تفسير آيات من سورة الطور
مدة الملف
حجم الملف :
7255 KB
عدد الزيارات 1128

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثالث والستون بعد المائة من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل خميس، وهذا الخميس هو العشرون من شهر ربيع الأول عام 1418هـ. نبتدئ هذا اللقاء بالكلام بما يسر الله عز وجل على تفسير بقية سورة الطور.

تفسير قوله تعالى: (أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون): 

قال تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:37] (أم) هنا بمعنى بل والهمزة؛ أي: بل أعندهم خزائن رزق الله عز وجل حتى يمنعوا من شاءوا ويعطوا من شاءوا؟

والجواب: لا؛ ليس عندهم ذلك ولا يملكون شيئاً من ذلك، بل الذي يملك الرزق عطاءً ومنعاً هو الله تبارك وتعالى، ولما نفى أن يكون عندهم خزائن الله قال: ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:37]؛ أي: بل أهم الذين لهم السيطرة والغلبة والسلطان والكلمة؟

الجواب: لا. فإذا لم يكن لهم شيء من هذا صاروا مربوبين وصاروا أذلاء أمام قوة الله عز وجل.

تفسير قوله تعالى: (أم لهم سلم يستمعون فيه ...): 

ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾[الطور:38]؛ أي: بل ألهم سلم يستمعون فيه؟ والسلم: هو المصعد والمرقى؛ والمعنى: هل لهم سلم يصعدون فيه إلى السماء يستمعون ما يقال في السماء؟

الجواب: لا. فإن ادعوا ذلك ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور:38]؛ أي: بحجة بينة ظاهرة على أنه استمع ما يقال في السماء.

والجواب: لن يجدوا إلى ذلك سبيلاً. اللهم إلا الكهنة الذين لهم رئيٌ من الجن، يستمع إلى ما يقال في السماء ثم يكذب مائة كذبة عما سمع، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعها من السماء.

تفسير قوله تعالى: (أم له البنات ولكم البنون): 

ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور:39] وهذا أيضاً بمعنى (بل) والاستفهام الذي للتوبيخ والإنكار؛ أي: أيكون لله البنات ولهم البنون؟ لأنهم ادعوا أن جنود الله تعالى بنات، وأن لهم البنين، ومعلوم أن من له البنين غالبٌ على من له البنات؛ لأن جنده رجال ذكور أقوى وأحزم وأقدم من النساء ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً﴾ [الزخرف:19] كما قال الله تعالى عنهم ذلك، قال: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف:19]؛ أي: لم يشهدوا خلقهم حتى يقولوا: إنهم بنات ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:19]؛ أي: شهادتهم هذه التي هي زور وكذب (ويسألون). المهم أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام من قريش قالوا: لهم البنون ولله البنات، قال الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل:57] والذي يشتهونه هو الذكور، حتى إن أحدهم ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:58]؛ أي: مملوءٌ غيظاً وغماً ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ يختبأ من القوم ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل:59] ثم يتردد ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل:59]؛ أي: على ذل وهوان ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:59] يغمسه فيه، وهذه الموؤودة ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:59].

تفسير قوله تعالى: (أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون): 

قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور:40]؛ أي: بل أتسألهم أجراً، والاستفهام هنا للنفي، وكل (أم) هناك استفهامها للنفي والتوبيخ؛ أي: هل أنت يا محمد حين دعوتهم إلى الله عز وجل هل أنت تقول: أعطوني أجراً مثقلاً كبيراً لا يستطيعونه حتى يردوك؟ الجواب: لا. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:86] لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لأي أحد: أعطني أجراً على دعوتي إياك، بل هو صلى الله عليه وسلم يبذل المال ليؤلف القلوب، كما أعطى المؤلفة قلوبهم من الأموال شيئاً عظيماً، وليس يطلب من أحدٍ أي عوض على ما جاء به من الرسالة. استدل بعض أهل العلم على أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ أجراً على تعليم العلم؛ بمعنى: أجرة. يقول الإنسان: لا أعلمك إلا بكذا وكذا، لكن هذا فيه نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله».

تفسير قوله تعالى: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون): 

قال تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور:41] ما غاب عن الناس ويحفظونه؟ والجواب: لا. ليس عندهم علم الغيب، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه لا يعلم شيئاً من الغيب، يكون الشيء في داره لا يعلمه، حتى إنه دخل ذات يومٍ والبرمة على النار تغلي باللحم ولم يعلم ما هو، وحتى أن أبا هريرة كان معه فانخنس منه ولم يعلم لأي شيءٍ ذهب.

فالحاصل: أن الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه لا يعلم الغيب، فمن دونه من باب أولى، وقد أمره الله تعالى أن يعلن بأنه لا يعلم الغيب، فقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:50] وهنا يقول لهؤلاء المكذبين: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور:41]؟

والجواب: لا.

تفسير قوله تعالى:(أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون): 

ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ [الطور:42]؛ أي: أيريد هؤلاء أن يكيدوا لك يا محمد بإبطال دعوتك وإهلاكك وإماتتك؟

الجواب: نعم، ولكن كيدهم ليس بشيءٍ بالنسبة إلى كيد الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:30] وقد كادوا له أعظم كيد، فإنهم اجتمعوا ماذا يصنعون بمحمد، لما رأوا دعوته انتشرت وأنه لا قبل لهم بردها، اجتمعوا وتشاوروا وذكروا ثلاثة آراء: الحبس والقتل والإخراج. ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾؛ أي: يحبسوك، ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:30] استقر رأيهم على القتل، لكن من يستطيع أن يقتله؛ لأن بني هاشم سوف يطالبون بدمه. قالوا: يجتمع عشرة شبان من قبائل متفرقة من العرب، ويعطى كل واحدٍ منهم سيفاً صارماً ويضربون محمداً ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل، فتعجز بنو هاشم عن المطالبة بدمه، ففعلوا ذلك ولكنهم مكروا ومكر الله والله خير الماكرين، أنجاه الله منهم، ثم أذن له أن يهاجر فهاجر إلى المدينة . ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور:42] الجملة هنا جملة اسمية، معرفٌ طرفاها، مفصولة بضمير الفصل، مما يدل على التوكيد والحصر؛ يعني: فالكيد لمن؟ للذين كفروا.

وهنا سؤال يقول: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور:42] لم يقل: أم يريدون كيداً فهم المكيدون، فماذا يسمى هذا الأسلوب عند علماء البلاغة؟ يسمى الإظهار في موضع الإضمار؛ معناه: بدل أن يقال: فهم المكيدون، قال الله تعالى: (( فالذين كفروا )) ولهذا فائدة بل أكثر، إذا قال: فالذين كفروا معناه: أن هؤلاء كفار، إذا قال: (الذين كفروا) معناه: أن من كان كافراً فإنه هو المكيد وإن كان غير هؤلاء، فهاتان فائدتان معنويتان. الفائدة الثالثة: تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسقٍ واحد ربما ينسجم الإنسان ويغفل، لكن إذا جاء شيء يخرج الكلام عن النسق انتبه.

تفسير قوله تعالى: (أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون):

ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:43]؛ أي: بل ألهم إله غير الله؟

الجواب: حقيقة لا. وادعاءً نعم، لهم آلهة غير الله يعبدونها، الات والعزى ومناة وهبل، وغيرها من الأصنام المعروفة عند العرب؛ ولهذا قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:43] فنزه الله سبحانه وتعالى نفسه عما يشرك به هؤلاء؛ ليبين أن هذه الأصنام باطلة، وأن الله منزه عن كل شريك ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور:43]؟ الجواب: حقيقة لا. وباطلاً نعم، هم يعبدون غير الله ويقولون: إنها آلهة، ويقولون للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:5] ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:43].

تفسير قوله تعالى: (وإن يروا كسفاً من السماء ... ): 

قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور:44]؛ أي: لو نزل عليهم العذاب، والكسف هو العذاب كما قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الشعراء:187] الكسف معناه: قطع العذاب.﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ وهذا يدل على أنهم يرون أنهم على حق وأنهم غير مستحقين للعذاب وأن هذا الكسف النازل قطع العذاب، ما هي إلا سحب متراكمة، وهذا كقول عادٍ حين رأوا الرياح مقبلة عليهم: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:24] لأن هؤلاء المكذبين -والعياذ بالله- معاندون يرون أنهم على حق، وأنهم غير مستحقين للعذاب، فإذا رأوا العذاب قالوا: هذا شيء عادي ولن نهابه ولن نخافه.

تفسير قوله تعالى: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون): 

قال الله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ [المعارج:42] اتركهم ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [المعارج:42] يخوضوا بأقوالهم، ويلعبوا بأفعالهم، ويلهوا في الدنيا، ويرون أنهم على حق ﴿حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾[الطور:45] وهو يوم موتهم. اترك هؤلاء فإن مآلهم إلى الموت وإن فروا، وهم إذا لاقوا يومهم الذي يوعدون عرفوا أنهم على باطل، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم على الحق.

تفسير قوله تعالى: (يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاً ...): 

قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الطور:46] فإذا جاءهم الموت ما أغنى عنهم كيدهم شيئاً؛ لأنهم في قبضة الله، وقد انتهى استعتابهم، وليس أمامهم إلا العذاب. ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور:47] (وإن للذين ظلموا) والمراد بهم الكفار، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:254]. ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ ;أي: دون عذاب الموت, وهو ما أصيبوا به من الجدب والقحط والخوف والحروب وغير ذلك مما كان قبل الموت ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور:47] بل أكثرهم في غفلة عن هذا، ولا يظنون أن ذلك من العذاب في شيء.

تفسير قوله تعالى: (واصبر لحكم ربك ...): 

قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور:48] (واصبر) النداء لمحمد عليه الصلاة والسلام، والصبر: هو حبس النفس عما لا ينبغي فعله، وقوله: (لحكم ربك) يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي;أي: اصبر لما حكم به ربك من وجوب إبلاغ الرسالة وإن أصابك ما يصيبك، اصبر لحكم ربك الكوني القدري, وهو ما يقدره الله تعالى عليك من هؤلاء السفهاء، من السخرية والعدوان والظلم، ولقد أوذي النبي صلى الله عليه وسلم كما أوذي إخوانه من المرسلين أوذي إيذاءً عظيماً. جعل سلى الجزور على ظهره وهو ساجدٌ تحت الكعبة، في آمن مكان، رمي بالحجارة حين خرج إلى أهل الطائف حتى أدموا عقبه صلوات الله وسلامه عليه، ولم يفق إلا وهو في قرن الثعالب، يلقون القاذورات والأنتان على عتبة بيته عليه الصلاة والسلام ويقول: أي جوارٍ هذا! وهذا من امتثال أمر الله، حيث قال الله له: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:48]؛ أي: فإننا نراك بأعيننا ونراقبك ونلاحظك ونعتني بك، وهذا كما يقول القائل لمن أشفق عليه وأحبه: أنت في عيني، ومن المعلوم أن مثل هذا الأسلوب لا يعني أن مخاطبه حالٌ في عينه، بل المعنى: أنت مني على رقابة وحماية.

وفي هذه الآية: إثبات صفة العين لله عز وجل وهي حقيقة، لكنها لا تماثل أعين الخلق أبداً؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].

تفسير قوله تعالى: (ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم): 

قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ۞ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور:48-49] (سبح بحمد ربك)؛ أي قل: سبحان الله وبحمده، حين تقوم من مجلسك، أو حين تقوم من منامك. المهم هي عامل؛ ولهذا كان كفارة المجلس أن يقول الإنسان: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» فينبغي للإنسان كلما قام من مجلس أن يختم مجلسه بهذا: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [الطور:49] وسبح ربك من الليل، لا كل الليل بل (من) وهي هنا للتبعيض؛ ولهذا لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بأقوامٍ من أصحابه قال أحدهم: (أنا أقوم ولا أنام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « أما أنا فأقوم وأنام، ومن رغب عن سنتي فليس مني» ولذلك يكره للإنسان أن يقوم الليل كله، حتى لو كان فيه قوة ونشاط فلا يقوم الليل كله، إلا في العشر الأواخر من رمضان؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحيي ليلها كله. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾؛ أي: وقت إدبارها. وهل المراد إدبار ضوئها بانتشار نور الشمس، أو إدبار ذواتها عند الغروب؟

الجواب: هذا وهذا. والمراد بذلك صلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر بها تدبر النجوم، وصلاة الفجر وصلاة العصر هما أفضل الصلوات الخمس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وصلاةٍ قبل غروبها فافعلوا» والمراد بالصلاة قبل طلوع الشمس صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة العصر. وقال صلى الله عليه وسلم: «من صلى البردين دخل الجنة» والبردان: هما صلاة الفجر وصلاة العصر. فصلاة الفجر صلاة الليل، وصلاة العصر صلاة النهار. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾.

وبهذا انتهى الكلام بما يسر الله عز وجل على سورة الطور.

نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ويهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.