تفسير آيات من سورة القمر
مدة الملف
حجم الملف :
4648 KB
عدد الزيارات 1312

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:

فإننا نستأنف هذا اللقاء المسمى بـ(لقاء الباب المفتوح) الذي يتم كل يوم خميس بعد أن تركناه مدة الإجازة الصيفية؛ نظراً لأن الناس يتفرقون هنا وهناك، فنستفتح هذا الاستئناف هذا اليوم الخميس التاسع عشر من شهر جمادى الأولى عام (1419هـ)، نسأل الله تبارك وتعالى أن يمن علينا وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح.

كنا رأينا أن يكون ابتداء اللقاء تفسير الآيات الكريمة في سور المفصل.

تفسير قوله تعالى: (كذبت قوم لوط بالنذر...): 

وانتهينا إلى قوله تعالى في سورة القمر: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر:33] قوم لوط هم أناس كفروا بالله عز وجل وأشركوا به، وكان ما اختصوا به من المعاصي هذه الفعلة القبيحة الشنيعة وهي اللواط؛ أي: إتيان الذكر الذكر، وحذرهم نبيهم من هذا وقال لهم: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ۞ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾[الشعراء:165-166] ولكنهم والعياذ بالله استمروا على هذا حتى جاءهم العذاب، وهذه السورة ذكر الله تعالى فيها قصة الأنبياء على سبيل الإجمال فقال فيما سبق ما تقدم الكلام عليه، وقال هنا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ النذر﴾: جمع نذير، وهي الكلمات التي أنذرهم فيها لوط عليه الصلاة والسلام، وجمعها يدل على أنه كان يكرر عليهم هذا، ولكنهم أبوا وأصروا على هذا الفعل، فبين الله عقوبتهم بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر:34] (حاصباً) يعني: شيئاً يحصبهم من السماء، أمطر الله عليهم حجارة من سجيل فهدمت بيوتهم حتى كانت عاليها سافلها؛ لأن البناء إذا تهدم صار أعلاه أسفله. (إلا آل لوط) وآل لوط هم أهل بيته إلا زوجته كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۞ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:35-36] نبي يبعث إلى قومه ولم يتبعه إلا أهل بيته إلا امرأته أيضاً فكانت كافرة، ومع ذلك فهو صابر حتى أذن له بالخروج: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾؛ أي: في السحر في الصباح، وذلك أن هؤلاء القوم أخذهم العذاب صباحاً كما ابتدئ عذاب عادٍ بالصباح: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة:7]؛ لأنه ابتدئ في الصباح، فأخذهم العذاب -والعياذ بالله- في الصباح، فأهلكهم الله.

تفسير قوله تعالى: (نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر): 

قال تعالى: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [القمر:35]؛ أي: أنعمنا على آل لوطٍ نعمة من عند الله عز وجل من وجهين:

الوجه الأول: أن الله أنجاهم.

والوجه الثاني: أن الله أهلك عدوهم؛ لأن إهلاك العدو من نعمة الله، فصارت نعمة الله على آل لوط بالنجاة وإهلاك العدو. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر:35]؛ أي: مثل هذا الجزاء وهو الإنجاء والنعمة، نجزي من شكر نعمة الله، وشكر نعمة الله تعالى -أيها الإخوة- هو القيام بطاعته وليس مجرد قول الإنسان: أشكر الله. بل لابد من القيام بالطاعة، ولهذا من قال: أشكر الله. وهو مقيم على معاصيه فإنه ليس بشاكر، بل هو كافر بالنعمة، مستهزئٌ بالله عز وجل، إذ أن مقتضى النعمة أن يشكر الله، ولكنه عكس الأمر، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ۞ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم:28-29] فكل من شكر الله فإن الله تعالى ينجيه ويهلك عدوه.

تفسير قوله تعالى: (ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر): 

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ [القمر:36] يعني: أن لوطاً عليه الصلاة والسلام أنذر قومه البطشة وهي الأخذ بالقوة ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر:36]؛ أي: تشككوا فيه، ولم يؤمنوا به.

تفسير قوله تعالى: (ولقد راودوه عن ضيفه): 

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر:37] يعني: أن قومه راودوه عن ضيفه الذين جاءوا إليه من الملائكة، وكان الله تعالى قد بعث إليه الملائكة على صورة شبابٍ مرد ذوي جمال وهيئة امتحاناً من الله عز وجل، فلما سمع قوم لوط بهؤلاء الضيوف أتوا يهرعون إليه، يسرعون يريدون هؤلاء الضيوف ليفعلوا بهم الفاحشة والعياذ بالله، فراودوه عن ضيفه فطمس الله أعينهم.

أما كيف طمس أعينهم هل جبريل ضربهم بجناحه أو غير ذلك الله أعلم، إنما علينا أن نؤمن بأن الله تعالى طمس أعينهم حتى أصبحوا لا يبصرون. ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:37] والأمر هنا للامتهان، أو إنه أمرٌ كوني، يعني: أن الله أمرهم أمر إهانة، أو أمراً كونياً أن يذوقوا العذاب، ومثل هذا قول الله تبارك وتعالى عن صاحب الجحيم: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:49] فإن هذا الأمر أمر إهانة بلا شك، وليس أمر إكرام، ولا أمر إباحة.

تفسير قوله تعالى: (ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر...): 

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ۞ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:38-39]؛ أي: أن العذاب صبحهم وأتاهم في الصباح على حين قيامهم من النوم واستقبالهم يومهم وهم فرحون، كل واحدٌ منهم يفكر فيما يفعل في هذا اليوم، فإذا بالعذاب يقع بهم -نسأل الله العافية- ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. من العبر في هذه الآية: أن هؤلاء الذين قلب الله فطرتهم وطبيعتهم قلب الله عليهم البنيان برميهم بحجارة من سجيل، فتهدم البنيان حتى صار أعلاه أسفله، وقيل: إن الله تعالى قلب بهم ديارهم، اقتلعها من أساسها، حتى رفعها ثم قلبها، فإن صح هذا فالله على كل شيء قدير، وإن لم يصح فليس علينا إلا أن نأخذ بظاهر القرآن أنهم أمطروا بحجارة من سجيل فتهدم البناء عليهم.

أخذ أهل العلم من ذلك: أن اللوطي يقتل بكل حال، الفاعل والمفعول به، وهذا هو القول الراجح، أن اللوّاط يجب فيه القتل على كل حال، وليس كالزنا، الزنا يفرق فيه بين المتزوج وغير المتزوج، أما اللواط فيقتل فيه على كل حال ما دام الفاعل والمفعول به بالغين عاقلين فإنه يجب قتلهما بكل حال إلا المكره، فإنه ليس عليه شيء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أجمع الصحابة رضي الله عنهم على قتل الفاعل والمفعول به إلا أنهم اختلفوا كيف يقتلان؟ فقال بعضهم: يقتلان بالرجم بالحجارة حتى يموتوا. وقال بعضهم: يقتلان بأن يلقيا من أعلى مكانٍ في البلد ويتبعان بالحجارة. وحرق أبو بكر رضي الله عنه اللوطية بالنار، وكذلك خالد بن الوليد وأحد خلفاء بني أمية حرقوهم بالنار لعظم جرمهم والعياذ بالله؛ ولأن هذه الفاحشة إذا انتشرت في قومٍ صار رجالها نساءً، وصار الواحد منهم يتتبع فحول الرجال حتى يفعلوا به الفاحشة والعياذ بالله، وانقلبت الأوضاع، وضاع النسل بمعنى: أن الناس ينصرفون إلى الذكور ويدعون النساء اللاتي هن حرث للرجال والتحرز منه صعب؛ لأنه لا يمكن أن نجد اثنين ونقول: كيف صحبت هذا مثلاً؟ لكن لو وجدنا رجلاً وامرأة .. يمكن التحرز منهم، فلذلك كان دواء المجتمع من هذه الفعلة القبيحة الشنيعة أن يقتل الفاعل والمفعول به، وقد جاء في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به». ولهذا يجب علينا -أيها الإخوة- أن نحترز من هذا غاية الاحتراز، وأن نتفقد أبناءنا أين ذهبوا؟ ومن أين جاءوا؟ ومن أصدقاؤهم؟ وهل هم على الاستقامة أو لا؟ حتى نحمي المجتمع من هذا العمل الخبيث.

تفسير قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر): 

ثم قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:40] يسر الله عز وجل القرآن للذكر لحفظه ولفهم معناه، وهذا الخبر يراد به الحث على حفظ القرآن وعلى تدبر معناه؛ لأنه ميسر سهل، وأنت جرب تدبر في آيات الله عز وجل لتفهم معناها، وانظر كيف ييسر الله لك فهمها حتى تفهم منها ما لا يفهمه كثيرٌ من الناس، ولهذا قال: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:40] والاستفهام هنا للتشويق، يعني: هل أحد يدكر، يتذكر، يتعظ بما في القرآن؟