تفسير آيات من سورة الحديد
مدة الملف
حجم الملف :
7493 KB
عدد الزيارات 932

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء المتمم للعشرين بعد المائتين من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو السادس والعشرون من شهر رجب عام (1420هـ). 

تفسير قوله تعالى: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة:

نبتدئ بهذا اللقاء كالعادة بما ييسره الله -عز وجل- من تفسير كلماته التامة، يقول الله -تبارك وتعالى- في بيان حال الدنيا التي ذكر الله عنها أنها لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر خمسة أشياء ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الحديد:20] هذه حقيقة الدنيا.

ثم ضرب الله لنا مثلاً لأن الأمثال تقرب المعاني؛ إذ أن المثل يعني قياس المعنى على المحسوس ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:20] (غيث) أي: مطر تنبت به الأرض، وتزول به الشدة.

﴿ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:20] أي: النبات الناشئ عنه، وأعجبهم -أي: استحسنوه- والكفار هم الكافرون بالله -عز وجل-؛ لأن الكافر تعجبه الدنيا، ويفرح بها، ويسر بها، وقلبه متعلق بها، ليس له هم إلا ما يراه من زينتها ولهوها، فهو قد (أعجب الكفار) أي: الكفار بالله نَبَاتُهُأي: نبات هذا الغيث؛ ولماذا خص الكفار؟ لأن الكفار هم الذين يستحسنون الدنيا، ويعجبون منها، وتتعلق قلوبهم بها.

أما المؤمنون فهم على العكس لا يهمهم إلا ما فيه مصلحة الآخرة، وقيل: إن المراد بالكفار هنا الزراع، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن إطلاق الكفار على الزراع نادرٌ جداً هذا إن صح، والذين يقولون: إن المراد بهم الزراع يقولون: لأن الكافر يكفر الحب -أي: يستره في الأرض، ويحرث الأرض عليه- لأجل أن يخرج، ولكن ما قررناه أولاً هو الصواب أن المراد هم الكفار بالله.

﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ﴾ [الحديد:20] بعد ما يظهر ويعجب الكفار ويستحسنونه ويتعجبون منه ﴿ يَهِيجُ﴾ [الحديد:20] أي: ييبس ويجف.

﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾ [الحديد:20] بعد أن كان أخضر نامياً يكون مصفراً ذائباً ﴿ ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً﴾ [الحديد:20] أي: يتحطم ويتكسر؛ لأنه يبس فماذا كانت النتيجة لهذا الزرع؟ التلف والزوال، هذه حال الدنيا، تزهو للإنسان بنعيمها وقصورها ومراكبها وأموالها وأولادها وزوجاتها وغير ذلك، وإذا بها تتحطم، كم من غني كان مسئولاً في أهله منعماً في بيته وفي مركوبه وفي ثيابه وفي كل أحواله وإذا به يعود فقيراً، فتتحطم دنياه، فإن لم يكن مات وتحطمت دنياه بفراقه هذه الدنيا فلا بد من أحد أمرين: إما أن تفارقك الدنيا، وإما أن تفارقها، هذه حال الدنيا وهذا أمرٌ لا يشك فيه بالواقع، لكن النفوس معها غفلة، يسهو بها الإنسان عن مثل هذا الأمر الواقع.

فيظن أن كل شيء على ما يرام ويستبعد زوال الدنيا أو زواله هو عن الدنيا، أما الآخرة فاستمع إليها قال: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:20] للكافرين ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد:20] للمؤمنين، فأيهما أحق: أن يؤثر الإنسان الدنيا التي مآلها الفناء والزوال أم الآخرة؟ يؤثر الآخرة هذا العقل؛ لأنك إن آثرت الدنيا ففي الآخرة عذاب شديد، وإن آثرت الآخرة ففيها مغفرة من الله ورضوان.

مغفرة للذنوب ورضوان بالحسنات ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:20] هذه الجملة فيها حصر طريقه: النفي والإثبات وهو أعلى طرق الحصر، ما الحياة الدنيا إلا متاع لا غير، ومتاع الغرور يغتر بها الإنسان فيلهو ويلعب ويفرح ويبطر ثم تزول، كل هذه الجمل وهذه الأوصاف يريد بها الله -عز وجل- -وهو أعلم- أن يزهد الإنسان في الدنيا ويرغب في الآخرة.

وإني سائلكم: مَن زَهِدَ في الدنيا ورغب في الآخرة هل يفوته شيء من نعيم الدنيا؟

الجواب: لا، حتى وإن افتقر، فإنه لا يفوته نعيم الدنيا، ودليل هذا من القرآن والسنة قول الله -عز وجل-: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:97] حياة مطمئنة مستريح البال فيها، لم يقل: لنكثرن ماله وأولاده وقصوره ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:97] وبين النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك في قوله: «عجباً لأمر المؤمن إنه أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له».

تفسير قوله تعالى: ما أصاب من مصيبة في الأرض :

قال -عز وجل-: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:22] أي: أن جميع المصائب التي تصيب الإنسان في الأرض أو في نفسه قد كتبت من قبل.

المصيبة في الأرض كالجدب وقلة الأمطار، غور المياه وصعوبة منالها، وربما يقال أيضاً: الفتن والحروب وغيرها وَلا فِي أَنْفُسِكُمْأي: في نفس الإنسان ذاته من مرض أو فقد حبيب، أو فقد مال، أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها إِلَّا فِي كِتَابٍوهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير كل شيء «لما خلق الله سبحانه وتعالى القلم قال له: اكتب. قال: رب! وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» سبحان الله! ما أعظم هذا اللوح الذي يسع كل شيء إلى يوم القيامة، ولكن ليس هذا بغريب على قدرة الله -عز وجل-؛ لأن أمر الله ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:82] ولقد كان الإنسان يتعجب من قبل ولا يستبعد أن يكتب في هذا اللوح مقادير كل شيء، والآن ظهر من صنع الآدمي قطعة صغيرة مسجل فيها آلاف الكلمات، أليس كذلك؟ بلى وتسمى الليزر، وهو عبارة عن لوحة صغيرة كالقرص تسجل فيها آلاف الكلمات، قد يسجل فيها جميع كتب الحديث المؤلفة، أو جميع التفاسير، أو جميع كتب الفقهاء وهي من صنع الآدمي، فكيف بصنع من يقول للشيء: كن فيكون، لما قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فالمصائب التي تصيب الناس هل هي في أمر سابق؟ أو هي مستأنفة؟

الجواب: الأول؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد:22] قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:22] (الهاء) في قوله: (نبرأها) قيل: إنها تعود على مصيبة، وقيل: على الأرض، وقيل: على الأنفس، وقيل: على الجميع، والصحيح أنها على الجميع، أي: من قبل أن نبرأ كل هذه الأشياء، أي: أن نخلقها؛ وذلك أن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وخمسين ألف سنة مدة طويلة وهذا مكتوب، إذاً: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ الضمير يعود على ماذا؟ أن نبرأ الأرض؟ أن نبرأ المصيبة؟ أن نبرأ الأنفس؟ أن نبرأ الجميع؟ الجميع.

و(نبرأها) أي: نخلقها. بكم مدة؟ قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:22] أي: إن كتابة هذه المصائب يسير على الله -عز وجل-، كيف يسره؟ لأنه قال للقلم: اكتب فكتب، وهذا يسير أم صعب؟ يسير، كلمة واحدة حصل بها كل شيء ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:22] كل شيء فهو يسير على الله؛ لأن الأمر كلمة واحدة (كن فيكون) أرأيتم الخلائق يوم القيامة تبعث بكلمة واحدة، قال الله -عز وجل-: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:53] وقال -عز وجل-: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ۞فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:13-14] أي: على وجه الأرض خرجوا من القبور، هذا يسير والله؛ ولما قال زكريا لله -عز وجل- حين بشره بالولد: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم:8] قال الله -عز وجل-: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم:9] فأنا أوجدتك من قبل أن تكون، فبقدرتي أن يكون لك ولد بعد المدة الطويلة.

والله -عز وجل- لا يعجزه شيء، ولا يستعصي عنه شيء، ولا يتأخر عن أمره الكوني شيء ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:22].

تفسير قوله تعالى: لكيلا تأسوا على ما فاتكم :

ثم قال: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد:23] أي: أخبرناكم بهذا أن كل مصيبة تقع فهي في كتاب لِكَيْلا تَأْسَوْا[الحديد:23] (اللام) هنا للتعليل، و(كي) بمعنى أن، أي: لئلا تأسوا، ومعنى تأسوا: تندموا على ما فاتكم مما تحبون.

﴿وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:23] أي: لا تفرحوا فرح بطر واستغناء عن الله بما آتاكم من فضله، إذا علمت أن الشيء مكتوب من قبل فهل تندم على ما فات لأنه مكتوب والمكتوب لا بد أن يقع؟ هل تفرح فرح بطر واستغناء إذا آتاك الله الفضل؟ لا، لأنه من الله مكتوب من قبل فكن متوسطاً، لا تندم على ما مضى، ولا تفرح فرح بطرٍ واستغناء فيما أتاك الله من فضله؛ لأنه من الله، وفي الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» القوي في إيمانه، وليس القوي في بدنه، أصحاب الرياضة يجعلون هذا عنواناً «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» ويقولون: المراد المؤمن القوي في بدنه وهذا غلط، القوي هنا وصف يعود على ما سبقه وهو الإيمان «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير» هذا يسميه البلاغيون احتراس بمعنى أنه قد يظن الظان أن الضعيف لا خير فيه، فقال: «وفي كلٍّ خير» ثم قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» والإنسان إذا علم أن كل شيء مقدر ولا بد أن يقع رضي بما وقع، وعلم أنه لا يمكن رفع ما وقع أبداً؛ ولهذا يقال: دوام الحال من المحال، وتغيير الحال بمعنى رفع الشيء بعد وقوعه من المحال.

نعود إلى الآية ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:23] مختال في فعله، فخور في قوله، ومن الاختيال في الفعل أن يجر ثوبه، أو مشلحه، أو عباءته، أو غير ذلك مما يدل على الخيلاء.

حتى وإن لبس ثوباً وإن لم يكن نازلاً لكنه يعد خيلاء، الفخور والمعجب بنفسه هو الذي يقول: فعلت وفعلت وفعلت، يفخر به على الناس؛ لأنك ما دمت فاعلاً للشيء تريد ثواب الله، ما حاجة أن تفخر به على الناس! بل اشكر الله عليه وحدث به على أنه من نعمة الله عليك.