تفسير آيات من سورة النجم
مدة الملف
حجم الملف :
7309 KB
عدد الزيارات 2281

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثالث والسبعون بعد المائة، من اللقاءات المعبر عنها بلقاء (الباب المفتوح) التي تتم كل يوم خميس، وهذا هو الرابع من شهر شعبان عام (1418هـ). نبتدئ في هذا اللقاء بما كنا نبتدئ به من تفسير القرآن، وقد انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:31]2 وهو في سورة النجم.

تفسير قوله تعالى: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض....﴾ :

قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النجم:31] هذه الآية تدل على أمرين: الأمر الأول: عموم ملك الله سبحانه وتعالى لما في السماوات والأرض، ويؤخذ هذا العموم من قوله: (ما في السماوات) لأن (ما) للعموم. والأمر الثاني: اختصاص ملك السماوات والأرض لله عز وجل، وهذا يؤخذ من تقديم الخبر: (ولله ما في السماوات) والعلماء يقولون: إن تقديم ما حقه التأخير يفيد العموم، وهذه قاعدة بلاغية لغوية، ولها أمثلة كثيرة: منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:5] (إياك) هذه مفعول مقدم ذو جملتين: لنعبد ولنستعين، وحق المفعول أن يكون مؤخراً، لكنه قدم من أجل الاختصاص، ونضرب مثلاً لهذا بما يجري بيننا، فإذا قلت لشخص: إياك أردت، فهي ليس كقولك: أردتك؛ لأن إياك أردت يعني: ولم أرد غيرك، لكن أردتك قد تكون أردته وأردت غيره أيضاً. المهم افهموا هذه القاعدة: تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر; يعني: اختصاص الشيء هذا لهذا الشيء. إذاً: هل أحد يملك ما في السماوات والأرض؟ لا. إلا الله عز وجل هو الذي يملك ما في السماوات والأرض، ولما ذكر سبحانه وتعالى عموم الربوبية ذكر ما يترتب على هذا العموم في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31] إذاً فمقتضى هذا الملك، أن يأمر وينهى، ثم يجازي بعد ذلك الذين أحسنوا بالحسنى، والذين أساءوا بما عملوا، ما معنى: الحسنى؟ الحسنى: أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة. أساءوا بما عملوا يعني: السيئة بمثلها فقط ولا زيادة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:40] وهذا في معاملات الخلق، وأما الخالق فقال عز وجل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام:160].

تفسير قوله تعالى: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ :

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:32] (إلا اللمم) لها معنيان: المعنى الأول: يعني الصغائر. والمعنى الثاني: القليل من الكبائر والفواحش، (إلا اللمم) ;يعني: إلا القليل، ذكرنا بناء على اختلاف القولين الاختلاف في (إلا) هل هي متصلة أو منقطعة؟ (إلا اللمم) متى تكون منقطعة؟ إذا فسرنا (اللمم) بالصغائر صارت منقطعة، وعلامة (إلا) المنقطعة، أن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، فمثلاً: ﴿كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:32] إذا قلنا اللمم الصغائر، فهل الصغائر من الكبائر والفواحش؟ لا. إذا قلنا: المراد باللمم القليل من الكبائر والفواحش صارت (إلا) متصلة؛ لأن اللمم القليل مما سبق فهو من جنسه. إذاً: الاستثناء عندنا يكون منقطعاً ويكون متصلاً فما هو المتصل؟ إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه فهو متصل، وإذا كان من غير جنسه فهو منقطع، وإليك ما مثل به النحويون يقولون: إذا قلت: جاء القوم إلا أميرهم، فالاستثناء متصل؛ لأن الأمير من جنسهم. وقالوا: إذا قلت: جاء القوم إلا حمارهم، فالاستثناء منقطع؛ لأن الحمار ليس من جنس القوم.

تفسير قوله تعالى: ﴿إن ربك واسع المغفرة﴾

ثم قال عز وجل: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:32] إشارة إلى أن الصغائر تغفر، وقد ثبت في القرآن الكريم أن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر. فقال جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:31]، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ . أما إذا قلنا: اللمم القليل من الفواحش والكبائر، فيكون قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ إشارة إلى أن الكبائر إذا تاب الإنسان منها غفر الله له، وكأنها لم تكن، وإن لم يتب منها فهو تحت المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء عاقبه بما تستحق هذه الكبيرة. وهناك قومٌ من هذه الأمة يقولون: إن الكبيرة لا تغفر، وهم الخوارج و المعتزلة ، فالخوارج و المعتزلة يقولون: إن الإنسان إذا زنى فهو من أهل النار وهو كافر، وإذا سرق كذلك، وإذا شرب الخمر كذلك، لكن قولهم باطل، والصواب: أن فاعل الكبيرة داخل تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:48]. لو قال قائل: أنت إذا قلت هذا، فتحت الباب على مصراعيه لفعل الكبائر؛ لأن أي إنسان يفعل كبيرة يقول: أنا يمكن أن يغفر الله لي، وهذا فعلاً يحتج به العوام. يقول: إذا كان الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾; أي: ما دون الشرك لمن يشاء، إذاً سيفعلون الكبائر ويقولون: سيغفر الله لي، فكيف تجيبه؟ نجيبه بأن الله قال: يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ وما قال: لكل أحد. بل قال: (لمن يشاء) فهل أنت متيقن الآن أنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ هل أحدٌ يتيقن هذا؟ لا أحد يتيقن. إذاً: لا حجة في هذه لأهل المعاصي. ثم إن قوله تعالى: (لمن يشاء) نعلم أن الله حكيم، لا يشاء أن يغفر للمذنب غير الشرك إلا إذا اقتضت الحكمة ذلك، ومن منا يستطيع أن يقول: إن حكمة الله تقتضي أن يغفر الله لي! لا أحد يقول هذا. بل لو قال هذا لقلنا: إن قولك هذا من أسباب المؤاخذة والمعاقبة؛ لأنك تأليت على الله.

تفسير قوله تعالى: ﴿هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض﴾

ثم قال عز وجل: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم:32] فهو أعلم بنا منذ ذلك الوقت الطويل البعيد، (إذ أنشأكم من الأرض) بماذا؟ بخلق أبينا آدم؛ لأن آدم خلق من التراب، ثم صار طيناً ثم صار صلصالاً، ثم خلقه الله بيده جسماً ونفخ فيه الروح فصار آدمياً إنساناً، إذاً نحن من الأرض، سبحان الله نحن من الأرض! نعم نحن من الأرض ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:55] الإخراج الذي ليس بعده وفاة، وهو في يوم القيامة. (إذ أنشأكم من الأرض) ولذلك الآن بنو آدم كالأرض تماماً فيهم الحزن الصلب الشديد، وفيهم السهل، وفيهم ما بين ذلك، وفيهم الأبيض، وفيهم الأحمر والأسود؛ لأن الأراضي تختلف هكذا، وقد ذُكر أن الله لما أراد أن يخلق آدم أخذ من كل الأرض سهلها وحزنها أسودها وأبيضها.

تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم﴾

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم:32] وهذه النشأة الثانية (أجنة): جمع جنين وهو الحمل، وسمي الحمل جنيناً؛ لأنه مستتر (إذ أنتم أجنة) ;أي: مستترين في بطون أمهاتكم. من حين كان الإنسان نطفة ومن النطفة يخلق، وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:13] فمن حين ما يكون نطفة يكون جنيناً، ثم يتطور أربعة أطوار. أولاً: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة، ثم أنشأناه خلقاً آخر، الطور الأخير الذي فيه تحل الروح. إذاً: هو عالمٌ بنا حين النشأة الأولى وحين النشأة الثانية في بطون أمهاتنا.

تفسير قوله تعالى: ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾

قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم:32] لا تقل: عملت كذا وكذا، صليت، زكيت، صمت، جاهدت، حججت .. لا تقل هكذا، تدل بعملك على ربك، هذا لا يجوز، فإن قال قائل: أليس الله يقول: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]؟

فالجواب: بلى، لكن معنى: (من زكاها)؛ أي: من عمل عملاً تزكو به نفسه، وليس المعنى: (من زكاها) من أثنى عليها ومدحها بأنها عملت وعملت، بل المراد عمل عملاً تزكو به نفسه، فلا معارضة بين الآيتين؛ ولهذا نقول: من زكى نفسه بذكر ما عمل من الصالحات فإنه لم يزك نفسه حقيقة؟ من زكى نفسه فإنه لم يزك نفسه، فرق بينهما. التزكية التي يحمد عليها الإنسان: أن يعمل الإنسان عملاً صالحاً تزكو به نفسه. والتزكية التي يذم عليها: أن يدل بعمله على ربه ويمدحه، وكأنه يمن على الله، يقول: صليت، تصدقت، صمت،ججت، جاهدت، بررت والدي، وما أشبه ذلك، هذه لا يجوز للإنسان أن يزكي نفسه، ويقول: أنا من أنا، وفي هذا رد على أولئك الصوفية الذين يدعون أنهم أئمة، ويزكون أنفسهم، ويقول: وصلنا إلى حدٍ لا تلزمنا الطاعات؛ لأن هناك من الناس من يقول: إنه وصل إلى عالم الملكوت ولا عليه صلاة، ولا عليه صدقة، ولا عليه صيام، ولا يحرم عليه شيء، وهؤلاء منسلخون من الدين انسلاخاً تاماً؛ لذلك نقول: هؤلاء الذين يزكون أنفسهم هم أبعد الناس عن الزكاة؛ لأنهم أعجبوا بأعمالهم وأدلوا بها على الله عز وجل، وجعلوا لأنفسهم منصباً لم يجعله الله تعالى لهم. قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ كأنه يقول: لماذا تزكون أنفسكم! أتريدون أن تعلموا الله بما أنتم عليه؟ الجواب: لا. ولهذا قال: هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى؛ أي: إن كنت متقياً لله فالله أعلم بك، لا حاجة إلى أن تقول لله: إني فعلت وفعلت.

وفي هذا إشارة إلى أن النطق بالنية عند فعل العبادة قد يدخل فيه نوع من التزكية؛ يعني: إذا أردت أن تتوضأ هل تقول: اللهم إني نويت أن أتوضأ؟ لا، هل تقولها سراً؟ لا. بعض العلماء يقول: قلها سراً بينك وبين نفسك؛ وعللوا هذا قالوا: من أجل أن يطابق اللسان القلب، القلب نوى لكن قل باللسان: اللهم إني نويت أن أتوضأ، أو نويت أن أصلي أيضاً، تريد تصلي قل: اللهم إني نويت أن أصلي. متى؟ الظهر أو العصر؟ الظهر، وهل تحتاج إلى عدد الركعات أو لا تحتاج؟ لا ما تحتاج، فما دام عينت يكفي. بعض العلماء يقول هكذا -يا إخوان- وهم علماء أجلاء من الفقهاء. لماذا النطق باللسان؟ لتطابق القول القلبي واللساني. فيقال: هذا غلط، هذا قياسٌ في مقابلة النص، هل الرسول عليه الصلاة والسلام شرع لأمته أن ينطقوا بالنية؟ أبداً. لا في حديث صحيح ولا ضعيف: أن الإنسان إذا أراد العمل نطق النية، أبداً ما يوجد. ومن الطرف الطريفة: أن رجلاً عامياً في المسجد الحرام سمع شخصاً يريد أن يصلي، فقال بعد أن أقيمت الصلاة: اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات في المسجد الحرام، ولما أراد أن يكبر قال له: باقي عليك، قال: ما هو الباقي؟ قال: باقي التاريخ، قل في اليوم الفلاني، فأنت الآن ذكرت المكان وذكرت العمل وباقي التاريخ قل: في اليوم الفلاني من الشهر الفلاني من السنة الفلانية.

مداخلة: مأموماً؟
 

الشيخ:

لا أعلم مأموم أو غير مأموم المهم أنه قال له الكلام هكذا، فانتبه الرجل وقال له: يا أخي، أنت تعلم ربك بنيتك، الله أعلم بنيتك: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:19]. كذلك عند الصيام مثلاً: إذا تسحر الإنسان وأراد أن يصوم يقول: اللهم إني نويت الصيام إلى الليل؟ لا يقول هذا، ونحن عندما كنا صغاراً كانوا يلقوننا هذا، يقول: إذا تسحرت قل: اللهم إني نويت الصيام إلى الليل، ونقوله؛ لأننا لا ندري، لكن في الواقع أن هذا من البدع. بقي أن يقال في الحج هل تقول: اللهم إني نويت العمرة، أو نويت الحج، أو نويت القران، أو التمتع؟ لا ما تقوله، حتى في الحج عندما تغتسل وتلبس الإحرام لا تقل: اللهم إني نويت العمرة أو نويت الحج، بل تكفي التلبية؛ لأنك سوف تقول لبيك عمرة إن كنت في عمرة، أو لبيك حجاً إن كنت في حج، أو لبيك عمرة وحجاً إن كنت قارناً، فلا حاجة، فكل العبادات لا ينطق فيها بالنية، ولهذا قال عز وجل: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ .