تفسير آيات من سورة الطور
مدة الملف
حجم الملف :
3475 KB
عدد الزيارات 1978

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الحادي والستون بعد المائة من اللقاءات المعبر عنها بلقاء الباب المفتوح، والتي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو السادس من شهر ربيع الأول عام 1418هـ. نبتدئ بما كنا نبتدئ به من الكلام على شيءٍ من تفسير كتاب الله عز وجل، وقد انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى في سورة الطور: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ۞ فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ۞ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:17-19].

تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان): 

ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:21] الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان، والذرية التي يكون إيمانها تبعاً هي الذرية الصغار، فيقول الله عز وجل: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:21]؛ أي: جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم. وأما الكبار الذين تزوجوا فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة، لا يلحقون بآبائهم؛ لأن لهم ذرية فهم في مقرهم. أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم فإنهم يرقون إلى آبائهم، هذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:21] (ألتناهم)؛ يعني: نقصناهم; يعني: أن ذريتهم تلحق بهم ولا يقال اخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعتم درجات الذرية، بل يقول: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ . ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:21] هذه قاعدة عامة في جميع العاملين: أن كل واحد فإنه رهين بعمله لا ينقص منه شيء، أما الزيادة فهي فضل من الله تبارك وتعالى على من شاء من عباده.

تفسير قوله تعالى: (وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون): 

قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور:22] أمدهم الله تعالى؛ أي: أعطاهم عطاءً مستمراً إلى الأمد وإلى الأبد (بفاكهة) وهي ما يتفكه به من المأكولات. ﴿وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾؛ أي: مما يشتهونه ويستلذونه، وقد بين الله تبارك وتعالى نوع هذا اللحم بأنه لحم طير، وهو أشهى ما يكون من اللحم وأضرؤه وأمرؤه.

تفسير قوله تعالى: (يتنازعون فيها كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم): 

قال تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً﴾ [ أي: أن أهل الجنة (يتنازعون) ينازع بعضهم بعضاً على سبيل المداعبة، وعلى سبيل الأنس والانشراح، ﴿كَأْساً لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [ والمراد بالكأس كأس الخمر؛ ومعنى: ﴿لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [ أنه لا يحصل بها ما يحصل من خمر الدنيا، فإن خمر الدنيا يحصل به السكر والهذيان، ولكن خمر الآخرة ليس فيه لغوٌ ولا تأثيم؛ أي: لا يلغو بعضهم على بعض، ولا يتكلمون بالهذيان، ولا يعتدي بعضهم على بعض.

تفسير قوله تعالى: (ويطوف عليهم غلمان لهم..):

قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الطور:24]؛ أي: يتردد على أهل الجنة وهم على سررهم متكئين ﴿غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾ [الطور:24]؛ أي: غلمان مهيئون لهم بالخدمة التامة المريحة ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور:24]؛ أي: محفوظ عن الرياح والغبار وعن غير ذلك مما يفسده.

تفسير قوله تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون): 

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور:25]؛ أي: صار بعضهم يسائل بعضاً لكن على وجه الأدب، يتكلم معه وهو مقابلٌ له . لوجهه، فلا يصعر خده له ولا يستدبره بل يتكلم معه بأدبٍ ومقابلة تامة، (قَالُوا)؛ أي: قال بعضهم لبعض، (( إِنَّا كُنَّا قَبْلُ ))؛ أي: في الدنيا ﴿فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:26]؛ أي: خائفين من عذاب الله ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:27] (مَنَّ)؛ أي: أنعم علينا بنعمة عظيمة (ووقانا عذاب السموم)؛ أي: عذاب النار ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ﴾ [الطور:28]؛ أي: قبل أن أصل إلى هذا المقر وذلك في الدنيا نَدْعُوهُ [الطور:28]؛ أي: نعبده ونسأله؛ لأن الدعاء يطلق على معنيين: على العبادة، وعلى السؤال.  

فمن إطلاقه على العبادة قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:60].  

وأما الدعاء بمعنى السؤال ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:186]. فقولهم: (إنا كنا من قبل ندعوه) يشمل دعاء العبادة: كالصلاة والصدقة والصيام والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام كل هذا دعاء وإن كان هو عبادة.

لكن لو سألت العابد: لماذا تعبد الله؟ لقال: أرجو رحمته وأخاف عذابه، فيكون هذا لهذه العبادة بمعنى الدعاء، كذلك ندعوه دعاء مسألة لا يسألون إلا الله ولا يلجئون إلا إلى الله؛ لأنهم يعلمون أنهم مفتقرون إليه، وأنه هو القادر على كل شيء. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:28] (البر)؛ أي: الواسع الإحسان والرحمة، ومن ذلك البرية للمكان الخالي من الأبنية، والمعنى: أنه جل وعلا واسع العطاء والإحسان والجود. (الرحيم)؛ أي: ذو الرحمة البالغة، يرحم بها من يشاء من عباده تبارك وتعالى. ففي هذه الآيات بيان نعيم أهل الجنة، وفيها أيضاً لمَّا ذكر عذاب أهل النار ذكر نعيم أهل الجنة؛ لأن هذا القرآن الكريم مثان تثنى فيه المعاني. إذا ذكر فيه الخير ذكر فيه الشر، وإذا ذكر فيه نعيم المتقين ذكر فيه جحيم الكافرين، وهكذا حتى يكون الإنسان قارئ القرآن بين الخوف والرجاء. إن قرأ آيات النعيم رجا، وإن قرأ آيات العذاب خاف، فيعبد الله تبارك وتعالى بهذا وهذا.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنات، الناجين من الدركات إنه على كل شيء قدير.