الآن تابعاً ومقلداً لهم وكان بالأمس يقتلهم على دين الله، أما الآن فأذله الله حتى قال: إنه على دين بني إسرائيل ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:90] لكن متى قال ذلك؟ حين رأى الموت، وإذا رأى الإنسان الموت فإنه لا تنفعه التوبة، ولهذا قيل له: ﴿ آلْآنَ﴾ آلآن تشهد أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل؟ ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:91] ولن ينفعك، ولكن الله قال: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس:92] ببدنك فقط لا ببدنك وروحك ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾[يونس:92] من الذين خلفه؟ بنو إسرائيل، ليكون آية على أن هذا الرجل الذي كان يرعبهم ويخوفهم ويقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم هو الآن جثة في البحر، لأنك تعرف أنه إذا كان للإنسان عدو مخيف، فجاءه من قال له: إن عدوك قد مات.

هل يطمئن وتكون طمأنينته كما لو شاهده؟ الجواب: لا، ولهذا أبقى الله جسد فرعون حتى شاهده بنو إسرائيل وعرفوا أنه قد هلك فاطمأنوا واستقروا، هذه من العبر العظيمة التي حصلت في يوم عاشوراء.

شهر المحرم بداية التاريخ الإسلامي:
شهر المحرم فيه أيضاً عبر: وهو أن المسلمين اتفقوا على أن يكون هذا الشهر هو افتتاح السنين، وذلك أن الناس فيما سبق حتى في أول عهد الإسلام لا يؤرخون، لأن أمة العرب أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، حتى جاءها هذا الكتاب العظيم فعلمنا الكتاب والحكمة، لكن فيما قبل ليس لهم تاريخ معين، ربما يؤرخون مثلاً بعام الفيل، فيقولون: هذا حصل عام الفيل، عام الفيل متى؟ لكن في عهد عمر -رضي الله عنه- عندما اتسعت رقعة الإسلام شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وصارت الرسائل تأتيه، ويشتبه عليه: هل هذه الرسالة قبل الرسالة الأخرى أو بعدها؟ قال: لا بد من تاريخ، وهذه من سنن عمر -رضي الله عنه-، قال: لا بد من تاريخ، فتشاوروا كعادتهم في النوازل إذا نزلت بهم نازلة تشاوروا: أولاً: من أين نبدأ التاريخ: هل من مولد النبي -عليه الصلاة والسلام-، أو من بعثته، أو من هجرته؟ إن كان مولده صار المسلمون أتباعاً للنصارى؛ لأن النصارى ابتدءوا التاريخ من مولد عيسى، والمسلمون يجب أن يكونوا أمة مستقلة، ذات طابع خاص، متميزة عن غيرها، قالوا: إذاً.. نبدأ من البعثة؛ لأن ببعثته بدأ النور ينزل على هذه الأمة ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ [النساء:174] فيكون من البعثة، قالوا: نعم هذا رأي حسن، لكن البعثة لم يظهر فيها للإسلام دولة، ونحن نريد أن نؤرخ تاريخاً خاصاً بدولة الإسلام، والدولة لم تكن إلا بعد الهجرة، فإنه بعد الهجرة صارت الأمة الإسلامية لها بلداً خاصاً مستقلاً، قالوا: إذاً يكون ابتداء التاريخ من الهجرة التي تكونت بها الدولة الإسلامية، ثم اختلفوا اختلافاً آخر قالوا: من أي الشهور؟ قال بعضهم: من شهر رمضان؛ لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وقال آخرون: بل من شهر ربيع الأول؛ لأن ربيع الأول هو الذي ابتدأ فيه الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو الذي كانت فيه هجرة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، قالوا: وهذا رأي حسن، لكن فيه شيء، ما هو الشيء؟ أنه الشهر الذي توفي فيه الرسول -عليه الصلاة والسلام-، فيخشى أن يكون هذا ذكرى لوفاته، ثم اختاروا أن يكون ابتداء التاريخ من المحرم؛ لأنه الذي ينصرف فيه المسلمون من أداء آخر أركان الإسلام وهو الحج، فكأن شهر ذي الحجة به تمام الأركان، فنبتدئ من شهر المحرم، وما زال المسلمون سائرين على هذا حتى حصل استعمار الكفار لبلاد المسلمين، فغيروا التاريخ، ولهذا تجد عامة المسلمين الذين استعمرت بلادهم تجد تاريخهم يبتدئ بالميلادي، تحول من التاريخ الإسلامي الهجري إلى تاريخ كفري لا أصل له، وسبب ذلك هو الاستعمار، ولهذا نجد العلماء في الأمصار التي تؤرخ الآن بالتاريخ الميلادي، نجد العلماء يؤرخون بالتاريخ الهجري ولا يعرفون التاريخ الميلادي، انظر إلى تراجم العلماء السابقين في البلاد الإسلامية، يقولون: ولد هذا العالم في السنة الهجرية، في الشهر الهلالي، وتوفي في السنة الفلانية الهجرية في الشهر الهلالي، حتى استعمر الكفار بلاد المسلمين فغيروا التاريخ، ونسي التاريخ الإسلامي في هذه البلاد، حتى إن بعض الإخوة الذين قدموا إلينا قبل نحو عشرين سنة أو أكثر، قال: والله ما عرفت الأشهر العربية إلا حين أتيت إلى هنا! لأنهم نشأوا على الأشهر الفرنجية والسنوات الميلادية، وقد كره الإمام أحمد -رحمه الله- أن يؤرخ بالأشهر الفرنجية، فقال: (أكره بأن يؤرخ بآذرما) لأن هذا خلاف ما سار عليه المسلمون، والمهم أن هذا الشهر -أعني: شهر المحرم- هو ابتداء السنوات الإسلامية الهجرية، ولكن مع الأسف أن بعض المسلمين الذين سلمت بلادهم من استعمار الكفار صاروا الآن يؤرخون بالتاريخ الميلادي، على الرغم من أن نظام هذه الدولة ونظام الحكم فيها أن التاريخ بالتاريخ العربي الإسلامي نصاً، ولكن مع الأسف أنك الآن يبيع لك صاحب البقالة وأحياناً يعطيك الفاتورة تاريخها بالميلادي، سبحان الله! هذا يخالف تاريخ الإسلام ويخالف تاريخ الدولة، ولهذا لو كان هناك متابعة تامة لنظام الدولة للأخذ على أيدي هؤلاء، قبل أن يكون هذا هو تاريخ المسلمين من أزمنة متباعدة، ولكن مع الأسف أن ضعف الشخصية في الرجل المسلم عندنا هي التي أدت إلى هذا الخذلان، وأعجب من ذلك! أن المريض يُعطى وصفة بورقة للدواء بالتاريخ الميلادي والحرف اللاتيني، فيبقى المريض لا يدري، كتب له: خذ هذا الدواء يوم (19/9) وهو عامي يعتقد هذا الدواء متى يستعمل في رمضان! لأنه قيل له: في (19/9)، أيضاً يستعمله ثلاث مرات، ويكتب له بالرقم غير المعهود عنده، فيختلف عليه الأمر، إذا قال: خذ سبع حبات وكتبها بالحرف الذي لا يعرفه يظن السبعة ستة، لأنها شبيهة بها، كل هذا والله يحزن الإنسان لأن هذا يدل على ضعف الشخصية. لغتنا والحمد لله لغة عربية.. لغة القرآن.. لغة السنة، بل هي لغة أهل الجنة كما جاء في بعض الأحاديث، كيف نفرط بها؟ لماذا لا نعلم هؤلاء الذين يباشرون الشراء من إخواننا المسلمين الذين جاءوا من بلادٍ لا يعرفون اللغة العربية.. لماذا لا نعلمهم؟ لكن المشكلة الآن أنهم هم الذين علمونا لغتهم، بدلاً من أن نعلمهم صاروا يعلموننا ونتعلم منهم، بدلاً من أن يقول الواحد منا: ما أدري يقول: ما فيه معلوم، أيهما أخصر؟ لا أدري أخصر وأوضح وأبين وأصدق؛ لأن قوله: لا أدري نفي للعلم عن نفسك فقط، لكن: ما فيه معلوم نفي عن كل الناس، لكن مع الأسف بدلاً من أننا نعلمهم اللغة العربية صاروا هم الذين أثروا على ألسنتنا! وكل هذا من ضعف الشخصية فينا، والواجب أن تكون هذه الأمة لها ميزة وخاصية تنفرد بها عن سائر الأمم، ولا مانع أن تعامل كل إنسان بما يعرف، فمثلاً: إذا كنت أخاطب شخصاً لا يعرف العربية، وأنا أعرف لسانه لا بأس أن أكلمه بلسانه، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود من أجل أن يكاتبهم ويراسلهم بلغتهم، وقال لأم خالد وقد قدمت من الحبشة وهي صغيرة عليها ثوب جديد، جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: «هذا سنا هذا سنا» وسنا في لغة الحبشة؛ أي: حسناً، يخاطبها باللغة التي تفهم، لكن لا يعني أن أخاطب الأخ العربي بلسان هذا الأخ الذي لا يعرف العربية كما هو الشأن في بعض الأحيان.

فنسأل الله تعالى أن يختم لنا عامنا هذا بالخير والقبول والمغفرة والعفو، وأن يجعل مستقبلنا في عامنا الجديد مستقبلاً حافلاً بالنصر والمسرات إنه على كل شيء قدير.