تفسير آيات من سورة الواقعة
مدة الملف
حجم الملف :
4874 KB
عدد الزيارات 1235

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثالث بعد المائتين من اللقاءات التي تعرف بـ(لقاء الباب المفتوح) التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو العشرون من شهر محرم عام (1420هـ).

تفسير قوله تعالى: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين:

نبتدئ هذا اللقاء كالعادة بالكلام على بعض الآيات الكريمة التي وصلنا فيها إلى قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ۞ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:39-40] هؤلاء هم أصحاب اليمين الذين هم في المرتبة الثانية، والمرتبة الأولى السابقون، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ۞ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:13-14] أي: ثلة من الأولين من هذه الأمة، وقليل من الآخرين، فإن خير هذه الأمة خير قرونها القرن الأول الذي هو قرن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم الثاني ثم الثالث، ثم تتناقص، أما أصحاب اليمين، فقال الله تعالى فيهم: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ۞ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:39-40] أي جماعة من هؤلاء وجماعة من هؤلاء.

تفسير قوله تعالى: وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال:

ثم ذكر الله القسم الثالث، فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة:41] وهم الكفار والمنافقون ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ۞ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ۞ لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:42-44] هذا الذي هم فيه، سموم أي حرارة شديدة والعياذ بالله، وقد بين الله -تبارك وتعالى- في آيات كثيرة كيفيتها، فقال الله تعالى: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء:56] وأخبر أنه ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ۞ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ۞ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:19-22] والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وقوله: حميمالحميم: هو الماء الحار شديد الحرارة، فهم -والعياذ بالله- محاطون بالحرارة من كل وجه ومن كل جانب ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ۞ لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:43-44] اليحموم: هو ما يكون بين الضوء الشديد في اللهب وبين الدخان.

﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:44] يعني: ليس بارداً يقيهم الحر، ولا كريماً يتنعمون فيه، ويستريحون فيه.

نسأل الله العافية لنا ولكم.

تفسير قوله تعالى: إنهم كانوا قبل ذلك مترفين:

ثم بين حالهم من قبل فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:45] وذلك في الدنيا، قد أترف الله أبدانهم وهيأ لهم من نعيم البدن ما وصل فيه إلى حد الترف، لكن هذا لم ينفعهم والعياذ بالله ولم ينجهم من النار.

تفسير قوله تعالى: وكانوا يصرون على الحنث العظيم:

تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:46] (يصرون) أي: يستمرون عليه، والحنث العظيم هو الشرك؛ لأن الأصل في الحنث الإثم، والعظيم هو الشرك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:13].

تفسير قوله تعالى: وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا تراباً:

وكانوا أيضاً ينكرون البعث: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ۞ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:47-48] يعني: ينكرون هذا إنكاراً عظيماً، يقولون: أإذا بليت عظامنا وصارت رفاتاً هل نبعث، وأيضاً هل يبعث آباءنا الأولون ولهذا يحتجون يقولون: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية:25] وهذه حجة باطلة؛ لأنه لا يقال لهم: إنكم ستبعثون اليوم، وإنما تبعثون يوم القيامة، فكيف تتحدونا وتقولون هاتوا آبائنا، فاليوم الآخر ليس هو الحاضر اليوم حتى يتحدوا ويقولوا هاتوا آبائنا، نقول إن هذا يكون يوم القيامة.

تفسير قوله تعالى: قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات:

قال الله -عز وجل-: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ۞ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:49-50] الأولون من المخلوقين، والآخرون كلهم سيبعثون في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، لا جبال ولا أشجار ولا كروية، بل تمد الأرض مسطحة، يرى أقصاهم كما يرى أدناهم، الآن لما كانت الأرض كروية فإن البعيد لا تراه؛ لأنه منخفض، لكن إذا كان يوم القيامة سطحت الأرض صارت كالأديم، أي كالجلد الممدود، فيبعث الخلائق كلهم على هذا الصعيد، وقوله: إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍعند من؟ عند الله -عز وجل-؛ لقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف:187].

تفسير قوله تعالى: ثم إنكم أيها الضالون المكذبون:

قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ [الواقعة:51] أي بعد البعث .﴿أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:51] الضالون في العمل فهم لا يعملون، المكذبون للخبر فهم لا يصدقون والعياذ بالله.

﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:52] آكلون من شجر، هذا الشجر نوعه من زقوم، كما تقول خاتمٌ من حديد، بابٌ من خشب، جدارٌ من طين، فقوله: مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍمن شجر متعلقة بأكل، من زقوم بيان للشجر، وسمي زقوماً لأن الإنسان -والعياذ بالله- إذا أكله يتزقمه تزقماً لشدة بلعه، لا يبتلعه بسهولة ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الواقعة:53] أي أنهم يملئون البطون من هذا الشجر مع أن هذا الشجر مر خبيث الرائحة، كريه المنظر، لكن لشدة جوعهم يأكلونه كما يأكل الجائع المضطر العذرة، وكما يأكل قيئه، فهم يأكلونه على تكره، كما قال الله -عز وجل-: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ۞ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:16-17] هم يأكلون من هذا الشجر ويملئون البطون منها، يأتيهم شغف، شغف عظيم جداً على الأكل، حتى يملئوا بطونهم مما يكرهون، وهذا أشد في العذاب نسأل الله العافية، مع ذلك إذا ملئوا بطونهم من هذا اشتدت حاجتهم إلى الشرب، فكيف يشربون؟ قال الله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة:54] الحميم: الماء الحار، يشربون من ماءٍ حار بعد أن يستغيثوا مدة طويلة، وقد وصف الله هذا الماء بقوله: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:29] وقال -عز وجل-: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:15] فتأمل -يا أخي- هذا، إن قربوه من الوجوه يشوِها، وإذا دخلت بطونهم قطع أمعاءهم، ومع ذلك يشربونه بشدة، يقول: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة:55] يعني شرب الإبل الهائمة إلى الماء التي لا يرويها الشيء القليل فيملئون بطونهم والعياذ بالله من الشجر الزقوم ويشربون من الحميم شُرْبَ الْهِيمِ أي: شرب الإبل (الهيم) جمع هائمة أو جمع (هيماء) يعني: أنها شديدة العطش، فتملأ بطونها، وبطونها كما في الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- (معها سقائها -وهو البطن الذي يمتلئ ماءً- وحذاؤها) أسأل الله أن يجيرني وإياكم من النار ﴿ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة:56] أي: هذه ضيافتهم، بخلاف المؤمنين فإن ضيافتهم جنات الفردوس ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ۞ خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ [الكهف:107-108].

تفسير قوله تعالى: نحن خلقناكم فلولا تصدقون:

ثم قال -عز وجل-: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة:57] وهذا أمرٌ لا أحداً ينكره، أن خالقنا هو الله، حتى المشركون الذين يشركون مع الله إذا سئلوا من خلقهم؟ قالوا: الله، يعني: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ أول مرة، فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أي في إعادتكم ثاني مرة، ولولا هنا بمعنى هلا تصدقون، كان الواجب عليهم وهم يصدقون بأن خالقهم أول مرة هو الله، أن يصدقوا بالخلق الآخر؛ لأن القادر على الخلق الأول قادر على الخلق الآخر من باب أولى، كما قال -عز وجل-: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:27] وقال -عز وجل-: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:47] إذاً نحن خلقناكم متى؟ اليوم أو ما مضى ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ أي: فهلا تصدقون أننا نعيدكم، نخلقكم مرة ثانية؛ لأن القادر على الخلق أول مرة، قادر على الخلق في المرة الأخرى.

تفسير قوله تعالى: أفرأيتم ما تمنون:

ثم ضرب الله تعالى مثلاً بل أمثالاً لما فيه وجودنا وما فيه بقاؤنا وما فيه استمتاعنا، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ۞ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:58-59] أي: أخبروني عن هذا المني الذي يخرج منكم، هل أنتم تخلقونه أم الله؟ الجواب: الله -عز وجل- هو الذي يخلقه. فيخرج من بين الصلب والترائب، هو الذي يخلقه في الرحم خلقاً من بعد خلق، فنحن لا نوجد هذا المني، ولا نطوره في الرحم، بل ذلك إلى الله -عز وجل-: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ الجواب: بل أنت يا ربنا! ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة:60] أي: قضيناه بينكم فكل نفس ذائقة الموت.

اللهم اجعلها على الحق والعدل، كل نفس ذائقة الموت ولابد، حتى الأنبياء والرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:34] ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ۞ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ [الواقعة:60-61] أي: لا أحد يسبقنا فيمنعنا أن نبدل أمثالكم، بل نحن قادرون على ذلك وسوف يبدل الله تعالى أمثالنا، أي: ينشئنا خلقاً آخر، وذلك يوم القيامة ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة:61] وذلك يوم القيامة.

تفسير قوله تعالى: ولقد علمتم النشأة الأولى:

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [الواقعة:62] علمتم النشأة الأولى وأنكم نشأتم في بطون أمهاتكم وأخرجكم الله -عز وجل- من العدم ﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة:62] أي: فهلا تتذكرون وتتعظون، وهذا دليل عقلي من الله -عز وجل- يعرضه على عباده، يقول: إننا بدأناكم أول مرة، وإذا بدأناكم أول مرة فلسنا بمسبوقين على أن نعيدكم ثاني مرة، وإلى هنا نأتي إلى ما أردنا أن نتكلم عليه في التفسير.