حقوق الزوجين بين الإفراط والتفريط
مدة الملف
حجم الملف :
7371 KB
عدد الزيارات 4756

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن هذا هو اللقاء الحادي والعشرون من اللقاءات الشهرية التي ينظمها مكتب الدعوة في عنيزة في الجامع الكبير، وقد رأينا -ولله الحمد- ولمسنا من كثير من الناس ما لهذا اللقاء من الفائدة، لو لم يكن فيه إلا أن الحاضرين يُلقون من الأسئلة ما يحتاجون إلى بيانها، وقد يكون الجواب على السؤال يحتاج إلى لقاء كامل؛ لأنه سؤال يحتاج إلى التفصيل في جوابه، وهذا ما نعد به -إن شاء الله تعالى-، أننا عند السؤال الذي يحتاج إلى تفصيل وجواب وبسط سوف نتخذ ذلك بعون الله.

موضوع اللقاء الذي نفتتح فيه لقاءنا هذا هو ما يتعلق بالنكاح والطلاق وما إلى ذلك، وسبق لنا في لقاء سابق الحث على تقليل المهور، وبينا أن ذلك هو السنة، وأنه سبب للبركة، وأنه سبب لقطع النزاع، وأنه سبب لكون الزوج إن رضي عن زوجته أمسكها بمعروف، وإن فارقها فارقها بإحسان، أما الآن فإننا نتكلم عن حقوق الزوجين بعضهما مع بعض، وقد أشار الله إليه في القرآن إجمالاً، فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:19] وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:228] أي: لهن على الرجال مثل الذي عليهن للرجال بالمعروف والعدل والاستقامة، وهذا الذي ذكره الله -عز وجل- يجب على الإنسان أن يعتني به، وأن يقوم به، وألا يفرط فيه؛ لأنه توجيه من لدن حكيم خبير؛ ولأنه سبب للألفة ودوام للسعادة؛ لأن كل واحد من الزوجين يعامل الآخر بما يحب أن يعامله به، وما أكثر ما يحصل من النزاع بين الزوجين إذا ساءت العشرة، حتى إن بعض الناس يُضطر إلى أن يطلق أم أولاده من أجل كلمة واحدة نابية أو فعلٍ لا يرضاه، فيكون بمنزلة المرأة التي قال عنها النبي -عليه الصلاة والسلام-: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر» وأخبر أيضاً: «أن النساء يكثرن اللعن ويكفرن العشير -أي: الزوج- إذا أحسنت إلى إحداهن مدى الدهر، ثم رأت سيئة واحدة، قالت: ما رأيت خيراً قط» أصبح الآن بالعكس، صار الرجال بعضهم بمنزلة النساء، إذا حصل من زوجته ما يغضبه مرة واحدة كسرها وطلقها، ثم يُندِّمه الشيطان ويأتي إلى أبواب العلماء يسأل: هل له من رجعة؟ بعد أن وقع في فخ الشيطان يأتي ويقول: هل له من رجعة؟ ولو أن الإنسان قارن بين السيئات والحسنات في الزوجة التي جعلها الله -عز وجل- ليسكن الإنسان إليها، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة، لو قارن بين السيئات والحسنات، لوجد أن الحسنات أضعاف أضعاف في غالب النساء، بل في أكثر النساء، فالواجب المعاشرة بالمعروف، ثم إذا خاف الزوج نشوز امرأته وعدم قيامها بالواجب فقد أرشد الله -سبحانه وتعالى- إلى ثلاثة طرق، قال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء:34] أي: ذكروهن وخوفوهن بالله، وبينوا لهن حق الزوج، فإن استقمن فذلك المطلوب، وإلا: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:34] أي: ليلة لا يبيت عندها في الفراش، يذهب يميناً وشمالاً أو في غرفة أخرى لعلها تتأدب؛ لأن هجرها في الفراش قد يكون أشد عليها من كل شيء، فإن حصل المطلوب فهذا هو المطلوب، وإلا: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:34] لكن اضربوهن ضرباً غير مبرح، ضرباً يحصل به الأدب ولا يحصل به الألم والأذى ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيل﴾اً [النساء:34] أي: لا تطلبوا سبيلاً مرة أخرى فتذكروا المرأة: فعلت كذا، فعلت كذا، فعلت كذا، لا؛ إذا أطعنكم وعادت المياه إلى مجاريها، ولا يجوز للإنسان أن يذكر شيئاً مما مضى؛ لأن ذكر شيء مما مضى يجدد العداوة والبغضاء، ولهذا قال: ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء:34] اذكروا علو الله عليكم، واذكروا كبرياءه عليكم، لا تتكبروا ولا تعلوا على هؤلاء النساء المسكينات؛ لأن الله تعالى فوقكم.

ثم إن من الواجب للزوجة على زوجها: الإنفاق بالمعروف.. كسوة.. مسكن.. طعام.. شراب، يجب عليه أن ينفق عليها بالمعروف، وهذه النفقة يجب أن يبذلها بطيب نفس، وبدون منة، وبدون تكره لبذلها؛ لأنه حق واجب عليه، ومع هذا يؤجر ويثاب عليه، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: «واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها -أي: جاءك أجر- حتى ما تجعله في فم امرأتك» إذاً هو يؤدي واجباً عن نفسه، ويصلح ما بينه وبين أهله، ويثاب على ذلك، وقوله: «حتى ما تجعله في فم امرأتك» أي: حتى اللقمة الواحدة تجعلها في فم امرأتك تثاب على هذا، مع أن الإنفاق واجب، ومع ذلك لك فيه أجر، فإن كان الزوج شحيحاً لا يعطيها ما يكفيها بالمعروف، وهي قائمة بواجبه، فلها أن تأخذ من ماله بغير علمه، لكن بالمعروف، أفتى بذلك إمام المفتين محمد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فإن هند بنت عتبة جاءت تشكو إليه زوجها أبا سفيان، وقالت: إنه رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، قال: « (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)» فأذن لها، سواء بعلمه أو بغير علمه؛ لأن هذا حق واجب لها، لكن لو فرض أنها نشزت فحينئذٍ له أن يمنع ما يمنع من النفقة تأديباً لها.

الطلاق المشروع وأحكامه:

ومما يتعلق بمسائل النكاح: إذا أراد الإنسان أن يفارق زوجته، لكونه لا يتحمل الصبر معها، وذلك أن الواجب على الإنسان أن يحاول إصلاح الوضع قبل كل شيء، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:128] اسمع كلام الله -عز وجل-، الصلح خير ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:128]أي: أن الإنسان قد يكون عند المخاصمة شحيحاً يطلب كل حقه، كل ماله، فنقول: لا تكن شحيحاً، الصلح خير، فالإنسان إذا رأى من نفسه أنه كاره زوجته، نقول: أولاً: اصبر ﴿إِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:19] قال بعض السلف: ربما يرزق منها ولداً صالح، وربما تنقلب الكراهة إلى محبة؛ لأن القلوب بيد الله، وكم من إنسان يبغض شخصاً بغضاً شديداً ثم ينقلب البغض إلى محبة، أو بالعكس، أرأيتم عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قبل أن يسلم كان يبغض النبي -صلى الله عليه وسلم- بغضاً شديداً، حتى كان يود أن لو تمكن منه ليقتله، ولما أسلم كان لا يستطيع أن يرفع طرفه إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- إجلالاً وتعظيماً له، من شدة احترامه إياه ومحبته له، إذاً: اصبر يا أخي! اصبر على الزوجة لا سيما إن كانت أم أولاد، فقد قيل:

إذا لم تكن إلا الأسنة مركباً فما حيلة المضطر إلا ركوبها حينئذٍ، طلق، لكن طلق على الوجه المشروع: أولاً: لا تطلقها إلا وهي حامل أو طاهر طهراً لم تجامعها فيه، لقوله -تبارك وتعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق:1] ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:1] إذاً لو أن الإنسان جامع زوجته بعد الحيض، ثم جاء يسأل: هل أطلقها الآن أم ماذا؟ نقول: لا تطلقها إلا أن يتبين حملها فطلقها؛ لأنها حامل، أو تحيض بعد هذا الطهر ثم تطهر فطلقها، كثير من الناس -هدانا الله وإياهم- من حين يغضب على الزوجة يبت الطلاق، حتى لو كان لم يغتسل من الجنابة يطلقها، وهذا لا يجوز إلا إذا كانت حاملاً، الحامل لو طلقها الإنسان من حين الجماع فلا حرج عليه، لكن غير الحامل لا يجوز أن يطلقها في طهر جامعها فيه، ولا أن يطلقها وهي حائض، وفي الصحيحين أن عبد الله بن عمر طلق زوجته وهي حائض، فأخبر عمر بذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فتغيض فيه -أي: أصابه الغضب، لماذا يطلقها لغير العدة- ثم قال لعمر : «مره -أي: مر عبد الله- أن يراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن تُطلقَ لها النساء» لماذا أُمِرَ الإنسان أن يتأنى في الطلاق حتى يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، ولا يطلقها في الحيض ولا في طهر جامعها فيه؟ أما كونه لا يطلقها في الحيض، فلأنه إذا طلقها في الحيض لم تحسب تلك الحيضة، فيكون في هذا تطويل في العدة على المرأة، ولأنه إذا طلقها وهي حائض فإنه سوف يطلقها وهو بعيد من جماعها، وإذا كان بعيداً من جماعها فإنه ربما لا يقع في قلبه محبة لها، لهذا نهي الإنسان أن يطلقها وهي حائض، أما في طهر جامعها فيه فوجه النهي: أنه إذا جامعها في الطهر فيمكن أن تحمل من هذا لجماع فتكون عدتها عدة حامل، ويمكن ألا تحمل فتكون عدتها عدة من تحيض، فإذا كان لم يجامعها فقد علمنا أن عدتها عدة من تحيض.

صور من التهاون بالطلاق:

ليعلم أن بعض الناس بدؤوا يتهاونون بالطلاق إلى أبعد الحدود من وجهين:

الطلاق بالثلاث بلفظ واحد:

الوجه الأول: سهل عليهم أن يطلق الرجل زوجته ثلاث تطليقات مرة واحدة؛ أي: سهل عليهم أن يقول الرجل لزوجته: أنت طالق بالثلاث، أو أنت طالق ثلاثاً، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، سهل عليهم هذا، وكانوا فيما سبق من الزمن لا يكاد أحد أن يطلق هذا الطلاق، لكن لما رأى الناس الرخصة في أن الرجل إذا طلق هذا الطلاق أمكنه المراجعة، صاروا يتهاونون في هذا الأمر، وكان طلاق الثلاث في عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فكثر ذلك في الناس، فقال عمر : "أرى الناس قد تتايعوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم" فأمضاه عليهم، وألزم الإنسان إذا طلق ثلاثاً ألا يراجع زوجته، وهذا من السياسة العمرية، فالمسألة ليست بالهينة، ألم تعلموا أن الإمام أحمد والشافعي ومالكاً وأبا حنيفة وعامة الأمة يقولون: إن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة أو بكلمات يكون بائناً لا تحل به المرأة، المسألة ليست هينة، الآن الذين يفتون بأن طلاق الثلاث واحدة قلة جداً في علماء الأمة، أكثر الأمة يرون: أنه لا رجعة لمن طلقها ثلاثاً بكلمة واحدة أو بكلمات متعاقبات، أكثر الأمة على هذا، وألفوا في ذلك التآليف، لكن أقول ذلك لا لأني أرى أن طلاق الثلاث ثلاث، ولكن لأحذر إخواني، وأبين لهم أن الأمر ليس بالهين، لا يتهاونوا لما كان يفتى بأن الثلاث واحدة، أكثر الأمة على أن الثلاث ثلاث، وأن المرأة تبين بذلك، وأنها لا تحل لزوجها إلا بعد زوج.

الحلف بالطلاق:

المسألة الثانية: الحلف بالطلاق، تهاون الناس به كثيراً، حتى كان بعضهم يقول: إن لم أشرب فنجان الشاي فزوجتي طالق، كيف هذا التلاعب؟! على أدنى شيء يقول: إن لم أفعل كذا، إن لم تفعلين كذا فأنت طالق، مع أني أقول لكم: إن أكثر العلماء ومنهم الأئمة الأربعة على أن هذا الطلاق طلاق معلق بشرط متى وجد وقع الطلاق، فمثلاً: لو قال لزوجته: إن دخلتِ دار فلان فأنت طالق، فدخلت، ماذا يكون عليها؟ أكثر الأمة يرونها تطلق، حتى لو نوى اليمين فهي تطلق، ويرى بعض العلماء أنه إذا قصد بذلك منعها ولم يقصد الفراق فهي يمين تكفر، ومثل ذلك -أيضاً- ما يقع ولا سيما عند البادية، إذا نزل الضيف وأراد صاحب البيت أن يكرمه بذبيحة ضيافة له، قال له: عليَّ الطلاق ما تذبح ذبيحة، فيقول صاحب البيت: عليَّ الطلاق لأذبح ذبيحة، ماذا نعمل الآن؟! إن ذبحنا الذبيحة طلقت امرأة الضيف، وإن لم نذبح طلقت امرأة صاحب البيت، فماذا نصنع؟ أكثر العلماء وأكثر الأمة على أن هذا طلاقاً، تطلق المرأة، فأنا أقول هذا لأجل ألا نتهاون بالطلاق؛ لأن أمره عظيم، وليس بالأمر السهل ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:229] ونقتصر على ما قلنا في حول هذا الموضوع لنتفرغ إلى قراءة الأسئلة، ونسأل الله أن يلهمنا الجواب الذي يكون صواباً.