تفسير آيات من سورة القمر
مدة الملف
حجم الملف :
6218 KB
عدد الزيارات 1427

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا هو اللقاء السابع والثمانون بعد المائة من لقاءات الباب المفتوح الذي يتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو الرابع من شهر جمادى الآخرة عام (1419هـ) نبتدئ هذا اللقاء بما كنا نبتدئ به عادةً في تفسير كلام الله عز وجل الذي هو أشرف الكلام، وأحسن الكلام، وأصدق الكلام.

تفسير قوله تعالى:(ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر): 

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:51] الخطاب لكفار قريش، وقوله: ﴿أَشْيَاعَكُمْيعني: أشباهكم من الكفار السابقين.

وقد قص الله تعالى في هذه السورة من نبئهم ما فيه عبرةٌ وعظة، قص علينا ما حصل لقوم نوح، وما حصل لعاد، ولثمود، وللوط، ولآل فرعون، وفي هذا مدكر لمن أراد الادكار، ولهذا قال: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ يعني: هل من متعظ ومعتبر بما جرى على السابقين أن يجري على اللاحقين؟! لأن الله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين عباده محاباة، أو نسب، بل أكرمهم عند الله أتقاهم له، من أي جنسٍ كان، وفي أي مكانٍ كان، وفي أي زمانٍ كان، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13].

تفسير قوله تعالى: (وكل شيء فعلوه في الزبر): 

ثم قال عز وجل: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر:52] (كل) مبتدأ و(في الزبر) خبره، وليس هذا من باب الاشتغال، بل هو خبرٌ محض، يعني: أن (كل) لا يمكن أن تكون مفعولاً لـ (فعلوه). بل هي مبتدأ على كل حال، وفي الزبر خبر، كل شيءٍ فعلوه أي: فعلته الأمم السابقة، أو الأمم اللاحقة فإنه مكتوب (في الزبر) أي: في الكتب.

وكتابة الأعمال كتابةٌ سابقة، وكتابةٌ لاحقة، الكتابة السابقة كتابة على أن هذا سيفعل كذا، وهذه الكتابة لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب؛ لأن المرء لم يكلف بها بعد، كتابةٌ لاحقة هي كتابة أنه فعل، فإذا فعل الإنسان حسنة كتبها الله، إذا فعل سيئة كتبها الله، وهذه الكتابة اللاحقة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.

وبما قررناه يزول الإشكال عند بعض الناس في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:31] فإن بعض الناس قد تشكل عليه هذه الآية، كيف يقول عز وجل: (حتى نعلم) وهو قد علم، يعني: العلم الذي يترتب عليه الثواب، وأما علم الله السابق، فإنه لا يترتب عليه الثواب ولا العقاب.

إذاً كل شيءٍ فعلوه في الزبر، أي: كل شيءٍ فعلوه مكتوب، الكتابة السابقة: كتابة أنه سيفعل كذا، والكتابة اللاحقة كتابة أنه فعل، طيب ما هي الكتابة التي يترتب عليها العقوبة، أو الثواب السابقة، أو اللاحقة؟ اللاحقة، أما الكتابة السابقة فإن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، كما جاء في الحديث الصحيح «إن الله لما خلق القلم قال له: اكتب، قال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة «فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» نؤمن بهذا، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:70] وقال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:105] الكتابة اللاحقة: هي أن الله سبحانه وتعالى إذا عمل الإنسان عملاً كتب هذا، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ۞ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ۞ كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:9-11] وهذه كتابة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.

﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر:52] معنى الآية: أن كل شيءٍ يفعله الإنسان فإنه مكتوب، فلا تظن أنه يضيع عليك شيء أبداً، كما قال عز وجل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً﴾ [الكهف:49] سبحان الله! بعد مئات السنين التي لا يعلمها إلا الله يجدونه حاضراً ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾.

تفسير قوله تعالى: (وكل صغير وكبير مستطر): 

قال تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:53] كل صغير مما يحدث في هذا الكون من المخلوقات وأوصافها وأعمالها مستطر، أي: مسطر في الكتاب العزيز، اللوح المحفوظ، كل صغيرٍ وكبير، حتى الشوكة يشاكها الإنسان تكتب، حتى ما يزن مثقال ذرة من الأعمال يكتب، كل صغيرٍ وكبير إذا آمنت -يا أخي- بذلك، ويجب عليك أن تؤمن به، فإنه يجب عليك الحذر من المخالفة، إياك أن تخالف بقولك، أو فعلك، أو تركك، إياك أن تخالف؛ لأن كل شيءٍ مكتوب، قال الله عز وجل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18] وما يفعل من فعل كذلك؛ لأنه إذا كانت الأقوال تكتب، وهي أكثر بآلاف المرات من الأفعال، فما تنطق به من حرف لا يسعها، كم تفعل من فعل؟ أقل، لا يحصر لكن قليل بالنسبة للقول، فإذا كانت الأقوال تكتب فالأفعال من باب أولى.

عليك أن تتق الله عز وجل، اتق ربك، لا تخالف الله، إذا سمعت الله يقول شيئاً خبراً، فقل: آمنت به وصدقت، وإذا سمعت الله يقول شيئاً أمراً، فقل: آمنت به وسمعاً وطاعة، أو نهياً؛ فقل: آمنت به وسمعاً وطاعة، فاترك المنهي عنه، وافعل المأمور به، وهذه نصيحة. (كل صغيرٍ وكبيرٍ مستطر) الحركات مكتوبة، حروف الأقوال مكتوبة، كل شيءٍ مكتوب.

تفسير قوله تعالى: (إن المتقين في جنات ونهر): 

قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر:54] هذه مقابل قوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ۞ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر:47-48]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر:54] الجنات: جمع جنة.

وقد ذكر الله تعالى أصنافها في سورة الرحمن أربعة: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:46] ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:62] فهي -إذاً- أربع التي ذكرها الله في سورة الرحمن، إذاً (في جنات) يعني في هذه الجنات الأربع هذه الأصناف، لكن أنواعها كثيرة، والجنات نفسرها بأنها شرعاً هي دور المتقين «فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر» فسر الجنات التي في الآخرة بهذا التفسير، هي التي أعد الله للمتقين «فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر» لكن عندما تقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ﴾[القلم:17] كيف تفسر الجنة، بأنها البستان الكثير الأشجار، عندما تقرأ: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف:33]؟ تفسر بأنها بستان كثير الأشجار، لكن لا تفسر جنة النعيم في الآخرة بهذا التفسير، إنك إن فسرتها بهذا التفسير قَلَّت الرغبة فيها، وهبطت عظمتها بقلوب الناس، لكن قل: هي الدار التي أعدها الله لأوليائه «فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر» سكانها خير البشر، النبيون والصديقون، والشهداء، والصالحون، حتى تحفز النفوس على العمل لها، وحتى لا يتصور الجاهل أن ما فيها كأمثال ما في الدنيا، وقوله: (ونهر) يعني: بذلك الأنهار.

وذكر الله تعالى أصنافها أربعة في سورة القتال: ﴿مَثلُ الجَنَّةِ الَّتي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:15] هذه أربعة أصناف: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: وصفها (فيها أنهار) هذا بيان للوصف: (فيها أنهار من ماء غير آسن) يعني: لا يتغير أبداً، لا بتكدر، ولا بطعم، ولا بلون، ولا بريح (وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغير طعمه) اللبن في الدنيا إذا تأخر تغير طعمه، وفسد، وانتقل إلى حموضةٍ لا يطاق (وأنهار من خمرٍ لذةٍ للشاربين) وليس لذته كلذة خمر الدنيا، وليس فيه شيء من عيوب خمر الدنيا: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة:19] (وأنهار من عسل مصفى) -اللهم اجعلنا ممن يشربون منها- أنهارٌ من عسل مصفى ليس فيه شمع النحل، ولا أذاه، مصفى من كل كدر.

تفسير قوله تعالى: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر): 

هذا تفسيرٌ لقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر:54] يأتيك هذا المكان ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر:55] أي: في مقعد ليس فيه كذب، لا في الخبر عنه، ولا في وصفه، كله حق، وعند من؟ ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:55] وهو الله جل وعلا -اللهم اجعلنا منهم- يتنعمون بلذة النظر إلى الله عز وجل، وهو أنعم ما يكون لأهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:26] (الحسنى) الجنة، و(الزيادة) النظر إلى وجه الله.

وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:22] يعني: حسنة بهية: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:23] يكسوها الله تعالى نظراً -أي: حسناً وجمالاً وبهاءً- لتكون مستعدة للنظر إلى الله عز وجل، ثم ينظرون إلى الله فيزدادون حسناًَ إلى حسنهم، ولهذا إذا رجعوا إلى أهليهم قال لهم أهلوهم: إنكم ازددتم بعدنا حسناً، بالنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العليا أن تجعلنا من هؤلاء بمنك وكرمك، إنك على كل شيءٍ قدير.