تفسير آيات من سورة القمر
مدة الملف
حجم الملف :
9216 KB
عدد الزيارات 917

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وقائد الغر المحجلين وإمام المتقين وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الرابع والثمانون بعد المائة من اللقاءات المعروفة بلقاء الباب المفتوح الذي يتم كل يوم خميس، وهذا الخميس العاشر من شهر صفر عام (1419هـ) وسيكون هذا اللقاء ختام هذا الفصل من الدراسة إلى أن تبدأ الدراسة إن شاء الله في الفصل الثاني بعد نحو ثلاثة أشهر، نسأل الله تبارك وتعالى أن يختم لنا ولكم بالخير.

تفسير قوله تعالى: (كذبت ثمود بالنذر ...): 

نبدأ هذا اللقاء كالعادة بالكلام بما يسر الله عز وجل من تفسير كلامه العظيم، انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر:23]؛ أي: بما جاءهم من النذر، وهي الآيات التي جاء بها صالح عليه الصلاة والسلام، وديارهم معروفة الآن في بلاد الحجر في طريق تبوك من المدينة ، كان صالح عليه الصلاة والسلام مرسلاً إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له كسائر الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:25]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:36] أرسله الله عز وجل إلى قومه، وأعطاه آية وهي ناقة لها شربٌ ولهم شرب؛ أي: أن بئر الناقة الكبير الغزير الماء لها يومٌ تأتي إليه الناقة وتشرب، وقد ذكروا أن الذي يسقيها إناءً من الماء يحلب من لبنها بقدر ما أسقاها، وهذا من آيات الله عز وجل أن ناقة تشرب ماءً ثم تخرجه في الحال لبناً فإن هذا ليس له عادة، ولكنها آية من آيات الله عز وجل أراهم الله إياها حتى يعتبروا؛ لأن الله لم يرسل رسولاً إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر رحمة منه وحكمة؛ لأنه لا يعقل أن رجلاً من بين الناس يأتي ويقول: إني رسول الله إليكم إلا إذا آتاه الله آياتٍ تدل على صدقه.

قال العلماء: وما من آية أوتيها نبيٌ من الأنبياء السابقين إلا كان لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثلها أو أشد. ولكن قد تكون غير متوفرة في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام لكنها موجودة في أمته الذين اتبعوه، ولهذا كان من القواعد المقررة عند العلماء: أن كل كرامة لولي فهي آيةٌ للنبي الذي اتبعه؛ لأن هذه الكرامة تشهد بصدق ما كان عليه الولي، وهذا الولي تابع لرسولٍ سابق، فيكون في ذلك آية على أن هذا الشرع الذي عليه هذا الولي حق، وهذه تكون آية للنبي، فالقاعدة الآن: أن كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه. وعليه فنقول: من آيات موسى أنه ضرب الحجر وإذا ضربه انفجر عيوناً تنبع ماءً من حجر يابس، فهل كان للرسول صلى الله عليه وسلم مثله؟ الجواب: كان له أعظم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جيء إليه بقدحٍ من ماء وليس مع الناس ماءٌ إلا ما في هذه الركوة، فوضع يده فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابع يده كالعيون -سبحان الله!- هذه أعظم من آية موسى، يعني: آية موسى يخرج الماء من الحجر، وخروج الماء من الحجر معتاد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة:74] لكن هل جرت العادة أن يخرج الماء من الإناء الذي بينه وبين الأرض فاصل؟ لا. إذاً هذه أعظم. موسى عليه الصلاة والسلام ضرب البحر فانفلق فكان أسواقاً يابسة، وهذه لا شك آيةٌ عظيمة، جرى لهذه الأمة أعظم من هذه، مشوا على الماء دون أن يُضْرَب لهم طريقٌ يابس، مشوا على الماء المائع الهين الذي يغوص فيه من يقع فيه بدوابهم وأرجلهم ولم يغرقوا، في قصة العلاء الحضرمي ، وفي قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، مشوا على الماء، وهذا أعظم من أن يمشوا على الأرض التي تتفرق عنها الماء.

فالمهم: أنه ما من نبيٍ بعثه الله إلا أعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، قلنا: هذا رحمةً وحكمة، رحمةً بالناس من أجل أن تحملهم هذه الآيات على التصديق فينجون من عذاب الله، حكمة؛لأنه ليس من الحكمة أن يقوم إنسان من بين الناس ويقول: أنا رسول الله، حتى يؤتى آيات. من آية صالح هذه الناقة لها شرب ولثمود شرب، لها يوم ولهؤلاء يوم، هذه من آيات الله، وقع مثلها للرسول عليه الصلاة والسلام في الهجرة، فإنه مر براعي غنم وعنده ماعز أو ضأن ليس فيها لبن فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ضروعها فجعلت تدر باللبن.

تفسير قوله تعالى: (فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه ...): 

يقول عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر:23] النذر: جمع نذير والمراد به الآيات التي أوتيها صالح عليه الصلاة والسلام، فقالوا من جملة ما قالوا في تكذيبهم: ﴿أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر:24] نسأل الله العافية، أنكروا الآيات ما كأنها أتتهم، يعني: أنتبع بشراً منا واحداً. لا نقبل، وهذا النفي بمعنى الإنكار، يعني: لا يمكن أن نتبع واحداً منا.

تفسير قوله تعالى: (إنا إذاً لفي ضلال وسعر): 

قال تعالى: ﴿إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر:24] يعني: إنا إن اتبعناه لفي ضلال وسعر؛ أي: لفي جهل وفي عذاب، كأنه وعدهم بأنهم إن اتبعوه اهتدوا ونجوا من النار، فقالوا بالعكس: لو اتبعناك لضللنا واعترفنا بالسُّعُر: بالنار، عكس ما قالوا، هذا من أشد المراغمة للرسل عليهم الصلاة والسلام والمحادة لله تبارك وتعالى.

تفسير قوله تعالى: (أألقي الذكر عليه من بيننا..): 

قال تعالى: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر:25] هذا أيضاً استفهام احتقار، يعني: كيف يلقى الذكر عليه من بيننا؟ ما الذي ميزه؟ وكل هذا شبهات لا دلالات، فكونه بشراً لا يمنع أن يكون رسولاً، بل لابد أن يكون رسول البشر بشر؛ لأن الله قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ۞ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:8-9] يعني: لو أرسلنا ملكاً للزم أن نجعله بصورة البشر حتى يختلط بالناس ويأتلف بهم، وإذا جعلنا الملك بشراً لبسنا عليهم ما يلبسون، فعادت المسألة مختلطة. إذاً ننظر الآن: الشبهة الأولى: أنهم قالوا: إنه بشر. الثانية: أنه منا، لا يتميز علينا بشيء. الثالثة: أنه واحد لم يؤيد. والله عز وجل يقول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ۞ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس:13-14] قويناهم، هؤلاء يقولون: واحد ما يكفي، لابد أن يعزز بثانٍ وثالث. الرابع: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر:25] يعني: كيف يلقى عليه الذكر والوحي من بيننا؟! هذا لا يمكن. إذاً: أربع شبهات وهم يرونها حججاً توجب رد صالح عليه الصلاة والسلام، والواقع أنها ليست بحجة، بل هي شبه وتضليل، وهكذا المبطلون يا إخوان، في كل زمانٍ ومكان يوردون الشبه على الحق، ولكن الله سبحانه وتعالى لابد أن يبين الحق ليهلك من هلك عن بينه، ويحيا من حي عن بينة، ثم قالوا: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر:25] (بل) هنا لإبطال دعواهم، و(كذاب) صيغة مبالغة وفي نفس الوقت وصف؛ لأن كلمة فعال تأتي للمبالغة، وتأتي للوصف، فإذا قلت: فلان نجار، يعني: من النجارين، وإلا ما ينجر إلا مرة واحدة، وإذا قلت: فلان حداد لكثرة استعمال الحديد صارت مبالغة، هم يرونه -والعياذ بالله- أنه كذاب موصوفٌ بالكذب ليس له صفة إلا الكذب، وكثرة الكذب أيضاً (أشر)؛ أي: بطر، متعالٍ، متعاظم، مستكبر، مدع ما ليس له.

تفسير قوله تعالى: (سيعلمون غداً من الكذاب الأشر): 

قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر:26] سيعلمون غداً، متى؟ يوم القيامة، والسين هنا للتحقيق والتقريب؛ لأنك إذا قلت: سيقوم زيد. فهذا تأكيد وتقريب أيضاً، فإذا قال قائل: التحقيق معروف أنه حق، أن الساعة آتية لا ريب فيها، لكن كيف التقريب؟ قلنا: إن الله يقول: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ [الأحزاب:63]، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ﴾[الشورى:17] ومن الأمثال العابرة: كل آتٍ قريب. الذي بقي عليه ألف سنة أقرب من الذي لم يمض عليه إلا عشر دقائق؛ لأن الذي مضى عليه عشر دقائق لا يمكن أن يرجع، لكن المستقبل لا بد أن يأتي: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام:134]. إذاً (سيعلمون) السين هنا للتحقيق والتقريب: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر:26] غداً يوم القيامة، سمي غداً؛ لأنه يأتي بعد يومك، سيعلمون من الكذاب الأشر، فمن هو الآن؟ أصالح أم ثمود؟ ثمود، سيعلمون يوم القيامة من هو الكاذب الأشر أصالح هو الكذاب الأشر، أم هؤلاء؟ وهذا وعيدٌ عظيم: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:227] الإنسان في غفلة عن هذا اليوم العظيم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون:63]؛ أي: بل قلوبهم في غمرة مغطاة عن عمل الآخرة: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون:63] يعني: أعمال الدنيا هم لها عاملون، أتى بجملة اسمية، يعني: أنهم محققون للعمل فيه، لا يتركونها ولا يفرطون فيها وأما الآخرة فهم في غفلةٍ منها.

تفسير قوله تعالى: (إنا مرسلو الناقة فتنة لهم ...): 

قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر:27] (إنا) يعني: نفسه جل وعلا، وأتى بها بصيغة الجمع تعظيماً له جل وعلا، لعظمة صفاته، وكثرة كمالاته، وكثرة جنوده، فلذلك يكني عن نفسه بصيغة التعظيم: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر:27] يعني: باعثوها (فتنة لهم) اختباراً، هل يؤمنون أو لا يؤمنون؟ وماذا كان الأمر؟ آمنوا أو لا؟ ما آمنوا، وفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى قد يظهر للإنسان من الآيات ما يؤمن على مثله البشر حتى إذا استكبر كان استكباره عن علم، فكان عقابه أشد وأوجع، ولهذا جعل الله الناقة فتنة؛ لأنها أظهرت الحق لهم ولكن لم يقبلوا، وانتبه لهذا الاستدراج من الله عز وجل، انتبه، إذا يسر الله لك أسباب المعصية لا تفعل، فإن الله ربما ييسر أسباب المعصية للإنسان فتنةً له، أرأيتم أصحاب السبت من بني إسرائيل، يسرت لهم أسباب المعصية فتنة، وهي أنَّ الله حرم عليهم صيد السمك يوم السبت، فكانت الحيتان تأتي يوم السبت شرعاً على وجه الماء، وبكثرة عظيمة، لكنهم ملتزمون لم يصيدوا السمك يوم السبت، فلما طال عليهم الأمد عجزوا عن ملك أنفسهم فرجعوا إلى طبيعتهم وهي الغدر, والحيلة, والمكر، فاحتالوا على صيد السمك، صاروا يجعلون شباكاً يوم الجمعة، فتأتي الحيتان تدخل في الشباك فإذا كان يوم الأحد أخذوا الحيتان، وهذه حيلة واضحة، فقلبهم الله قردة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:65] في صدر هذه الأمة حرم الله على المحرمين الصيد: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:95] فبعث الله الصيد عليهم وهم محرمون، تناله أيديهم ورماحهم، يعني: أن الزاحف يمسكونه باليد مثل الأرنب مثلاً، والغزال، يمسكه الواحد بيده، ورماحكم -أي: الطائر- كان الطير لا يناله إلا بالسهم؛ لأنه بعيد، لكن صار الطير يطير وكأنه على الأرض الرمح يدركه، فتنة، هنا يسر الله لهم أسباب المعصية، لكن الصحابة رضي الله عنهم خير الناس لم يصد أحدٌ منهم صيدةً واحدة رضي الله عنهم، بينما بنو إسرائيل تحيلوا وخدعوا الله، أما سلف هذه الأمة وفقنا الله وإياكم لمرافقتهم في الدنيا في أعمالهم وفي الآخرة في مساكنهم، فإنهم لم يأخذوا. فهنا الناقة أرسلها الله تعالى فتنة لثمود لكن ما أغنتهم.

تفسير قوله تعالى: (فارتقبهم واصطبر): 

قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر:27-28] (فارتقبهم) يعني: ارتقب عذابهم، أو ارتقب أفعالهم وانظر ماذا يفعلون، (واصطبر) يعني: اصبر، لكن فيها التاء زائدة، وأصل (اصطبر) اصتبر بالتاء للمبالغة، لكن قلبت التاء طاءً لعلةٍ تصريفية اقتضتها اللغة العربية، يعني: أن الله قال لرسولهم صالح: ارتقب هؤلاء، (واصطبر) اصبر فإن النصر قريب.

تفسير قوله تعالى: (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ...): 

قال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر:28] أخبرهم أن الماء قسمة بينهم، كلٌ له شرب وللناقة شرب، ولهذا قال: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر:28]؛ أي: كل شربٍ يحضره من يستحقه إما الناقة وإما هم، وبقوا على هذا لكن لم يستمروا، ما استمروا على ذلك.

تفسير قوله تعالى: (فنادى صاحبهم فتعاطى فعقر): 

قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر:29] نادوا صاحبهم الذي يرونه قوياً شجاعاً وقالوا له: هذه الناقة ضايقتنا، لو أننا عقرناها لكنا نشرب كل يوم، فطلبوا منه أن يعقرها -نسأل الله العافية- هل هذا الصاحب الشجاع الذين يرونه أشد منهم إقداماً بقطع النظر عن اسمه يعني: بعض المفسرين سماه لكن ما يهم، هل تأبّى؟ ما تأَبّى ولا تأخر، بل بادر. قال تعالى: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ تعاطى﴾: تفاعل، من العطاء يعني: بذل نفسه وبسرعة، الفاء تدل على السرعة في قوله: ﴿فَتَعَاطَى﴾ من حين نادوه على الفور وافق: ﴿فَعَقَرَ﴾ عقر الناقة -نسأل الله العافية- قطع أطرافها أولاً، ثم نحرها ثانياً، وهي من آيات الله عز وجل، ومن مصالحهم، لكن نسأل الله العافية نفوسهم لا تقبل: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ﴾.

تفسير قوله تعالى: (فكيف كان عذابي ونذر):

قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:30] يقول الله عز وجل يخاطب الإنسان (كيف كان عذابي ونذر) هل وقع موقعه؟ وهل كان شديداً؟

الجواب: نعم، كان في موقعه وكان شديداً، ما هذا العذاب؟ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر:31] صيح بهم والعياذ بالله مع الرجفة، ففي السماء أصوات، وفي الأرض رجفان، أخذتهم الرجفة والصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها، كأنهم ما وجدوا.

تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة..): 

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر:31]؛ أي: الحظار يجعله الإنسان لغنمه، لا أدري هل تعرفون هذا أم لا؟ البدوي في البادية يجعل للغنم حظاراً من الشجر اليابس، ومن عسبان النخل، وما أشبه ذلك؛ لئلا تخرج؛ ولئلا تعدو عليها السباع، هذا الحظار مع طول الزمن, والشمس, والرياح يتفتت حتى يتلاشى، كان هؤلاء الأقوياء الأشداء المكذبين لرسولهم كهشيم المحتظر؛ أي: كالحظار حينما يتلف، وهذا من آيات الله عز وجل وتمام قدرته وسلطانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:82] فكانوا كهشيم المحتظر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:17] سبق تفسيرها، وقلنا: إن المعنى: أن الله تعالى يسر القرآن؛ أي: يسر معانيه لمن تدبره، ويسر ألفاظه لمن حفظه، فإذا اتجهت اتجاهاً سليماً إلى القرآن للحفظ يسره الله عليك، وإذا اتجهت اتجاهاً حقيقياً إلى التدبر وتفهم المعاني يسره الله عليك: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:17] (هل) هذه للتشويق، يشوقنا الله عز وجل إلى أن ندكر القرآن فنتعظ به، جعلنا الله وإياكم ممن يتلونه حق تلاوته لفظاً, ومعنىً, وعملاً إنه على كل شيءٍ قدير.