تفسير آيات من سورة الذاريات
مدة الملف
حجم الملف :
4626 KB
عدد الزيارات 2035

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثالث والأربعون بعد المائة من لقاءات الباب المفتوح التي تتم في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو السابع عشر من شهر رجب عام 1417هـ.

نبدأ كالعادة بالكلام على ما تيسر من تفسير القرآن الكريم؛ لأني أحب دائماً أن يكون للمسلمين صلة في معرفة معاني كلام الله، فإن الله تعالى أنزل القرآن لهذا فقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:29] وتدبر الآيات أي: تفهم معانيها، والتذكر: هو: الاتعاظ والعمل والتصديق.

تفسير قوله تعالى: (فورب السماء والأرض إنه لحق...): 

انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى:  ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات:23] (الفاء) عاطفة، و(الواو) للقسم، و(رب السماء والأرض) هو الله عز وجل، أقسم بنفسه تبارك وتعالى بمقتضى ربوبيته بالسماء والأرض أن ما يوعدون حق؛ لأنه قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ﴾ [الذاريات:22-23] أي: ما توعدون، ويحتمل أن يكون الضمير عائدٌ إلى القرآن، ويحتمل -أيضاً- أنه عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمعاني الثلاثة كلها متلازمة،

وقوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ أي: ثابت؛ لأن الحق والباطل متقابلان، فالباطل هو: الزائل الضائع، والحق هو: الثابت الذي فيه الفائدة والخير والصلاح.

وقوله: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات:23]; أي: كما أن الإنسان يتيقن نطقه فإن هذا القرآن حق، ومن المعلوم أن كل أحد منا لا ينكر نطقه، وإذا نطق تيقن أنه نطق، إذاً هذا القرآن كلام الله عز وجل حق، مثلما أن نطقنا حق.

تفسير قوله تعالى: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين): 

قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات:24]. هل أتاك الخطاب؟ ليس للنبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل له ولكل من يتأتى خطابه ويصح توجيه الخطاب إليه، كأنه قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ أيها المخاطب ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾؟ والاستفهام هنا للتشويق، كما أنه في بعض الأحيان يكون للتخويف، فيكون للتشويق، فقوله هنا: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ [الذاريات:24] كأنه يشوقك إلى أن تسمع هذا الحديث، ونظيره في التشويق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:10] ليس المراد بمثل هذا الاستفهام أنه يستفهم: هل يدلنا؛ لأنه لا يريد أن يستفهم لنفسه، ولكن أراد أن يشوق المخاطبين إلى ذلك، ويكون الاستفهام للتهديد، والإنذار، والتخويف في مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:1] ثم قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:2-3].

فإذا قال قائل: أي شيء يدلنا على أن الاستفهام للتشويق أو للتهديد أو للاستخبار أو ما أشبه ذلك؟ نقول: الذي يدلنا على هذا السياق وقرائن الأحوال، والعاقل يفهم هذا وهذا.

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ﴾ أي: خبر ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ وضيف هنا مفرد لكنه يسع فيه الجماعة والواحد، وهم جماعة ملائكة كرام عليهم الصلاة والسلام، (ضيف إبراهيم) أي: الذين نزلوا ضيوفاً عنده، و(إبراهيم) هو الخليل عليه الصلاة والسلام وهو أبو العرب وأبو بني إسرائيل، كما قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:78] وهو الذي أمرنا الله تعالى أن نتبع ملته، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:123]. ولهذا ادعت اليهود أن إبراهيم يهودي، والنصارى ادعو أنه نصراني، ولكن الله تعالى كذبهم في ذلك، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:67].

تفسير قوله تعالى: (إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً...): 

يقول عز وجل: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً﴾ [الذاريات:25] يحتمل أن (إذ دخلوا) متعلق بقوله: (المكرمين) أي: الذين أكرمهم حين دخولهم عليه، ويحتمل أنها مفهوم لفعل محذوف، والتقدير: اذكر إذ دخلوا على إبراهيم ﴿فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:25]. ﴿فَقَالُوا سَلاماًأي: نسلم سلاماً، وعليه فسلاماً مصدر عامله محذوف والتقدير: نسلم قَالَ سَلامٌ (سلامٌ): مبتدأ خبرها محذوف، والتقدير: عليكم سلام، وعلى هذا فيكون التسليم هنا ابتداءه بالجملة الفعلية، وجوابه أو رده بالجملة الاسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن رد إبراهيم أكمل من تسليم الملائكة؛ لأن تسليم الملائكة جاء بالصيغة الفعلية، ورد إبراهيم جاء بالصيغة الاسمية. ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قوم: خبر مبدل المحذوف، والتقدير: أنتم قوم، وإنما قال: إنهم قوم؛ لأنهم في صورة البشر، وقوله: ﴿مُنْكَرُونَ﴾ أي: غير معروفين، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود:70]. في هذه الآية شاهد لحذف المبتدأ وحذف الخبر، أين الشاهد لحذف الخبر؟ (سلامٌ) والشاهد لحذف المبتدأ (قوم) لأن التقدير: أنتم قومٌ.

تفسير قوله تعالى: (فراغ إلى أهله...): 

قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [الذاريات:26] (راغ) انسل بخفية وسرعة، وذلك لحسن ضيافته، لم يقل: انتظروا آتي لكم بالطعام، ولم يقم متباطئاً كأنما يدفع دفعاً، إنما قام بسرعة منسلاً؛ لئلا يقوموا إذا رأوه ذهب إلى أهله، فكأنه أخفى الأمر عنهم، (إلى أهله) أي: أهل بيته ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:26] وفي آية أخرى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:69] أي: مشوي، واللحم إذا شوي يكون أطعم وألذ؛ لأن طعمه يبقى فيه، لا يمتزج بالماء، بخلاف إذا ما طبخ، إذا طبخ يمتزج طعمه بالماء فتقل لذاذته، لكن إذا كان مشوياً صار أطيب وأحسن ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:26] أي: إنه عليه الصلاة والسلام لا يتخير للضيوف البهائم العجفاء الهزيلة، وإنما يتخير لهم البهائم السمينة؛ لأنها ألذ وأطرى وأنفع، واختيار العجل: إما أن يكون عليه الصلاة والسلام من عادته أن يكرم الناس بهذا، أو أنه يكرم الضيوف بحسب ما تقتضيه الحال، فإذا كانوا كثيرين أتى بالعجل، وإذا كانوا أقل أتى بالغنم، وما أشبه ذلك، حسب عادة الكرماء.

تفسير قوله تعالى: (فقربه إليهم قال ألا تأكلون): 

قال تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:27]. (قربه إليهم) أي: لم يجعله بعيداً ويقول: قوموا إلى طعامكم، بل خدمهم حتى جعله بين أيديهم، قربه إليهم قال: ألا تأكلون؟ ولم يقل: كلوا، وإنما عرض عليهم عرضاً؛ لأن هذا أبلغ في الإكرام، انتبهوا لهذا، والعرض أخف وألطف من الأمر، إذ أنه لو قال: كلوا كان يحتمل أنه أراد أن يستعلي عليهم ويوجه الأمر إليهم، لكن ﴿قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:27] تعرفون الفرق بين العبارتين في الرفق، أيهما أرق وأرفق؟ ألا تأكلون.

هو الآن قرب الطعام إليهم، هل نقول: إن السنة والأفضل أن الإنسان إذا دعا ضيوفاً أو أتاه ضيوف أن يقربه إليهم في مجلس الجلوس؟ أو نقول هذا يختلف باختلاف الأحوال؟

الثاني هو الأفضل؛ لأن عموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» يدل على أنك تكرمهم بما جرت به العادة في إكرامهم به، عندنا الآن إذا عزمت أصحابك وأصدقاءك وهم قلة فلا يعدون تقديم الطعام -مثلاً- في المجلس إهانة؛ لأنهم إخوانك وأصدقاءك، الأدب بينكم متسامح فيه، لكن لو نزل بك ضيف، أو دعوت ضيفاً ليس بينك وبينه الصلة التي يسقط بها كما يقال الأدب، فإنه في عرفنا الآن ليس من إكرامه أن تقدم الطعام في محل الجلوس اللهم إلا لضرورة إذا لم يكن عندك مكان، الآن الإكرام أن تجعل الطعام في مكان ثم إذا أردت أن يأكلوا تقول: تفضلوا، ألا تتفضلون، أو نغير المجلس، أو ما أشبه ذلك من الكلمات المتداولة، فالمهم أن قوله تبارك وتعالى عن إبراهيم: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:27]. ينبغي أن يجعل هذا حسب عادة الناس، إذا كان من الإكرام أن تأتي بالطعام إلى محل جلوسهم فأت به، وإذا كان من الإكرام أن تجعله في مكان آخر فافعل، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».