تفسير آيات من سورة الواقعة
مدة الملف
حجم الملف :
4074 KB
عدد الزيارات 1577

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا اللقاء هو الخامس بعد المائتين من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو الخامس من شهر صفر عام (1420هـ).

تفسير قوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم:

نبتدئ هذا اللقاء كما هي العادة بتفسير آيات من كتاب الله -عز وجل-، وقد انتهينا في اللقاء الماضي إلى قول الله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ۞ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:75-76] يخبر الله -تبارك وتعالى- أنه يقسم بمواقع النجوم و(لا) في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ [الواقعة:75] للتنبيه والتوكيد، وليست للنفي؛ لأن المراد إثبات القسم وليس نفيه، وهذا كقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:1] وقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:1] وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:65] وأمثال ذلك، يؤتى بـ (لا) بصورة النفي، ولكن المراد بذلك التوكيد والتنبيه، والقسم: تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّمٍ بأدوات مخصوصة، وهي: الواو، والباء، والتاء، وقوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:75] اختلف فيها العلماء -رحمهم الله-، فمنهم من قال: إن المراد بذلك أوقات نزول القرآن، أي: أن القرآن نزل مفرقاً، والشيء المفرق يسمى منجماً، كما يقال في الدين المقسط على سنوات أو أشهر، يقال: إنه دين منجم، وقيل المراد بمواقع النجوم: مواقع الطلوع والغروب؛ لأن مواقع غروبها إيذان بالنهار، ومواقع طلوعها إيذان بالليل، وتعاقب الليل والنهار من آيات الله العظيمة الكبيرة، من آيات الله العظيمة التي لا يقدر عليها إلا الله -عز وجل-، فيكون الله -تبارك وتعالى- أقسم بما يدل على إقبال الليل وإدباره، وقيل: المراد بمواقع النجوم: الأنواء، وكانوا في الجاهلية يعظمونها، حتى كانوا يقولون: إن المطر ينزل بالنوء، ويقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.

والمهم أن الله تعالى أقسم بمواقع النجوم على أمر من أعظم الأمور وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:77] لكن الله بين عظم هذا القسم قبل أن يبين المقسم عليه، فقال: وإنه لقسم عظيم، وأتى بالجملة الاعتراضية في قوله: لو تعلمون، إشارة إلى أنه يجب أن نتفطن لهذا القسم وعظمته حتى نكون ذوي علم به.

تفسير قوله تعالى: وإنه لقسم لو تعلمون عظيم:

قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:76-77] أي: أن الذي نزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- لقرآن كريم، والكرم يراد به: الحسن والبهاء والجمال، كما في قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن وأمره أن يبين للناس أن عليهم زكاة في أموالهم، قال: «إياك وكرائم أموالهم»«كرائم» جمع كريمة، والمراد بها: الشاة الحسنة الجميلة، وهو كريم: يعني القرآن كريم في ثوابه، فالحرف بحسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، وهو كريم في آثاره على القلوب وصلاحها، فإن قراءة القرآن تلين القلوب، وتوجب الخشوع لله -عز وجل-، وكريم في آثاره بدعوة الناس إلى شريعة الله، كما قال تعالى: ﴿فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان:52] فالمهم أن القرآن كريم بكل معنى الكرم، قال تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ۞ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:78-79] اختلف العلماء في الكتاب المكنون، فقيل: إنه اللوح المحفوظ؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ۞ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:21-22] وقيل: المراد به الكتب التي بأيدي الملائكة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ۞ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ۞ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ۞ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ۞ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:12-16] وهذا القول رجحه ابن القيم -رحمه الله- في كتابه التبيان في أقسام القرآن أن المراد به الصحف التي بأيدي الملائكة، وأكثر المفسرين على أن المراد به: اللوح المحفوظ (لا يمسه) أي: لا يمس هذا الكتاب المكنون إلا المطهرون وهم الملائكة، طهرهم الله تعالى من الشرك والمعاصي؛ ولهذا لا تقع من الملائكة معصية، بل هم ممتثلون لأمر الله، قائمون به على ما أراد الله، وذهب بعض المفسرين إلى قول غريب حيث قالوا: المراد بقوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:79] أي: لا يمس القرآن إلا طاهر، ولكن هذا قول ضعيف لا تدل عليه الآية؛ لأنه لو كان المراد ذلك لقال: ﴿إلا المُطَّهِّرون﴾ -يعني: المتطهرين- ولكن قال: ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ أي: من قبل الله -عز وجل-، فهذا القول ضعيف، ولولا أنه يوجد في بعض التفاسير التي بأيدي الناس ما تعرضنا له، فإنه لا قيمة له، والصواب أن المراد بذلك الملائكة، فإن قلنا: إن المراد بالكتاب المكنون الصحف التي بأيديهم فواضح في قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:79] وإذا قيل: المراد به اللوح المحفوظ، فكذلك الْمُطَهَّرُونَ قد يمسونه بأمر الله -عز وجل-، وقد لا يمسونه.

تفسير قوله تعالى: تنزيل من رب العالمين:

قال تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة:80] أي: هذا القرآن تنزيل من رب العالمين. نزل من عند الله -عز وجل-؛ لأنه كلامه، وكلام الله تعالى منزل غير مخلوق، ويستفاد من هذه الآية الكريمة أن القرآن ليس بمخلوق؛ لأنه نزل من الله فهو كلامه، وكلامه من صفاته تعالى، وصفاته غير مخلوقه، وفي قوله: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى أنه يجب علينا أن نعمل به؛ لأن الذي أنزله هو الرب المطاع الخالق الرازق، الذي يجب أن نطيعه فيما أمر، وننتهي عما عنه نهى وزجر.

﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ و(العالمين) كل من سوى الله، وسموا عالمين؛ لأنهم علم على خالقهم، فإن هذا الخلق إذا تأمله الإنسان دله على ما لله -عز وجل- من عظمة وسلطان ورحمة وغير ذلك من صفات.

تفسير قوله تعالى: أفبهذا الحديث أنتم مدهنون:

قال تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة:81] أي: أبعد هذا البيان لعظمة القرآن الكريم تدهنون به؟ أي: تدهنون به الكفار، وتسكتون عن بيانه وعن العمل به، وهذا الاستفهام للإنكار؛ لأن الواجب على من آمن بأنه تنزيل من رب العالمين وأنه قرآن كريم، وأنه لا يمسه إلا المطهرون، الواجب أن يصارح ويصرح ولا يداهن، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:9] ولكن هذا ليس بحاصل.

فالواجب على المؤمن أن يبرز بدينه ويفتخر به، ويظهر خلاف ما كان عليه، وكثير من الناس اليوم -مع الأسف- تجد الرجل منهم إذا قام يصلي يستحي أن يصلي، وربما يداهن ويؤخر الصلاة عن وقتها موافقةً لهؤلاء الذين لا يصلون، وهذا غلط عظيم، بل الواجب أن يكون الإنسان صريحاً فلا يداهن في دين الله -عز وجل-.

تفسير قوله تعالى: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون:

قال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:82] أي: تجعلون عطاء الله إياكم تكذيباً له، كما قال -عز وجل-: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل:83] ومن ذلك: أن ينسب الإنسان نعمة الله -عز وجل- إلى السبب متناسياً المسبب سبحانه وتعالى، كقوله: مطرنا بنوء كذا، فهو ينسب المطر إلى النوء لا إلى الخالق -عز وجل-، فهذا نوع من الشرك كما جاء ذلك صريحاً في حديث زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلى بهم صلاة الصبح ذات يوم في الحديبية وقد نزل مطر، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أتدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر -انقسموا إلى قسمين: مؤمن وكافر فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب».