تفسير آيات من سورة الرحمن
مدة الملف
حجم الملف :
7084 KB
عدد الزيارات 1706

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا هو اللقاء التاسع والثمانون بعد المائة من اللقاءات التي تسمى لقاء الباب المفتوح التي تتم في كل يوم خميس من كل أسبوع، هذا الخميس هو الخامس والعشرون من شهر جمادى الآخرة عام (1419هـ). نبتدئ هذا اللقاء كالعادة بتفسير كلام الله عز وجل الذي أنزله الله سبحانه وتعالى لنتدبر آياته وليتذكر أولو الألباب.

تفسير قوله تعالى: (والأرض وضعها للأنام): 

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن:10] أي: أن من نعم الله عز وجل أن وضع الأرض للأنام، أي: للخلق.

تفسير قوله تعالى: (فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام): 

قال تعالى: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ۞ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ۞ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:11-13] وضع الله الأرض للأنام، أي: أنزلها بالنسبة للسماء، والأنام هم الخلق، ففيها الإنس وفيها الجن، وفيها الملائكة تنزل بأمر الله عز وجل من السماء وإن كان مقر الملائكة في السماء، لكن ينزلون إلى الأرض مثل الملكين اللذين عن اليمين وعن الشمال قاعدين، والملائكة الذين يحفظون من أمر الله المعقبات، والملائكة الذين ينزلون في ليلة القدر، وغير ذلك.

﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ أي: في الأرض فاكهة، أي: ثمار يتفكه بها الناس، وأنواع الفاكهة كثيرة، كالعنب، والرمان، والتفاح، والبرتقال، وغيرها.

﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ نص على النخل؛ لأن ثمرتها أفضل الثمار، فهي حلوى، وغذاء، وفاكهة، وشجرتها من أبرك الأشجار، وأنفعها، حتى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شبه المؤمن بالنخلة، فقال: «إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن» فخاض الصحابة في الشجر حتى أخبرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها النخلة.

وقوله: ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ جمع كم، وهو غلاف الثمرة، فإن ثمرة النخل أول ما تخرج يكون عليها (كم) قوي، ثم تنمو في ذلك الكم حتى يتفطر وتخرج الثمرة.

تفسير قوله تعالى: (والحب ذو العصف والريحان): 

قال تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن:12] الحب: أي الذي يؤكل من الحنطة والذرة والدخن والرز وغير ذلك، وقوله: (ذو العصف) أي: ما يحصل من ساقه عند يبسه وهو ما يعرف بالتبن؛ لأنه يعصف أي: تطأه البهائم بأقدامها حتى ينعصف، (والريحان) هذا الشجر ذو الرائحة الطيبة، فذكر الله في الأرض الفواكه، والنخل، والحب، والريحان؛ لأن كل واحد من هذه الأربع له اختصاص يختص به، وكل ذلك من أجل مصلحة العباد ومنفعتهم.

﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ الخطاب للجن والإنس، والاستفهام للإنكار، أي: أي نعمة تكذبون بها.

تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار): 

﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ۞ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:14-15] ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ أي: جنسه ﴿مِنْ صَلْصَالٍ أي: الطين اليابس الذي له صلصلة أي: صوت عندما تنقره بظفرك يكون له صوت ﴿كَالْفَخَّارِ هو الطين المشوي، وهذا باعتبار خلق آدم عليه السلام، فإن الله خلقه من تراب، من طين، من صلصال كالفخار، من حمأٍ مسنون، كل هذه أوصاف للتراب ينتقل من كونه تراباً، إلى كونه طيناً، إلى كونه حمأً، إلى كونه صلصال، إلى كونه كالفخار، حتى إذا استتم نفخ الله فيه من روحه فصار آدمياً.

﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ وهم الجن ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ المارج: المختلط الذي يكون في اللهب إذا ارتفع صار مختلطاً بالدخان، فيكون له لونٌ بين الحمرة والصفرة فهذا هو المارج من نار، وأيهما خلق أولاً؟ الجان خلق قبل الإنس، ولهذا قال إبليس لله عز وجل: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:12].

قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:16] أي: بأي نعمة من نعم الله تكذبون، حيث خلق الله عز وجل الإنسان من هذه المادة، والجن من هذه المادة، وأيهما خير، التراب أم النار؟ التراب خير لا شك فيه، ومن أراد أن يطلع على ذلك فليرجع إلى كلام ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان.

تفسير قوله تعالى: (رب المشرقين ورب المغربين): 

﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:17] (رب) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو رب المشرقين ورب المغربين;أي: أنه مالكهما، ومدبرهما، فما من شيءٍ يشرق ولا يغرب إلا بإذن الله، وما من شيءٍ يحوزه المشرق والمغرب إلا لله عز وجل.

وثنى المشرق هنا باعتبار مشرق الشتاء ومشرق الصيف؛ لأنه يختلف، فالشمس في الشتاء تشرق من أقصى الجنوب، وفي الصيف بالعكس، القمر في الشهر الواحد يشرق من أقصى الجنوب، ومن أقصى الشمال، وفي آيةٍ أخرى قال الله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:40] فجمعها، وفي آيةٍ ثالثة: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمل:9] فكيف نجمع بين هذا؟

نقول: أما التثنية فباعتبار مشرقي الشتاء والصيف.

(المشارق) الجمع باعتبار مشرق كل يوم ومغربه؛ لأن الشمس كل يوم تشرق من غير مكانها الذي أشرقت منه بالأمس، وكذلك الغروب، أو باعتبار الشارقات والغاربات؛ لأنها تشمل الشمس، والقمر، والنجوم، وهذه لا يحصيها إلا الله عز وجل، فصار الجمع باعتبار مشرق لكل يوم ومغربه؛ لأن كل يوم يختلف عن اليوم الآخر في الشروق، والغروب، أو باعتبار الشارقات والغاربات؛ لأنها كثيرة، الشمس، والقمر، والنجوم التي لا يحصيها إلا الله عز وجل.

أما قوله: (رب المشرق والمغرب) فباعتبار الناحية؛ لأن النواحي أربع: مشرق، ومغرب، وشمال، وجنوب.

والتثنية باعتبار مغربي الشتاء والصيف، ومشرقي الشتاء والصيف.

والجمع إما باعتبار مشرق الشمس كل يوم ومغربها كل يوم، وهذا يختلف.

ولا يخفى عليكم الآن كيف تجدون الشمس يتغير طلوعها وغروبها كل يوم، لا سيما عند تساوي الليل والنهار، تجد الفرق دقيقة أو دقيقة ونصف بين غروبها أمس واليوم، أو باعتبار الشارق والغارب، والشارقات والغاربات كثيرات لا يحصيها إلا الله عز وجل، الإفراد باعتبار الجهة؛ لأن الجهات أربع: مشرق ومغرب وشمال وجنوب.

قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:18] أي: بأي شيءٍ من نعم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس؟ فما جوابنا على هذه الاستفهامات في هذه الآيات كلها؟ جوابنا: ألا نكذب بشيءٍ من آلاءك يا ربنا، ولهذا ورد حديث في إسناده ضعف: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلاها على الصحابة، كانوا يستمعون إلى قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يردون شيئاً، فقال كلمة معناها: إن الجن خيرٌ رداً منكم، فإنهم كانوا كلما قرءوا آية قالوا: لا بشيءٍ من آلائك ربنا نكذِّب" لكن هذا الحديث ضعيف، إنما يذكره المفسرون هنا.

ما هي النعم والآلاء في المشرقين والمغربين؟ انتبهوا! كل آية أعقبت: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فهي تتضمن نعماً عظيمة، فما النعم التي يتضمنها اختلاف المشرق والمغرب؟ النعم التي يترتب على ذلك من مصالح الخلق، صيف وشتاء، ربيع وخريف، وغير ذلك مما لا نعلمه، فهي نعمٌ عظيمة باختلاف المشرق والمغرب.

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن:19] (مرج) بمعنى: أرسل (البحرين) أي: المالح والعذب (يلتقيان) يلتقي بعضهما ببعض، البحر مالح، هذه البحار العظيمة: البحر الأحمر، البحر الأبيض، البحر الأطلسي، هذه البحار جعلها الله تبارك وتعالى مالحة؛ لأنها لو كانت عذبة لفسد الهواء، وأنتن، لكن الملح يمنع الإنتان، والفساد، البحر الآخر العذب هو الأنهار، وهي التي تأتي إما من كثرة الأمطار، وإما من ثلوجٍ تذوب وتسيح في الأرض، المهم أن الله سبحانه وتعالى أرسلهما بحكمته وقدرته، حيث شاء الله عز وجل (يلتقيان) أي: يلتقي بعضهما ببعض، عند مصب النهر في البحر فيمتزج بعضهما ببعض، لكن حين سيرهما، أو حين انفرادهما.

يقول الله عز وجل: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:20] (البرزخ) هو اليابس من الأرض، (لا يبغيان) أي: لا يبغي أحدهما على الآخر، ولو شاء الله تعالى لسلط البحار، ولفاضت على الأرض وأغرقتها؛ لأن البحر الآن عندما تقف على الساحل هل تجد جداراً يمنع انسيابه إلى اليابس؟ لا تجد، مع أن الأرض كروية، ومع ذلك لا يسيح البحر، لا هاهنا ولا هاهنا بقدرة الله عز وجل، ولو شاء الله سبحانه وتعالى لساحت مياه البحار على اليابس من الأرض ودمرتها. إذاً.. البرزخ الذي بينهما هو اليابس من الأرض، هذا قول علماء الجغرافيا، ولا يؤمنون بقولٍ آخر. وقال بعض أهل العلم: بل البرزخ أمرٌ معنوي يحول بين المالح والعذب أن يختلط بعضهما ببعض.

وقالوا: إنه يوجد الآن في عمق البحار عيونٌ عذبة تنبع من الأرض، حتى إن الغواصين يغوصون إليها ويشربون منها كأعذب ماء، ومع ذلك لا تفسدها مياه البحار، فإذا ثبت هذا فلا مانع من أن نقول بقول علماء الجغرافيا وقول علماء التفسير، والله على كل شيءٍ قدير.

تفسير قوله تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان): 

قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:22] أي: من البحرين العذب والمالح (اللؤلؤ والمرجان) وهو قطعٌ من اللؤلؤ الأحمر، جميل الشكل واللون، مع أنها مياه، وقوله تعالى: (منهما) أضاف الخروج إلى البحرين العذب والمالح.

وقد قيل: إن اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح، ولا يخرج من العذب، والذين قالوا بهذا اضطربوا في معنى الآية: كيف يقول الله: (منهما) وهو من أحدهما؟ فأجابوا: بأن هذا من باب التغليب، أن يغلب أحد الجانبين على الآخر مثلما يقال: العمران لأبي بكر وعمر، ويقال: القمران للشمس والقمر، فهذا من باب التغليب، والمراد من واحدٍ منهما.

وقال بعضهم: بل هذا على حذف مضاف والتقدير (منهما) أي: من أحدهما.

وهناك قولٌ ثالث: أن تبقى الآية على ظاهرها لا تغليب ولا حذف، ويقول: (منهما) أي: منهما جميعاً اللؤلؤ والمرجان وإن امتاز المالح بأنه أكثر وأطيب.

فبأي هذه الأقوال الثلاثة نأخذ؟ نأخذ بما يوافق ظاهر القرآن، وهذه قاعدة يجب أن تفهموها، فالله عز وجل يقول: (يخرج منهما) فمن خالقهما وهو يعلم ماذا يخرج منهما، فإذا كانت الآية ظاهرها: أن اللؤلؤ والمرجان يخرج منهما جميعاً وجب الأخذ بظاهره، لكن لا شك أن المالح أكثر وأطيب، لكن لا يمنع أن نقول بظاهر الآية، بل يتعين أن نقول بظاهر الآية، وهذه قاعدة في القرآن والسنة: أننا نحمل الشيء على ظاهره ولا نؤول، اللهم إلا إذا كان هناك ضرورة لا بد أن نسير على ما تقتضيه الضرورة، أما بدون ضرورة فيجب أن نحمل القرآن والسنة على ظاهرهما.

﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:21] لأن ما في هذه البحار، وما يحصل من المنافع العظيمة، فيهما نعمٌ كثيرة لا يمكن للإنسان أن ينكرها أبداً.