تفسير آيات من سورة الذاريات
مدة الملف
حجم الملف :
3431 KB
عدد الزيارات 1037

الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا هو يوم الخميس السادس والعشرون من شهر جمادى الثانية عام (1417هـ) وبه يكون اللقاء الأسبوعي الذي يتم كل يوم خميس. نسأل الله تعالى أن ينفع به، وأن يجعل العمل خالصاً لوجهه، هذه هي الحلقة الأربعون بعد المائة، بل هذا هو اللقاء الأربعون بعد المائة نفتتحه كالعادة بتفسير بعض آيات من القرآن، حيث إننا سبق أن تكلمنا على أول سورة الذاريات.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً ۞ فَالْحَامِلاتِ وِقْراً ۞ فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً ۞ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً ۞ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ۞ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ۞ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ۞ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ۞ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:1-9] كل هذا تقدم الكلام عليه.

تفسير قوله تعالى: ﴿قتل الخراصون﴾

قال جل وعلا: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ۞ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات:10-11] : (قُتِلَ): كثيرٌ من المفسرين يفسرها بـ(لُعِنَ)، واللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله,ولكن الصحيح أنَّ قُتِلَ بمعنى: أُهْلِكَ؛ لأنه لا داعي إلى أن نصرفها عن ظاهرها، وظاهرها صحيح مستقيم; فمعنى قُتِلَ: أُهْلِكَ. و (الْخَرَّاصُونَ): جمع خرَّاص، وهو: الذي يتكلم بالظن والتخمين والارتياب والشك؛ لأنه منغمر في الجهل والسهو والغفلة.

تفسير قوله تعالى: ﴿الذين هم في غمرة ساهون﴾

ولهذا وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ أي: في غمرة من الجهل، قد أحاط بهم الجهل من كل جانب. سَاهُونَ غافلون، لا يحاولون أن يُقْبِلوا على ما أنزل الله على رسله عليهم الصلاة والسلام.

تفسير قوله تعالى: ﴿يسألون أيان يوم الدين﴾

ومن جهل المشركين أنهم ﴿يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات:12] سؤال استبعادٍ وإنكارٍ، لو كانوا يسألون سؤال استعلامٍ واستخبارٍ لعُذِروا، كما قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: (أخبرني عن الساعة) ، لكن هل قاله استبعاداً وإنكاراً؟ لا. بل استفهاماً واستخباراً، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل». لكن أولئك الخراصون ﴿يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾; أي: متى هو، استبعاداً، ولهذا قال الله عنهم في سورة (ق): ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ۞ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:2-3] يعني: أنُرْجَع بعد أن كنا تراباً، هذا رجع بعيد. فهم يسألون عن يوم القيامة لا سؤال استفهام واستخبار ليستيقنوا، ولكن سؤال استبعاد وإنكار.

تفسير قوله تعالى: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ :

قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات:13] هذا الجواب، أي: يوم القيامة ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ وعلى هذا فـ(يوم) هنا ظرفٌ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقدير: يوم القيامة يوم هم على النار يفتنون. ومعنى ﴿عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات:13] أي: يُعْرَضون عليها فيحترقون بها، يعني: الفتنة بمعنى الاحتراق، ولكنَّها عُدِّيت بـ (على)؛ لأنها ضُمِّنت معنى العرض، أي: يعرضون على النار فيحترقون بها، هذا يوم الدين ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾.

تفسير قوله تعالى: ﴿ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون﴾

قال تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات:14] : (ذُوقُوا) هذه جملة مقولٍ لقولٍ محذوفٍ، التقدير: يقال لهم: ذوقوا فتنتكم. (وذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ) هذا أمر إهانةٍ وإذلالٍ، أي: ذوقوا احتراقكم في النار التي كنتم تنكرونها، ﴿هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ لأنهم يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:48] فيستعجلون بالقيامة استبعاداً لها، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ [الشورى:18] فيقال لهؤلاء: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ويقال لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ۞ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:15-16].

أنا أسألكم الآن: يفتنون على النار فيحترقون بها ويقال: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ ماذا تفهمون من هذا؟ أتفهمون أن في هذا عذاباً بدنياً وقلبياً؟ نعم؛ لأن الاحتراق عذابٌ بدنيٌ، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ هذا توبيخٌ وإهانةٌ وإذلالٌ يكون به العذاب القلبي، فيُجمع لهم -والعياذ بالله- بين العذاب البدني، والعذاب القلبي، فتجده في أعلى ما يكون من الحسرة، فيتحسرون ويقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:27] ثم كان القرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه المعاني الشرعية والخبرية، إذا ذكر الشيء ذكر ضده.

تفسير قوله تعالى: ﴿إن المتقين في جنات وعيون﴾

لما ذكر عذاب هؤلاء المكذبين الخراصين، قال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الْمُتَّقِينَ هم: الذين اتقوا الله.

وأنتم ترون أن التقوى تَرِد في القرآن الكريم على وجوه متعددة، بالوصف تارة، وبالفعل تارة، وبالأمر تارة، وتارة تكون مضافةً إلى الله، وتارة تكون مضافةً إلى العقوبة، وغير ذلك، مما يدل على أن التقوى شأنها عظيم في الإسلام، وليست التقوى قولاً يقال باللسان، بل هي قولٌ يتبعُه فعلٌ وتطبيقٌ.

فإن سألتم: ما هي التقوى؟ قلنا: التقوى كلمتان: فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، على علمٍ وبرهانٍ واحتسابٍ وخوفٍ، تفعل ما أمر الله به؛ لأنك تعلم أن الله أمر به، تفعل ما أمر الله به؛ لأنك تحتسب ثوابه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرةٍ، تترك ما نهى الله عنه؛ لأنك تعلم أن الله نهى عنه، تترك ما نهى الله عنه خوفاً من عقاب الله؛ لأنك موقن بالعذاب، هذه هي التقوى.

يقول عز وجل: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ أي: مستقرون في جناتٍ وعيونٍ، والجنات جمع جنةٍ، وأنتم يمر بكم في القرآن (جنة) مفرداً و(جنات) جمعاً، فهل هي جناتٌ متعددةٌ؟ أم هي جنةٌ واحدةٌ؟ هي جناتٌ متعددةٌ، لكن ذُكِرَت بلفظ المفرد من باب ذكر الجنس، وإلاَّ فهي جناتٌ، انظروا إلى آخر سورة الرحمن، ذكر الله أربع جناتٍ قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:46] ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:62] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «جنتان من ذهبٍ آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضةٍ آنيتهما وما فيهما» إذاً فالجنات متعددةٌ.