تفسير آيات من سورة الحديد
مدة الملف
حجم الملف :
7273 KB
عدد الزيارات 1126

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء التاسع بعد المائتين من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو الثالث من شهر ربيع الأول عام (1420هـ).

نتكلم فيه كما هي العادة بما ييسره الله -عز وجل- من تفسير الآيات، وقد سبق أن فسرنا قول الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ۞ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد:1-2].

تفسير قوله تعالى: هو الأول والآخر والظاهر والباطن:

قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:3] (الأول) أي: الذي ليس قبله شيء و(الآخر) الذي ليس بعده شيء، و(الظاهر) الذي ليس فوقه شيء و(الباطن) الذي ليس دونه شيء، هكذا فسره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومن المعلوم أننا لا نرجع إلى قول أحد كائناً من كان من البشر بعد تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وهو بكل شيء عليم أي: عليم بما كان وما يكون، فلا ينسى ما مضى ولا يجهل ما يأتي، كما قال الله تعالى على لسان موسى -صلى الله عليه وسلم- حين سأله فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ۞ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:51-52] (لا يضل) أي: لا يجهل؛ لأن الضلال يراد به الجهل، كما في قوله تعالى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ [الضحى:7] أي: جاهلاً، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان لا يعلم عن الشريعة الإسلامية شيئاً قبل أن يوحى إليه؛ لقول الله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ﴾ [الشورى:52].

وقوله: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[الحديد:3] هل يشمل أفعال العباد وأقوال العباد؟ نعم، يشمل هذا، بل إنه يعلم -سبحانه وتعالى- ما في قلب الإنسان وإن لم يظهره، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ۞إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:16-17] فإياك أن تضمر في قلبك شيئاً يحاسبك الله عليه، لكن الوساوس التي تطرأ على القلب ولا يميل الإنسان إليها بل يحاربها، ويحاول البعد عنها بقدر إمكانه لا تضره شيئاً، بل هي دليل على صدق إيمانه؛ لأن الشيطان إنما يأتي إلى القلب فيلقي إليه الوساوس إذا كان قلباً سليماً، أما إذا كان قلباً غير سليم فإن الشيطان لا يوسوس له؛ لأنه قد انتهى.

تفسير قوله تعالى: هو الذي خلق السماوات والأرض:

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:4] خلق السماوات السبع وكذلك الأرض هي سبع؛ لقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:12] أي: مثلهن في العدد، ولا يصلح أن تكون في الكيفية؛ لأن هناك فرقاً عظيماً بين السماء والأرض، فيتعين أن يكون المعنى مثلهن في العدد، وقد جاء ذلك صريحاً في السنة، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من اقتطع من الأرض شبراً بغير حق طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين».

وقوله: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ هذه الأيام هي: الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، ولو شاء الله لخلقها في لحظة، كما قال -عز وجل-: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:50] ولكنه خلقها في ستة أيام لحكمتين والله أعلم:

الحكمة الأولى: أن الأشياء المخلوقات يترتب بعضها على بعض، وينشأ بعضها من بعض، فتحتاج إلى مدة.

الحكمة الثانية: أن يعود عباده التأني في الأمور، وأن العبرة بالإحكام لا بالإسراع، وإن كان هناك حكمة أخرى ثالثة أو رابعة أو خامسة فالله أعلم.

المهم أن هذا هو الذي تبين لنا، ومع هذا لا نجزم به، ونقول: الله أعلم، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ(ثم): تدل على الترتيب، أي: أن خلق السماوات والأرض سابق على الاستواء على العرش، لا على خلق العرش؛ لأن العرش قبل السماوات والأرض، لكن الاستواء عليه كان بعد خلق السماوات والأرض، ومعنى (استوى) أي: على؛ لأن (استوى) في اللغة العربية إذا تعدت بـ(على) كان معناها العلو، مثاله قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ۞ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:12-13] أي: تعلوا عليها، ومن ذلك قوله تعالى عن نوح: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:28] فقوله: (استويت على الفلك) أي: علوت عليه، إذاً: استوى على العرش، أي: علا على العرش، وإذا رأيتم من يقول: استوى على العرش، أي: استولى على العرش فقد كذب على الله -عز وجل-؛ لأن الله تعالى نزَّل هذا القرآن العظيم باللغة العربية، واللغة العربية تدل على أن (استوى) إذا تعدت بـ(على) فهي بمعنى العلو لا غير، فيكون الذي يفسرها باستولى كاذباً على الله -عز وجل-، جانياً على نصوص الكتاب، محرفاً لها، وجنايته عليها من وجهين:

الوجه الأول: صرفها عن ظاهرها.

الوجه الثاني: إحداث معنىً لا يدل عليه ظاهرها.

وهذا قد يوجد كثيراً في كتب الأشاعرة سواء كانوا من المفسرين أو غير المفسرين، لكنهم بهذا -والله والله والله- قد ضلوا ضلالاً مبيناً -نسأل الله العافية- من الذي استولى على العرش حين خلق السماوات والأرض؟

إذا كان الله لم يستولِ عليه إلا بعد خلق السماوات والأرض فهو لمن من قبل؟ يلزمهم أن يقولوا: إنه لغير الله، وإلا فقد تبين خطؤهم وهم مخطئون والحمد لله واضح.

قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد:4] مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ أي: ما يدخل فيها من جثث الموتى، ومن الحبوب التي تنبت بإذن الله، ومن المياه التي يسلكها الله ينابيع في الأرض ثم يخرجها، وغير ذلك من الحشرات وغيرها.

المهم كل ما يلج في الأرض يعلمه الله، وسؤالنا الآن: هل يعلم حال الذر إذا ولجت في جحورها؟ نقول: (ما يلج) (ما) اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم، أي: كل ما يلج في الأرض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَامن النبات والمياه والمعادن وغيرها وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِمن الملائكة والأمطار والشرائع وغير ذلك وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا أي: إليها، لكن جاءت (فيها) بدل (إليها) لنستفيد فائدتين:

الفائدة الأولى: العروج، أي: الصعود.

الفائدة الثانية: الدخول؛ لأن (في) يناسبها من الأفعال الدخول، دخل في المكان، أما عرج ويعرج فالذي يناسبها (إلى) لكن الله -عز وجل- عدل عن قوله (يعرج إليها) إلى قوله: يَعْرُجُ فِيهَاليفيد الصعود والدخول، أي: الأشياء لا تصل إلى السماء الدنيا وتقف، تعرج في السماء الدنيا حتى تصل إلى الله -عز وجل-، إذاً: يَعْرُجُ فِيهَالو قال لك أحد النحاة: لماذا جاءت (في) بدل (إلى) والقرآن فصيح؟ فما الجواب؟ نقول: ضمن (يعرج) معنى يدخل، والتضمين هذا موجود في القرآن الكريم وفي اللغة العربية، قال الله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ [الإنسان:6] المناسب (يشرب من) كما قال تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون:33] أي: منه ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ [البقرة:249] وهنا قال: يَشْرَبُ بِهَا ما الحكمة؟ قال العلماء: الحكمة أن (يشرب) هنا ضمنت معنى يروى بها، ومعلوم أنك إذا قلت: (يروى بها) فقد تضمن معنى (يشرب) وزيادة، والتضمين هذا فن مهم في باب البلاغة، ينبغي لطالب العلم أن يدرسه ويحققه حتى يستفيد مما إذا اختلفت الحروف مع عواملها ولا يشكل عليه.

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (هو) الضمير يعود على الله -عز وجل- (معكم) أي: مصاحبٌ لكم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم أنت الصاحب في السفر, والخليفة في الأهل».

لكن هل هذه الصحبة صحبة مكان، بمعنى أننا إذا كنا في مكان كان الله معنا؟ حاشا وكلا، لا يمكن هذا، وكيف يتصور عاقل أن الله معنا في مكاننا وكرسيه وسع السماوات والأرض، هذا مستحيل [الكرسي موضع القدمين] كما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه-، فإذا كان كذلك هل يعقل أن رب السماوات والأرض الذي يوم القيامة تكون السماوات مطويات بيمينه، والأرض جميعاً قبضته، هل يمكن أن يكون معنا في أماكننا الضيقة أو الواسعة؟ لا يمكن، إذاً (معكم) أي: مصاحب لكم، والمصاحب قد يكون بعيداً عنك، تقول العرب في أسلوبهم: ما زلنا نسير والقمر معنا، ما زلنا نسير والقطب معنا، ما زلنا نسير والجبل الفلاني معنا، وهل هو معهم في مكانهم؟ معلوم أن القمر في السماء، والنجم في السماء، والجبل قد يكون بينك وبينه مسافة أيام، ومع ذلك فالعرب تطلق عليه المعية مع البعد في المكان، وكوننا نؤمن بأن الله معنا إذاً: هو عالم بنا، سميع لأقوالنا، بصير بأفعالنا، له القدرة علينا والسلطان، مدبر لنا بكل معنى تقتضيه المعية.

واعلم أن من الضلال من يقولون: إن الله معنا في أمكنتنا -نسأل الله العافية- وينكرون أن يكون الله في السماء عالياً، فأتوا بداهيتين عظيمتين:

1- إنكار علو الله.

2- اعتقاد أنه في الأرض، سبحان الله، هل يُعقل أن يعتقد عاقل فضلاً عن مؤمن أنه إذا كان في المرحاض كان الله معه؟ أعوذ بالله الذي يعتقد هذا أشهد بالله أنه كافر؛ لأن أعظم استهزاء بالله، وأعظم حط قدر الله هو هذا، وكما يقولون: الله في كل مكان، يعني أنه في الحجرة وفي السوق وفي المسجد، ثم من الذي يكون مع أناس في الحجرة، وأناس في الشارع، أهما إلهان؟ لا، ولا يمكن أن نقول: إن الله متعدد، إذا لم يكن إلهان هل هو متجزئ بعضه هنا وبعضه هنا.

إذاً: معناه بطل أن يكون معنا بذاته في أمكنتنا؛ لأنه إما أن يكون متعدداً وإما أن يكون متجزئاً، وكلاهما باطل، قررت هذا لأنه يوجد الآن كما لمسناه في الوافدين إلى مكة من يعتقد هذا الاعتقاد، يقول الله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:4] المعية: هي المصاحبة، ولا يلزم من المصاحبة المقارة في المكان، أي: أن يكون قاراً في مكان، لا يلزم هذا، وكيف يمكن أن يكون الله تعالى معك في مكانك وهو -سبحانه وتعالى- وسع كرسيه السماوات والأرض، ولكن هؤلاء الذين يعتقدون هذا ما قدروا الله حق قدره، ولا عظموه حق تعظيمه، ولا عرفوا عظمته وجلاله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:67] فكيف يعتقد أن الله معنا في مكاننا؟ فلهذا يجب على الإنسان أن يعرف نعمة الله عليه لكونه يؤمن بالقرآن على ما هو عليه على ظاهره، معظم لله حق التعظيم.

وقوله: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:4] أي: في أي مكان كنتم؛ لأن (أين) ظرف مكان، قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:150] مثل: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:4] ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:4] أي: بما تعملون من الأعمال كلها بصير، وهل البصر هنا بصر علم أم بصر رؤية؟ يشمل هذا وهذا، فهو بصير بصر رؤية يرانا -عز وجل-، ولا نخفى عليه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ربه: «حجابه النور, لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» هذا بصر رؤية.

أما بصر العلم: فمن المعلوم أن أعمالنا قد تكون مرئية كالحركات، وقد تكون مسموعة كالأقوال، المسموعة لا ترى بالعين، لكنها تسمع، فرؤية المسموع علم، وعلى هذا نقول: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:4] يشمل العلم والبصر بالرؤية.