تفسير آخر سورة النجم
مدة الملف
حجم الملف :
7657 KB
عدد الزيارات 586

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الحادي والثمانون بعد المائة من اللقاءات المعروفة باسم: (لقاء الباب المفتوح) الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو الثامن عشر من شهر محرم عام (1419هـ).

نبتدئ هذا اللقاء كجاري العادة في تفسير آيات من كتاب الله عز وجل، وقد اخترنا أن نبدأ بالمفصل الذي يبتدئ من سورة (ق) إلى آخر القرآن؛ لأنه هو الذي يكثر سماعه عند العامة حيث إنه يقرأ في الصلوات المفروضة.

تفسير قوله تعالى: (أفمن هذا الحديث تعجبون): 

انتهينا إلى قول الله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ۞ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ۞ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ۞ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾[النجم:59-62]. والخطاب هنا للمكذبين برسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستفهام في قوله: (أفمن هذا) للإنكار والتعجب من هؤلاء المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالآيات البينات، وأخبر عن الأمم السابقة، وبين أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم نذير من النذر الأولى، ويخشى على من كذبه أن ينال من العذاب ما نال المكذبين للنذر الأولى. يقول الله عز وجل: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ أيها المكذبون بالنبي صلى الله عليه وسلم! ومعنى ( تَعْجَبُونَ )؛ أي: ترونه عجباً منكراً، ولهذا قالوا:﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾[ص:5]، وقال الله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ۞ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾[ق:2-3] فهم يتخذون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عجباً، والمراد عجب الإنكار والاستبعاد.

تفسير قوله تعالى: (وتضحكون ولا تبكون): 

قال تعالى: ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾[النجم:60]؛ أي: استهزاءً بهذا الحديث الذي هو القرآن، وكذلك يضحكون في شراء هذا الحديث حيث كانوا يضحكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعباداته ويسخرون به، إذاً: (تعجبون) إنكار، و (تضحكون) استهزاء. قوله: ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾؛ أي: لا تبكون من هذا الحديث خشية، وخوفاً، وإنابة إلى الله عز وجل، بل هم أقسى الناس قلوباً والعياذ بالله، أو من أقسى الناس قلوباً، لا تلين قلوبهم ولا يبكون من خشية الله.

تفسير قوله تعالى: (وأنتم سامدون): 

قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾[النجم:61]. سامدون؛ أي: غافلون بما تمارسونه من اللهو والغناء وغير ذلك؛ لأن منهم من إذا سمعوا كلام الله عز وجل جعلوا يغنون، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾[فصلت:26]. فسامدون: قيل: مغنون. وقيل: غافلون، والصواب: أن المراد غافلون عنه بالغناء وغيره مما تتلهون به حتى لا تسمعوا كلام الله عز وجل. وهذا نظير ما قاله المكذبون لأول رسول أرسل إلى بني آدم، حيث قال الله تبارك وتعالى عن قوم نوح: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ ﴾[نوح:7] حتى لا يسمعوا: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾[نوح:7]؛ أي: تغطوا بها حتى لا يروا ولا يبصروا: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً ﴾ [نوح:7] كما كان في أول أمة كان في آخر أمة.

تفسير قوله تعالى: (فاسجدوا لله واعبدوا): 

قال تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾[النجم:62]. اسجدوا لله خضوعاً وذلاً، والمراد بالسجود هنا الصلوات كلها وليس الركن الخاص الذي هو السجود، وليس أيضاً سجود التلاوة بل هو عام في كل الصلوات، (وَاعْبُدُوا) هذا عامل لكل العبادات، وخص الصلاة بالذكر وقدمها؛ لأنها أهم العبادات البدنية الظاهرة بعد الشهادتين، وعلى هذا فيكون العطف في قوله: (واعبدوا) على قوله: (واسجدوا) من باب عطف العام على الخاص، كما أن قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾[القدر:4] من باب عطف الخاص على العام. انتهى الكلام الذي منًّ الله به على هذه السورة, سورة النجم، أسأل الله تعالى أن ينفعني وإياكم به.

تفسير آيات من سورة الواقعة:

ثم قال تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾[القمر:1]. البسملة آية مستقلة تفتتح بها كل سورة ما عدا سورة براءة، والبسملة متعلقة بمحذوف يقدر فعلاً مناسباً لما ابتدئ به، فإذا قلنا: باسم الله على القراءة. كان تقدير الكلام: باسم الله أقرأ، وإذا كنا نريد أن نأكل وقلنا: باسم الله. كان التقدير: باسم الله آكل, وإذا كنا نريد أن نذبح شاة أو نحوها قلنا: باسم الله أذبح. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن لم يذبح فليذبح على اسم الله»، أو قال: «باسم الله». إذاً: الجار والمجرور في البسملة متعلق بمحذوف يقدر فعلاً لا اسماً، متأخراً لا متقدماً، مناسباً لما ابتدئ به. قلنا: إنه مقدر فعلاً لا اسماً؛ لأن الأصل في العامل أن يكون فعلاً، ولذلك يعمل الفعل عمله بدون أي شرط، وأما الأسماء فلا تعمل أعمالها إلا بشروط، المصدر له شروط، حتى يعمل عمل الفعل، اسم الفاعل يعمل بشروط، اسم المفعول كذلك يعمل بشروط، الصفة المشبهة، جميع العوامل غير الفعل لا تعمل إلا بشروط، أما الفعل فإنه يعمل بدون شرط، وقدرناه متأخراً تبركاً بالبداءة بباسم الله.

وثانياً: ليفيد الحصر؛ أي: إني أقرأ باسم الله لا باسم غيره، فنقدم الآن المؤخر تبركاً بالبداءة بباسم الله. ثانياً: لإفادة الحصر، نقدره مناسباً لما ابتدئ به؛ لأنه أدل على المقصود، فمثلاً: لو أردنا أن نقرأ وقلنا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ التقدير: باسم الله ابتدئ. هل يفهم السامع أنك تريد أن تقرأ؟ لا. يفهم أنك تريد أن تبتدئ، لكن لو قلت: باسم الله أقرأ فهم أنك تريد القراءة، لذلك قلنا أنه يقدر فعلاً مناسب. هذه البسملة آية من كتاب الله لا يقرأها الجنب باعتبار أنها القرآن، لكن يقرأها باعتبار أنها ذكر، فلو أراد أن يأكل وقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فليس حراماً عليه، لكن لو أراد القراءة وقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وهو جنب، قلنا: هذا حرام عليه. أما معناها: (باسم الله) اسم مفرد مضاف فيعم جميع الأسماء، فإذا قلت: باسم الله فكأنما قلت: بكل اسم من أسماء الله، وأسماء الله تعالى كلها خير وبركة، حتى إن الإنسان ليذبح الذبيحة بآلة حادة وينهر الدم ولا يسمي فتكون ميتة لا تحل، فإذا سمى صارت طيبة حلالاً، وإن الإنسان ليأكل فيشاركه الشيطان في أكله ويأكل معه وتنزع البركة من أكله، فإذا قال: باسم الله امتنع الشيطان من الأكل معه. وإن الإنسان ليسمي عند إتيان أهله فإذا قدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً، إذا قال: «باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا». وإن الإنسان ليسمي على الوضوء فيكون صحيحاً ويدع التسمية على الوضوء فيكون غير صحيح عند بعض أهل العلم.

الخلاصة: أن البسملة كلها بركة. أما (الله) فهو علم على رب العالمين جل وعلا لا يسمى به غيره. (الرحمن): ذو الرحمة الواسعة العامة لكل شيء. (الرحيم): الرحمة الخاصة التي قال الله فيها: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾[الأحزاب:43]. وقيل: الرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل.

تفسير قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر): 

قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾[القمر:1]. قوله: اقْتَرَبَتِ بمعنى: قربت، لكن العلماء يقولون: إن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، وهنا (اقتربت) فيها زيادة في المبنى على قربت، والزيادة هي الهمزة والتاء، فيدل على أن الاقتراب قريب جداً، أو يدل على أن القرب قريب جداً، فمعنى (اقتربت)؛ أي: قربت جداً. قوله: السَّاعَةُ هي: يوم القيامة، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾[محمد:18]؛ أي: علاماتها. من علاماتها: بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام وكونه خاتم الأنبياء دليل على أن الساعة قد اقتربت، ولهذا حقق النبي صلى الله عليه وسلم هذا بقوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وقال بإصبعه الوسطى والسبابة. الآن السبابة قريبة من الوسطى أليس كذلك؟ ليس بينهما إلا جزء يسير مقدار الظفر، وهذا يدل على قربها، لكن مع ذلك كم بيننا وبين الرسول صلى الله عليه وسلم الآن؟ نحن في القرن الخامس عشر الهجري يعني: بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة، ومع ذلك ما زالت الدنيا باقية، مما يدل على أن ما مضى طويل جداً، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم خطب الناس ذات يوم عند غروب الشمس، فقال: (إنه لم يبق من الدنيا -يعني بالنسبة لمن سبقكم- إلا كما بقي من يومكم هذا) إذاً: (اقتربت الساعة)؛ أي: قرب يوم القيامة. قوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ وكأن الله عز وجل أشار إلى أن هذا من أشراط الساعة، (وانشق القمر)؛ أي: صار فرقتين، تميز بعضهما عن بعض، أحدهما على جبل أبي قبيس والثاني على جبل قعيقعان، يعني: واحد على الصفا وواحد على المروة، والمسافة في رؤيا العين ما بين الصفا و المروة بعيدة جداً قد تستغرق سنوات، وانشق القمر في لحظة بأمر الله عز وجل، وتباعدت أجزاؤه بلحظة؛ لأن قريشاً كانوا يتحدون الرسول صلى الله عليه وسلم، ويطلبون منه الآيات، وقد قال الله رداً عليهم: ﴿ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ۞ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾[العنكبوت:50-51] لكن ليس بكافيهم؛ لأنهم معاندون لا يريدون الحق، أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا محمد، أنت تقول: إنك رسول وإنه يأتيك الخبر من السماء وكذا وكذا أرنا آية، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى القمر ودعا ربه فانفلق فلقتين في لحظة، من يفلق هذا الجسم العظيم السماوي العالي إلا رب العالمين عز وجل؟ أراهم إياه، لكن هل نفع؟ لا. لم ينفع؛ بل قالوا: سحرنا محمد. وبعضهم قال: سحر القمر. وأنكروا، وقال بعضهم لبعض: اسألوا المسافرين إذا قدموا هل رأوه أم لا؟ فصاروا يسألون المسافرين من كل وجه يقدمون مكة فيقولون: نعم. رأيناه في الليلة الفلانية كذا وكذا.

وهذا بالنسبة للقريبين منهم كأهل الجزيرة مثلاً، أما البعيدون فقد لا يرون هذا، لماذا؟ للبعد، وكما نعلم الآن أن الليل هنا يكون نهاراً في مكان آخر، أو يوجد غيوم وضباب كثير يمنع الرؤية، ولهذا لا يمكن أبداً لأي عاقل أن ينكر انشقاق القمر انشقاقاً حسياً؛ لأنه لم يذكر في تاريخ اليونان، ولم يذكر في تاريخ الهند، ولم يذكر في كذا وكذا، هذا ليس حجة يبطل به ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من أن القمر انشق فعلاً انشقاقاً حسياً، ونحن نؤمن بأن القادر على أن يطوي السماوات بيمينه كطي السجل للكتب قادر على أن يفلق القمر فلقتين، أي شيء يعجزه؟ لا شيء: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾[فاطر:44]. ولهذا لا وجه لإنكار من أنكر ذلك ممن ينتسبون إلى الإسلام، ويقولون: إن الأفلاك السماوية لا يمكن أن تتغير، الله أكبر! من الذي خلق الأفلاك السماوية؟ أليس الله؟ بلى. إذاً: هو قادر على أن يغيرها: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[يس:82] انشقاق القمر انشقاق حسي، انفلق فلقتين، ورآه الناس وشاهدوه، ولكن المكابر المعاند لا يقبل شيئاً.

تفسير قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر): 

قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾[القمر:1]. قوله: اقْتَرَبَتِ بمعنى: قربت، لكن العلماء يقولون: إن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، وهنا (اقتربت) فيها زيادة في المبنى على قربت، والزيادة هي الهمزة والتاء، فيدل على أن الاقتراب قريب جداً، أو يدل على أن القرب قريب جداً، فمعنى (اقتربت)؛ أي: قربت جداً. قوله: السَّاعَةُ هي: يوم القيامة، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾[محمد:18]؛ أي: علاماتها. من علاماتها: بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام وكونه خاتم الأنبياء دليل على أن الساعة قد اقتربت, ولهذا حقق النبي صلى الله عليه وسلم هذا بقوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وقال بإصبعه الوسطى والسبابة. الآن السبابة قريبة من الوسطى أليس كذلك؟ ليس بينهما إلا جزء يسير مقدار الظفر، وهذا يدل على قربها، لكن مع ذلك كم بيننا وبين الرسول صلى الله عليه وسلم الآن؟ نحن في القرن الخامس عشر الهجري يعني: بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة، ومع ذلك ما زالت الدنيا باقية، مما يدل على أن ما مضى طويل جداً، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم خطب الناس ذات يوم عند غروب الشمس، فقال: «إنه لم يبق من الدنيا »-يعني بالنسبة لمن سبقكم- «إلا كما بقي من يومكم هذا». إذاً: (اقتربت الساعة)؛ أي: قرب يوم القيامة. قوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ وكأن الله عز وجل أشار إلى أن هذا من أشراط الساعة، (وانشق القمر)؛ أي: صار فرقتين، تميز بعضهما عن بعض، أحدهما على جبل أبي قبيس والثاني على جبل قعيقعان، يعني: واحد على الصفا وواحد على المروة، والمسافة في رؤيا العين ما بين الصفا و المروة بعيدة جداً قد تستغرق سنوات، وانشق القمر في لحظة بأمر الله عز وجل، وتباعدت أجزاؤه بلحظة؛ لأن قريشاً كانوا يتحدون الرسول صلى الله عليه وسلم، ويطلبون منه الآيات، وقد قال الله رداً عليهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ۞ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾[العنكبوت:50-51] لكن ليس بكافيهم؛ لأنهم معاندون لا يريدون الحق، أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا محمد, أنت تقول: إنك رسول وإنه يأتيك الخبر من السماء وكذا وكذا أرنا آية، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى القمر ودعا ربه فانفلق فلقتين في لحظة، من يفلق هذا الجسم العظيم السماوي العالي إلا رب العالمين عز وجل؟ أراهم إياه، لكن هل نفع؟ لا. لم ينفع؛ بل قالوا: سحرنا محمد. وبعضهم قال: سحر القمر. وأنكروا، وقال بعضهم لبعض: اسألوا المسافرين إذا قدموا هل رأوه أم لا؟ فصاروا يسألون المسافرين من كل وجه يقدمون مكة فيقولون: نعم. رأيناه في الليلة الفلانية كذا وكذا. وهذا بالنسبة للقريبين منهم كأهل الجزيرة مثلاً، أما البعيدون فقد لا يرون هذا، لماذا؟ للبعد، وكما نعلم الآن أن الليل هنا يكون نهاراً في مكان آخر، أو يوجد غيوم وضباب كثير يمنع الرؤية، ولهذا لا يمكن أبداً لأي عاقل أن ينكر انشقاق القمر انشقاقاً حسياً؛ لأنه لم يذكر في تاريخ اليونان، ولم يذكر في تاريخ الهند، ولم يذكر في كذا وكذا، هذا ليس حجة يبطل به ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من أن القمر انشق فعلاً انشقاقاً حسياً، ونحن نؤمن بأن القادر على أن يطوي السماوات بيمينه كطي السجل للكتب قادر على أن يفلق القمر فلقتين، أي شيء يعجزه؟ لا شيء: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾[فاطر:44]. ولهذا لا وجه لإنكار من أنكر ذلك ممن ينتسبون إلى الإسلام، ويقولون: إن الأفلاك السماوية لا يمكن أن تتغير، الله أكبر! من الذي خلق الأفلاك السماوية؟ أليس الله؟ بلى. إذاً: هو قادر على أن يغيرها: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[يس:82] انشقاق القمر انشقاق حسي، انفلق فلقتين، ورآه الناس وشاهدوه، ولكن المكابر المعاند لا يقبل شيئاً.

تفسير قوله تعالى: (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر...): 

ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾[القمر:2] (آية): نكرة في سياق الشرط (إن يروا) أي آية يرونها يعرضون عنها ولا يقبلونها، ويجمعون بين الإعراض وبين الإنكار باللسان: (يعرضوا)؛ أي: بقلوبهم وأبدانهم، (ويقولوا) بألسنتهم: (هذا سحر مستمر) وتعرفون أن السحر يؤثر لا في قلب الأعيان ولكن في رؤية الأعيان. ألم تروا أن موسى عليه السلام لما ألقى السحرة سحرهم كان يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، انقلب الوادي كله حيات تسعى، حتى أن موسى أوجس في نفسه خيفة من هول ما رأى، لكن هذه الحبال والعصي هل انقلبت إلى حيات أم هي هي؟ هي هي، لكن حسب نظر الرائي أنها حيات، فهم يقولون: (هذا سحر) سحر محمد حتى كانت أعيننا ترى القمر وهو واحد فلقتين. ﴿ وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾[القمر:2] قيل: إن المعنى: زائل ذاهب، من مر بالشيء إذا تجاوزه، قال: هذا سحر ولن يستقر ولا قرار له، وقيل: (مستمر)؛ أي: أن كل الآيات التي يأتي بها سحر؛ أي: مستمر من إمرار الشيء ودوام الشيء، وأياً كان فإنهم أنكروا وكذبوا، ولهذا قال: ﴿وَكَذَّبُوا﴾[القمر:3]؛ أي: كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوا بآياته: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾[القمر:3]؛ أي: ما يريدون من الباطل: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾[القمر:3]؛ أي: لابد له من قرار، فهؤلاء المكذبون قرارهم الذل والخسران في الدنيا، والنار في الآخرة، والنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه أمرهم مستقر بالنصر والتأييد في الدنيا، والجنة في الآخرة، جعلنا الله وإياكم منها.