تفسير آيات من سورة النجم
مدة الملف
حجم الملف :
5573 KB
عدد الزيارات 876

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء السادس والسبعون بعد المائة من اللقاءات التي يعبر عنها بلقاء الباب المفتوح، التي تتم كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو السابع من شهر ذي القعدة عام 1418هـ. أسأل الله تعالى أن يجعلها لقاءات مباركة نافعة. في هذا اللقاء كالعادة نبدأ بتفسير شيء من كلام الله عز وجل.

تفسير قوله تعالى: ﴿أفرأيت الذي تولى...﴾ :

قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ۞ وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى ۞ أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم:33-35] إلى آخره.

الخطاب في قوله: (أفرأيت) للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويجوز أن يراد به كل من يتوجه إليه الخطاب، فيكون المعنى على الأول: أفرأيت يا محمد، وعلى القول الثاني يكون المعنى: أفرأيت أيها المخاطب. (الذي تولى)؛ أي: تولى عن طاعة الله عز وجل، ولم يؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينفق ما أمر بإنفاقه: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى﴾ [النجم:34] أحياناً يعطي، وإذا أعطى أعطى قليلاً، وأحياناً يكدي أي: يمنع، فلا يعطي شيئاً؛ لأنه لا ينفق المال ابتغاء وجه الله، فلذلك كانت حاله بين أمرين: إما المنع، وإما الإعطاء قليلاً. قالوا: (وأكدى) مأخوذة من الكدية: وهي الصخرة الشديدة التي لا تتفتت إلا بالمعاول، هذا الذي أعطى قليلاً وأكدى يزعم أنه إذا بعث فإنه سوف يعطي المال الكثير، وهكذا عادة من ينكر البعث كما في صاحب الجنة الذي قال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً﴾ [الكهف:36] فهو يظن أنه سوف يمتع في الدنيا ثم يمتع في الآخرة أكثر وأكثر إن كان آمن بها. قال الله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم:35] هذا الاستفهام إنكاري بمعنى النفي؛ أي: ليس عنده علم الغيب فهو يرى أنه سينتقل إلى دارٍ أفضل من داره التي هو فيها، وعلى هذا فتكون الجملة جملة نفي، ولا جملة إثبات وليست جملة استخبار، بل هي جملة نفيٍ وإنكار. إذ لا أحد عنده علم الغيب، ولولا ما أخبرنا الله به من النعيم لأهل الجنة والجحيم لأهل النار ما علمنا عن ذلك شيئاً.

تفسير قوله تعالى: ﴿أم لم ينبأ بما في صحف موسى...﴾:

قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ۞ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:36-37] (أم) هنا للإطراق؛ والمعنى: بل لم ينبأ بما في صحف موسى ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:37] ذكر موسى؛ لأن موسى أفضل أنبياء بني إسرائيل، والتوراة هي الكتاب التي عليها عمدة ما نزل على بني إسرائيل، صحف إبراهيم صحف أنزلها الله تعالى على إبراهيم فيها المواعظ والأحكام لكنه لم يبين لنا منها شيء، سوى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان على التوحيد وعلى الملة المستقيمة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۞ شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:120-121].

تفسير قوله تعالى: ﴿ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾ :

والذي في هذه الصحف قال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم:38] هذه بيان; أي: ما في صحف إبراهيم وموسى ألا تزر، وقوله تعالى: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم:37]؛ أي: وفى ما أمر به، ومن أعظم ما وفاه أنه أمر بذبح ابنه فامتثل لأمر الله عز وجل، وصمم على تنفيذه، حتى إنه تله على جبينه ليمر السكين على رقبته ولكن الفرج جاء من عند الله. وفي قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ۞ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:38-39] (ألا تزر)؛ أي: لا تحمل، (وازرة)؛ أي: آثمة، وزر أخرى أي: إثم أخرى؛ يعني: أن الإنسان لا يحمل ذنب غيره. إلا أنه استثنى من ذلك إذا كان صاحب سنة آثمة فإن عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ولكن الحقيقة أن هذا لم يتحمل وزر غيره؛ لأن غيره قد وزر وأثم لكنه تحمل إثم السنة، والبدء بالشر، فيكون حقيقة أنه لم يوزر وزر غيره، ولكنه وزر بوزر نفسه﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم:38] وقد كذب الله تعالى قول الذين كفروا للذين آمنوا: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت:12] فقال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [العنكبوت:12] حتى لو قال لك القائل: افعل هذا الذنب والإثم علي، فإنه لا يتمكن من هذا ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم:38] ولا يمكن أن يتمكن من هذا، فإن فعل الذي قيل له: افعل هذا والإثم عليَّ، فالإثم على الفاعل، ثم إن كان الفاعل ممن يغتر بالقول ولا يفهم فعلى القائل إثم التغرير؛ أي: أنه غرره وخدعه. ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:39]؛ أي: ليس للإنسان من الثواب إلا ثواب ما سعى -أي: ما عمل- فلا يمكن أن يعطى من ثواب غيره، لا يمكن أن نأخذ من أجر زيد ونعطيه عمراً أبداً، كما أنه لا يمكن أن نأخذ من سيئات زيد ونضيفها إلى سيئات عمرو، هذا لا يمكن، فصار الإنسان مرتهناً بكسبه: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:21]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:38] لا يمكن أن يؤخذ من حسناته لغيره، ولا أن يؤخذ من أوزار غيره فيحمل عليه.

تفسير قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ :

يقول تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:39] وقد استدل بعض أهل العلم: على أنه لا يمكن أن ينتفع الميت بثواب عمل غيره؛ لأن الله قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:39] وعلى هذا فلو أنك صليت ركعتين لزيد وهو ميت، أو صمت يوماً لزيد وهو ميت فإنه لا ينفعه; لعموم قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:39]. فإذا ورد عليهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليه» قالوا: هذا في الواجب؛ لأنه قال: (وعليه صيام) وليس بالتطوع. وإذا أورد عليهم أن رجلاً قال: (يا رسول الله, إن امرأتي تلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها؟ قال: «نعم» قالوا: هذا مستثنى بالنص، وليس لنا أن نرد النص، والعام يجوز تخصيص أفراده بحكمٍ مخالف. وإذا أورد عليهم قول سعد بن عبادة -رضي الله عنه- في مخرافه -أي: في نخله الذي يخرف- إنه يريد أن يجعله صدقة لأمه. فأجازه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قالوا: هذا ورد به النص، وما ورد به النص فإنه لا يمكن أن يرد؛ لأن نصوص الشريعة الإسلامية جاءت بتخصيص العام؛ أي: بإخراج بعض أفراد العام فيحكم له بحكمٍ مخالفٍ لحكم العام. وعلى هذا فنقول: لا يمكن أن ينتفع الإنسان بعمل غيره حياً كان أو ميتاً إلا ما وردت به السنة، ولا شك أن هذا القول له وجهة نظر قوية، لكن الإمام أحمد رحمه الله قال: أي قربة فعلها وجعل ثوابها لميت أو حي من المسلمين فإن ذلك ينفعه، وقال: إن الذي وقع قضايا أعيان؛ بمعنى: أن الرجل حصلت له حادثة فسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فأجازه، ما هي القضية العينية؟ الرجل الذي قال: أتصدق عن أمي، و سعد بن عبادة ، قال: هؤلاء سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام فأجاز ذلك، فإذا أجاز الرسول عليه الصلاة والسلام جنس العبادات ولو كانت مالية دل ذلك على جواز جميع العبادات. وقالوا أيضاً: الصيام ليس عبادة مالية، ومع ذلك قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». وإذا أجيب بأن هذا في الواجب والواجب متحتم فهو كالدين والدين إذا قضاه الغير عن المدين أجزأ. وعلى كل حال، حتى لو قلنا بما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله: من أن أي قربة فعلها الإنسان وجعلها لمسلم، فإن ما عليه عمل الناس اليوم مخالفٌ لهدي السلف، إذ أن الناس اليوم تجدهم يهدون كثيراً من الأعمال الصالحة للأموات، يعتمر للميت دائماً، يصوم عنه تطوعاً دائماً، يضحي عنه دائماً ولا يضحي عن نفسه، كل هذا ليس من عمل السلف، السلف يهتدون بهدي الرسول عليه الصلاة والسلام، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم العام هو أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٌ صالح يدعو له» أكثر من الدعاء للميت، لكن كونك كلما سبحت: اللهم اجعل ثوابه لأبي أو لأمي، كلما اعتمرت قلت: اللهم اجعل ثوابه لأبي أو أمي أو جدي أو خالي أو عمي، هذا غير صحيح. أنت محتاج إلى العمل كما أنهم محتاجون للعمل، فلا تجعل عملك لهم، اجعل لهم ما أرشدك إليه الرسول عليه الصلاة والسلام وهو الدعاء، أما العمل فخص به نفسك.

تفسير قوله تعالى: ﴿وأن سعيه سوف يرى﴾ :

قال تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم:40] هل المراد ثواب السعي يرى في الآخرة عند الجزاء، أو أن السعي نفسه يرى في الدنيا ويعرف؟ الجواب: أن هذا عام، سوف يرى في الدنيا وسوف يرى في الآخرة؛ الذي يرى في الآخرة هو الثواب، وفي الدنيا هو نفس العمل; ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:105]؛ يعني: عملكم لن يخفى على من في وقتكم، سيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى أن بعض الناس إذا عمل عملاً كمكتبة أو مسجد أو عمارة للفقراء أو ما أشبه ذلك كتب: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:105] وهذا لا يجوز؛ لأن أحد الأطراف الثلاثة لا يمكن أن يراه، من هو؟ الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يرى هذا العمل. صحيح أن الله عز وجل يرى، والمؤمنون في هذا الوقت يرون، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يرى، ثم هذا في المنافقين وهو تهديدٌ لهم وليس ثناءً عليهم، فعلى كل حال نقول: سعي الإنسان سوف يرى، ولكن قد يستر الله تبارك وتعالى على العبد ذنوبه، فضلاً منه ومنة، وإذا لقاه في الآخرة خلا به سبحانه وتعالى وقرره بذنوبه، وقال: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» لكن في الأصل أن سعي الإنسان سوف يرى ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم:41]؛ أي: بعد أن يرى يجزى عليه (الجزاء الأوفى)؛ أي: الأكمل، والأوفى في الصالح زيادة المثوبة، والأوفى في السيئ العدل بحيث لا يزاد في سيئاته، وعلى هذا فالأوفى يفسر بمعنيين: العدل، والزيادة. العدل في السيئة: لا يمكن أن يزاد سيئة واحدة، الفضل في الحسنات: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة،