تفسير آيات من سورة الرحمن
مدة الملف
حجم الملف :
5119 KB
عدد الزيارات 1760

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثامن والثمانون بعد المائة من اللقاءات التي تسمى لقاء الباب المفتوح التي تتم في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو الحادي عشر من شهر جمادى الآخرة عام (1419هـ). نبتدئ هذا اللقاء بما كنا نبتدأ به أولاً وهو الكلام على آياتٍ من كتاب الله عز وجل، وقد انتهينا في الأسبوع الماضي إلى آخر سورة القمر.

أما اليوم فنبتدئ بسورة الرحمن، فيها البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) البسملة آية مستقلة من كلام الله عز وجل، تفتتح بها السور ما عدا سورة واحدة وهي سورة براءة، وليست من السورة التي قبلها، ولا التي بعدها، هذا هو الراجح من أقوال العلماء حتى الفاتحة ليست البسملة آيةً منها، ودليل هذا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان لا يجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية، ولو كانت آيةً من الفاتحة لجهر بها كما يجهر في بقية آياتها، ومما يدل على ذلك أيضاً ما ثبت في الحديث القدسي أن الله قال: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2] قال الله تعالى: «حمدني عبدي». وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:3] قال: «أثنى عليَّ عبدي». وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:4] قال: «مجدني عبدي». وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:5] قال: «هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل» فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۞ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:6-7] قال الله: «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل».

تفسير قوله تعالى: (الرحمن علم القرآن...): 

يقول الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ ۞ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ۞ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:1-4] (الرحمن) مبتدأ، وجملة (علم القرآن) خبر، (خلق الإنسان) خبر ثانٍ (علمه البيان) خبرٌ ثالث، يعني: أن هذا الرب العظيم الذي سمى نفسه بالرحمن تفضل على عباده بهذه النعم.

والرحمن هو ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:156] وابتدأ هذه السورة بـ(الرحمن) عنواناً على أن ما بعده كله من رحمة الله تعالى، ومن نعمه.

﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَعلمه من؟ علمه جبريل؟ علمه محمداً؟ علمه الإنسان؟ الجواب: علمه من شاء من عباده، فعلمه جبريل أولاً، ثم نزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثانياً، ثم بلغه محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثالثاً إلى جميع الناس.

والقرآن هو هذا الكتاب العزيز الذي أنزله الله تعالى باللغة العربية، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:3]، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ۞ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ۞ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:193-195] وتعليم القرآن يشمل تعليم لفظه، وتعليم معناه، وتعليم كيفية العمل به، فهو يشمل ثلاثة أشياء.

﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَوالمراد الجنس، فيشمل آدم وذريته أي: أوجده من العدم، فالإنسان كان معدوماً قبل وجوده، قبل خلقه، قال الله عز وجل: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:1] يعني: أتى عليه حينٌ من الدهر قبل أن يوجد وليس شيئاً مذكوراً، ولا يعلم عنه.

وبدأ الله تعالى بتعليم القرآن قبل خلق الإنسان إشارة إلى أن نعمة الله علينا بتعليم القرآن أشد وأبلغ من نعمته بخلق الإنسان، وإلا من المعلوم أن خلق الإنسان سابقٌ على تعليم القرآن. لكن لما كان تعليم القرآن أعظم منةً من الله عز وجل على العبد قدمه على خلقه.

﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ علم من؟ علم الإنسان، (البيان) أي: ما يبين به عما في قلبه، وعلمه البيان أيضاً ما يستبين به عند المخاطبة.

فهنا بيانان:

البيان الأول: من المتكلم.

والبيان الثاني: من المخاطب.

البيان من المتكلم يعني: التعبير عما في قلبه، يكون باللسان نطقاً، ويكون بالبنان كتابةً.

عندما يكون في قلبك شيء تريد أن تخبر به، تارةً تخبر به بالنطق، وتارةً بالكتابة، كلاهما داخل في قوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ أيضاً علمه البيان كيف يستبين الشيء، وذلك بالنسبة للمخاطب أن الإنسان يعلم ويعرف ما يقول صاحبه، ولو شاء الله تعالى لأسمع المخاطب الصوت دون أن يفهم المعنى.

إذاً: البيان سواءً من المتكلم، أو من المخاطب، كلاهما منةً من الله عز وجل، كم نعمةً هذه؟ (علم القرآن) (خلق الإنسان) (علمه البيان) ثلاث.

تفسير قوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان): 

قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:5] لما تكلم عن العالم السفلي بيَّن العالم العلوي (الشمس والقمر بحسبان) أي: بحسابٍ دقيق يجريان كما أمرهما الله عز وجل، ولم تتغير الشمس والقمر منذ أن خلقهما الله عز وجل إلى أن يفنيهما، يسيران على خطٍ واحد كما أمرهما الله، وهذا دليلٌ على كمال قدرة الله تبارك وتعالى، وكمال سلطانه، وكمال علمه، أن تكون هذه الأجرام العظيمة تسير سيراً منظماً لا تتغير على مدى السنين الطوال.

إذاً: (بحسبان) بحسابٍ معلوم متقن منتظم أشد الانتظام.

تفسير قوله تعالى: (والنجم والشجر يسجدان): 

قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:6] (النجم) اسم جنس، والمراد به النجوم تسجد لله عز وجل، هذه النجوم العليا التي نشاهدها في السماء هي تسجد لله عز وجل سجوداً حقيقياً، لكننا لا نعلم كيفيته؛ لأن هذا من الأمور التي لا تدركها العقول، الشجر يسجد لله عز وجل سجوداً حقيقياً لكن لا ندري كيف ذلك كما قال عز وجل: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:44].

إذاً: النجم المراد به كل النجوم، الشجر كل الأشجار في الأرض تسجد لله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:18] كثيرٌ من الناس يقابله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:18] فلا يسجدون لله.

إذاً: (النجم) أي: النجوم، و (الشجر) أي: الأشجار، يسجدان حقيقةً أو مجازاً؟ حقيقة، يسجدان على أي كيفية؟ الله أعلم، لا ندري، والله على كل شيءٍ قدير.

الآن انظر إلى الأشجار إذا طلعت الشمس تتجه أوراقها إلى الشمس، تشاهدها بعينك وكلما ارتفعت ارتفعت الأشجار، وإذا مالت للغروب مالت أيضاً هذا نشاهده، لكن هذا ليس هو السجود، إنما السجود حقيقةً لا يعلم.

تفسير قوله تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان): 

قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ [الرحمن:7] يعني: ورفع السماء، ولم يحدد في القرآن الكريم مقدار هذا الرفع، لكن جاءت السنة بذلك، فهي رفيعة عظيمة، ارتفاعاً عظيماً شاهقاً.

﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:7] أي: وضع العدل، والدليل على أن المراد بالميزان هنا العدل قوله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد:25] يعني: العدل، وليس المراد بالميزان هنا الميزان ذا الكفتين المعروف، لا. المراد بالميزان: العدل.

ومعنى: (وضع الميزان) أي: أثبته للناس ليقوموا بالقسط، أي: بالعدل.

تفسير قوله تعالى: (ألا تطغوا في الميزان): 

قال تعالى: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن:8] أي: ألا تطغوا في العدل، وضع العدل لئلا تطغوا في العدل فتجوروا، تحكموا للشخص وهو لا يستحق، أو على الشخص وهو لا يستحق.

تفسير قوله تعالى: (وأقيموا الوزن بالقسط): 

قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن:9] (الوزن) أي: الموزون. (أقيموا الوزن) وزنكم للأشياء، أقيموه لا تبخسوا فتنقصوا، ولهذا قال: ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:9] أي: لا تخسر الموزون.

فصار الميزان يختلف في مواضعه الثلاثة:

﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:7] أي: العدل.

﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن:8]: لا تجوروا في الوزن.

﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:9]: الموزون.