تفسير آيات من سورة الرحمن
مدة الملف
حجم الملف :
5392 KB
عدد الزيارات 1058

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا هو اللقاء التسعون بعد المائة من اللقاءات التي يعبر عنها بلقاء الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو اليوم الثاني من شهر رجب من عام (1419هـ). نبتدئ هذا اللقاء بما اعتدناه من الكلام على آياتٍ من كتاب الله عز وجل، ابتدأنا بسورة (الرحمن علم القرآن).

تفسير قوله تعالى: (وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام): 

قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ [الرحمن:24] و(له) أي: لله عز وجل ملكاً، وتدبيراً، وتيسيراً. (الجوار) بحذف الياء للتخفيف، وأصلها: الجواري جمع جارية، وهي السفينة تجري في البحر، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان:31]. (المنشآت) أي: التي أنشأها صانعوها ليسيروا عليها في البحر، وقالوا: (في البحر) متعلق بـ(الجوار) أي: الجواري في البحر، وليست فيما يظهر متعلقة بالمنشآت -أي: الجواري التي تنشأ في البحر- لأن السفن تصنع في البر أولاً، ثم تنزل في البحر، وقوله: (كالأعلام) تشبيه، والأعلام جمع علم، وهو الجبل، كما قال الشاعر:

وإن صخراً لتأتم الهداة به *** كأنه علمٌ في رأسه نار

أي: كأنه جبل، ومن شاهد السفن في البحار رأى أن هذا التشبيه منطبقٌ تماماً عليها، فهي كالجبال تسير في البحر بأمر الله عز وجل، وإنما نص الله عليها؛ لأنها تحمل الأرزاق من جانبٍ إلى جانب، ولولا أن الله تعالى يسرها لكان في ذلك فواتح خيرٍ كثير للبلاد التي تنقل منها، والبلاد التي تنقل إليها.

وفي هذا العصر جعل الله تبارك وتعالى جواري أخرى لكنها تجري في الجو كما تجري هذه في البحر، وهي الطائرات، فهي منةٌ من الله عز وجل كمنته على عباده في جواري البحار، بل ربما نقول: إن السيارات أيضاً من جواري البر، فتكون الجواري ثلاثة أصناف: بحرية، وبرية، وجوية، وكلها من نعم الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:25] أي: بأي نعمةٍ من نعم الله تكذبان، والخطاب للإنس والجن.

تفسير قوله تعالى: (كل من عليها فان): 

قال عز وجل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۞ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:26-27] (كل من عليها) أي: على الأرض (فانٍ) أي: داثر من الجن، والإنس، والحيوان، والأشجار، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ۞ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾ [الكهف:7-8] أي: خالية، وقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ۞ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً﴾ [طه:105-106] أي: يذر الأرض قاعاً صفصفاً، أو يذر الجبال بعد أن كانت عالية شامخة (قاعاً) كالقيعان مساوية لغيرها صفصفاً ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:107].

تفسير قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام): 

قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:27] أي: يبقى الله عز وجل ذو الوجه الكريم.

وكان بعض السلف إذا قرأ هاتين الآيتين وصل بعضهما ببعض، قال: ليتبين بذلك كمال الخالق ونقص المخلوق؛ لأن المخلوق فان، والرب باق، وهذه ملاحظة جيدة أن تقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۞ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:26-27] وهذا هو محط الحمد والثناء على الله عز وجل، أن تفنى الخلائق إلا الله عز وجل.

وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:27] فيه إثبات الوجه لله سبحانه وتعالى، ولكنه وجهٌ لا يشبه أوجه المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11] أنت تؤمن بأن لله وجهاً، لكن يجب أن تؤمن بأنه لا يماثل أوجه المخلوقين بأي حالٍ من الأحوال؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].

ولما ظن أهل التعطيل أن إثبات الوجه يستلزم التمثيل أنكروا أن يكون لله وجهاً، وقالوا: المراد بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي: ثوابه. أو أن كلمة (وجه) زائدة، وأن المعنى: (ويبقى ربك) ولكنهم ضلوا سواء السبيل، خرجوا عن ظاهر القرآن وحرفوه، وخرجوا عن طريق السلف الصالح، ونحن نقول: إن لله وجهاً؛ لإثباته في هذه الآية، لا يماثل أوجه المخلوقين؛ لنفي المماثلة في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ وبذلك نسلم، ونجري النصوص على ظاهرها المراد بها.

وقوله: (ذو الجلال) أي: ذو العظمة (والإكرام) أي: إكرام من يطيع الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:35] فإذاً: الإكرام: أي أنه يكرم من يستحق الإكرام من خلقه، ويحتمل أن يكون لها معنىً آخر: وهو أنه يكرم من أهل العباد فيمن خلقه، فيكون الإكرام هذا المصدر صالحاً للمفعول والفاعل، فهو مُكِرم ومكَرم.

﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:28] وهذه الآية تكررت عدة مرات في هذه السورة، وبينا معناها: أنه بأي نعمة من نعم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس، وهذا كالتحدي لهم؛ لأنه لا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثل هذه النعم.

تفسير قوله تعالى: (وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام): 

قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ [الرحمن:24] و(له) أي: لله عز وجل ملكاً، وتدبيراً، وتيسيراً، (الجوار) بحذف الياء للتخفيف، وأصلها: الجواري جمع جارية، وهي السفينة تجري في البحر، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان:31]. (المنشآت) أي: التي أنشأها صانعوها ليسيروا عليها في البحر، وقالوا: (في البحر) متعلق بـ(الجوار)، أي: الجواري في البحر، وليست فيما يظهر متعلقة بالمنشآت -أي: الجواري التي تنشأ في البحر- لأن السفن تصنع في البر أولاً ثم تنزل في البحر، وقوله: (كالأعلام) تشبيه، والأعلام جمع علم، وهو الجبل، كما قال الشاعر:

وإن صخراً لتأتم الهداة به *** كأنه علمٌ في رأسه نار

أي: كأنه جبل، ومن شاهد السفن في البحار رأى أن هذا التشبيه منطبقٌ تماماً عليها، فهي كالجبال تسير في البحر بأمر الله عز وجل، وإنما نص الله عليها؛ لأنها تحمل الأرزاق من جانبٍ إلى جانب، ولولا أن الله تعالى يسرها لكان في ذلك فواتح خيرٍ كثير للبلاد التي تنقل منها والبلاد التي تنقل إليها.

وفي هذا العصر جعل الله تبارك وتعالى جواري أخرى لكنها تجري في الجو كما تجري هذه في البحر، وهي الطائرات، فهي منةٌ من الله عز وجل كمنته على عباده في جواري البحار، بل ربما نقول: إن السيارات أيضاً من جواري البر.

فتكون الجواري ثلاثة أصناف: بحرية، وبرية، وجوية، وكلها من نعم الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:25]، أي: بإي نعمةٍ من نعم الله تكذبان، والخطاب للإنس والجن.

تفسير قوله تعالى: (كل من عليها فان): 

قال عز وجل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۞ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:26-27] (كل من عليها) أي: على الأرض (فانٍ) أي: داثر من الجن، والإنس، والحيوان، والأشجار، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ۞ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾ [الكهف:7-8] أي: خالية، وقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ۞ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً﴾ [طه:105-106] أي: يذر الأرض قاعاً صفصفاً، أو يذر الجبال بعد أن كانت عالية شامخة (قاعاً) كالقيعان مساوية لغيرها صفصفاً ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:107].

تفسير قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام):

قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:27] أي: يبقى الله عز وجل ذو الوجه الكريم، وكان بعض السلف إذا قرأ هاتين الآيتين وصل بعضهما ببعض، قال: ليتبين بذلك كمال الخالق ونقص المخلوق؛ لأن المخلوق فانٍ، والرب باقٍ، وهذه ملاحظة جيدة أن تقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۞ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:26-27] وهذا هو محط الحمد والثناء على الله عز وجل، أن تفنى الخلائق إلا الله عز وجل.

وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:27] فيه إثبات الوجه لله سبحانه وتعالى، ولكنه وجهٌ لا يشبه أوجه المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11] أنت تؤمن بأن لله وجهاً، لكن يجب أن تؤمن بأنه لا يماثل أوجه المخلوقين بأي حالٍ من الأحوال؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].

ولما ظن أهل التعطيل أن إثبات الوجه يستلزم التمثيل أنكروا أن يكون لله وجهاً، وقالوا: المراد بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي: ثوابه، أو أن كلمة (وجه) زائدة، وأن المعنى: (ويبقى ربك) ولكنهم ضلوا سواء السبيل، خرجوا عن ظاهر القرآن وحرفوه، وخرجوا عن طريق السلف الصالح، ونحن نقول: إن لله وجهاً؛ لإثباته في هذه الآية، لا يماثل أوجه المخلوقين؛ لنفي المماثلة في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ وبذلك نسلم، ونجري النصوص على ظاهرها المراد بها.

وقوله: (ذو الجلال) أي: ذو العظمة (والإكرام) أي: إكرام من يطيع الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:35] فإذاً: الإكرام: أي أنه يكرم من يستحق الإكرام من خلقه، ويحتمل أن يكون لها معنىً آخر: وهو أنه يكرم من أهل العباد فيمن خلقه، فيكون الإكرام هذا المصدر صالحاً للمفعول والفاعل، فهو مُكِرم ومكَرم.

﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:28] وهذه الآية تكررت عدة مرات في هذه السورة، وبينا معناها: أنه بإي نعمة من نعم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس، وهذا كالتحدي لهم؛ لأنه لا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثل هذه النعم.

تفسير قوله تعالى: (يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن):

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن:29] (يسأله) أي: يسأل الله (من في السماوات والأرض) الذي في السماوات هم الملائكة يسألون الله عز وجل، ومن سؤالهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا، يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:7] إلى آخره، ويسألهم من في الأرض من الخلائق.

وسؤال أهل الأرض لله عز وجل على قسمين:

القسم الأول: دعاء بلسان المقال، وهذا إنما يكون من المؤمنين، فالمؤمن يسأل ربه دائماً حاجاته؛ لأنه يعلم أنه لا يقضيها إلا الله عز وجل، وسؤال المؤمن ربه عبادة، سواءً حصل مقصودك أم لم يحصل، فإذا قلت: يا رب أعطني كذا، فهذه عبادة، كما جاء في الحديث «الدعاء عبادة» وقال تعالى شاهداً لهذا الحديث: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:60] فقال: (ادعوني) ثم قال: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) وهذا دليل على أن الدعاء عبادة، هذا دعاءٌ بلسان المقال.

القسم الثاني: دعاءٌ بلسان الحال، وهو أن كل مخلوق مفتقر إلى الله، ينظر إلى رحمته، فالكفار مثلاً ينظرون إلى الغيث النازل من السماء، وإلى نبات الأرض، وإلى صحة الحيوان، وإلى كافة الأرزاق، وهم يعلمون أنهم لا يستطيعون أن يوجبوا ذلك في أنفسهم، فهم إذاً يسألون الله بلسان الحال، وذلك إذا مستهم الضراء، واضطروا إلى سؤال الله بلسان المقال، سألوا الله بلسان المقال ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان:32].

إذاً: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الرحمن:29] من الذي في السماوات؟ الملائكة، وضربنا لكم مثلاً من أسئلتهم، من في الأرض؟ الإنس والجن.

والسؤال -أي: سؤال أهل الأرض- ينقسم إلى قسمين: بلسان المقال، ولسان الحال ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ومن يحصي الأيام؟ لا أحد إلا الله عز وجل، ومن يحصي الشئون التي تقع في الأيام؟ لا أحد إلا الله عز وجل.

﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ يغني فقيراً ويفقر غنياً، يمرض صحيحاً، ويشفي سقيماً، يؤمن خائفاً، ويخوف آمناً، وهلم جراً، كل يوم يفعل الله تعالى ذلك، وهذه الشئون التي تتبدل هل هي عبث، أو عن حكمة؟ عن حكمة لا شك، قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون:115] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة:36] فنحن نؤمن أن الله لا يقدر قدراً إلا لحكمة، لكن قد نعلم هذه الحكمة وقد لا نعلمها، ولهذا قال: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.

ولكن اعلم أيها المؤمن: أن الله تعالى لا يقدر لك قدراً إلا كان خيراً لك، إن أصابته ضراء صبر وانتظر الفرج، وقال: دوام الحال من المحال، فينتظر الفرج فيكون خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً، وليس هذا الشيء لأحد إلا للمؤمن.

﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:30] نقول فيها ما قلنا في الآيات السابقة أن المعنى: بأي نعمةٍ من نعم الله تكذبان؟ الجواب: لا نكذب بأي شيءٍ من آيات الله، ومن نعم الله، بل نقول: هي من عند الله فله الحمد، وله الشكر.

من نسب النعمة إلى غير الله هل هو مكذب؟

الجواب: نعم مكذب، وإن لم يقل: إنه مكذب، قال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:82] وهذه الآية يعنى بها، قولهم: مطرنا بنوء كذا وكذا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه على إثر مطرٍ كان، قال لهم بعد صلاة الصبح: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمنٌ بالكوكب».