تفسير آيات من سورة (ق)
مدة الملف
حجم الملف :
4706 KB
عدد الزيارات 2533

الحمد لله رب العالمين،وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء السابع والثلاثون بعد المائة من لقاءات (الباب المفتوح) الذي يتم كل خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو الخامس من شهر جمادى الثانية عام (1417هـ).

تفسير قوله تعالى: ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت فتقول هل من مزيد﴾ :

نبدأ فيه كما هي العادة بتفسير آيات من كتاب الله عز وجل ونحن في سورة ق، عند قوله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:30]. (يوم) هذه ظرف زمان، والظروف الزمانية والمكانية، وكذلك حروف الجر، لابد لها من متعلَّق؛ أي: لابد لها من فعل أو ما كان بمعنى الفعل تتعلق به، فما هو متعلَّق قوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ ؟ نقول: هو محذوف، والتقدير: اذكر يوم نقول لجهنم، وليُعلم أنه يوجد في اللغة العربية كلمات تُحذَف، بل ربما جمل تحذف وذلك فيما إذا دل عليها السياق، فهنا الكلمة التي تتعلق بها كلمة (يوم) محذوفة بتقدير: اذكر يوم نقول لجهنم: هل امتلأتِ. وتقول: هل من مزيد. يسألها الله عز وجل: ﴿هَلْ امْتَلأْتِ وهو يعلم سبحانه وتعالى أنها امتلأت أو لم تمتلئ؛ لأنه لا يخفى علي شيء، لكنه يسألها: هل امتلأت ليقرر لها ما وعدها سبحانه وتعالى فإن الله يقول: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:119]. فيسألها: ﴿هَلْ امْتَلأْتِ يعني: هل حصل ما وعد الله به؛ لأن الله تكفل بأن يملأ الجنة ويملأ النار، فتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (هل) هنا أداة استفهام، وهي حرف.

هل هي استفهام طلب أم استفهام نفي؟ انتبهوا للفرق، هل هي استفهام طلب بمعنى أنها تطلب الزيادة؟ أو استفهام نفي بمعنى أنها تقول: لا مزيد على ما فيَّ؟

في هذا للعلماء قولان:

القول الأول: أن المعنى ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أي: لا مزيد على ما فيَّ، و(هل) تأتي لاستفهام النفي كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر:3]؛ أي: ما من خالق، وعلى هذا فتكون النار امتلأت، إذا قالت: لا مزيد على ذلك فالمعنى أنها امتلأت.

القول الثاني: (هل) للطلب؛ أي: تطلب الزيادة. وإذا اختلف العلماء في التفسير أو غير التفسير فالمرجع إلى ما قاله الله ورسوله، فلننظر أي القولين أولى بالصواب؟

ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «لا تزال جهنم يُلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة عليها قدمه، أو قال: عليها رجله، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط».

فأي القولين أولى بالصواب؟ أنها استفهام طلب؛ أي: تطلب الزيادة ولكن رحمة الله سبقت غضبه يضع عز وجل عليها رجله على الوجه الذي أراد، ثم ينزوي بعضها، ينضم بعضها إلى بعض، وتتضايق، وتقول: لا مزيد على ذلك، أو تطلب ثم ينتهي الموقف، فحقت كلمة الله أنه ملأ جهنم من الجِنة والناس أجمعين.

في الحديث الذي سقته إثبات القَدَم أو الرِّجل لله عز وجل، فهل هو قَدَم حقيقة أم قَدَم بمعنى؟ المقدِّم يعني يضع الرب عز وجل من يقدمهم إلى النار حتى يملأها؟ وهل الرِّجل حقيقة أو الرِّجل بمعنى الطائفة؛ لأنه يقال: رِجل من جراد مثل طائفة من جراد، أيهما أولى؟ الأول يعني: أن المراد رجل حقيقة لله عز وجل، إلا أنها لا تشبه أرجل المخلوقين بأي وجه من الوجوه، نعلم علم اليقين أنها ليست مثل أرجل المخلوقين، من أين علمنا أنها ليست مثل أرجل المخلوقين؟ من أين علمنا أن رجل الله لا تشبه ولا تماثل أرجل المخلوقين؟ مِن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11]. والمقصود من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ هو: تحذير الناس؛ لأن كل واحد منا لا يدري أيكون من حطب جهنم أم يكون ممن نجا منها، نسأل الله أن ينجينا وإياكم منها.

تفسير قوله تعالى: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد...﴾ :

قال عز وجل: ﴿وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق:31]؛ أي: قُرِّبت للمتقين مكاناً غير بعيد ﴿هَذَا﴾ [ق:32] ما تشاهدون من قرب الجنة ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: هذا الذي توعدون، فإن الله تعالى قد وعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنة، وصدق وعده عز وجل، ولكن لمن؟ ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:32] الأواب: صيغة مبالغة من آب يئوب بمعنى: رجع، أي: لكل أواب إلى الله؛ أي: رجاع إليه. ﴿حَفِيظٍ﴾ أي: حفيظ بما أمره الله به، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الله بن عباس: «احفظ الله يحفظك» المعنى: أنه حفيظ لأوامر الله، لا يضيعها ولا يقابلها بكسل وتوانٍ، بل هو نشيط فيها وإذا أذنب في ترك واجب أو فعل محرم، تجده يرجع إلى الله، ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ: فهو أواب رجاع إلى الله تعالى من المعاصي إلى الطاعات، وكذلك حفيظ: حافظ لما أمر الله به، محافظ عليه قائم به ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:32].

تفسير قوله تعالى: ﴿من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب﴾ :

قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:33]. (مَنْ) هذه بدل مما سبقها. ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ أي: خافه عن علم وبصيرة؛ لأن الخشية لا تكون إلا بعلم، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:28]. فهي خشية؛ أي: خوف ورهبة وتعظيم لله عز وجل؛ لأنها صادرة عن علم.

وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ لها معنيان:

المعنى الأول: أنه خشي الرحمن مع أنه لم يره، لكن رأى آياته الدالة عليه.

والمعنى الثاني: خشيه بالغيب؛ أي: بغيبته عن الناس، يخشى الله وهو غائب عن الناس؛ لأن من الناس من يخشى الله إذا كان بين الناس، وأما إذا انفرد فإنه لا يخشى الله، مثل من؟ المرائي، المنافق، إذا كان مع الناس تجده من أحسن الناس خشية، وإذا انفرد لا يخشى الله. كذلك أيضاً من الناس من يكون عنده خشية ظاهرية لكن القلب ليس خاشياً لله عز وجل، فيكون بالغيب؛ أي: بما غاب عن الناس، سواء عمله في مكان خاص، أو ما غاب عن الناس في قلبه، فإن خشية القلب هي الأصل. وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ؛ أي: جاء يوم القيامة بقلب منيب؛ أي: رجَّاع إلى الله عز وجل؛ أي: أنه مات وهو منيب إلى الله، فهو كقوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]. المعنى: أنه بقي على الإنابة والرجوع إلى الله عز وجل إلى أن مات، إلى أن لقي الله؛ لأن الأعمال بالخواتيم، نسأل الله أن يختم لنا ولكم بالخير.

تفسير قوله تعالى: ﴿ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود﴾ :

ثم قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق:34]. ادخلوها أمر، هل هو أمر إلزام أم أمر إكرام؟ أمر إكرام؛ لأن الآخرة ما فيها تكليف وإلزام، بل إما إكرام وإما إهانة، فقوله تعالى في المجرمين: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر:72]. هذا أمر إهانة.

وقوله للمؤمنين هنا: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ هذا أمر إكرام. وقوله: بِسَلامٍ : (الباء) هنا للمصاحبة، المعنى: دخولاً مصحوباً بسلام، سلام من ماذا ؟ سلام من كل آفة، أصحاب الجنة سالمون من الأمراض، وسالمون من الهرم، وسالمون من الموت، وسالمون من الغل، وسالمون من الحسد، وسالمون من كل شيء، كل شيء تُذكر فيه السلامة فأهل الجنة سالمون.

﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ أي: هذا اليوم ﴿يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ أي: اليوم الذي لا هلاك بعده، خلود دائم سرمدي لا نهاية له.

تفسير قوله تعالى: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ :

قال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ [ق:35]؛ أي: لهؤلاء المتقين، ما يشاءون فيها؛ أي: في الجنة. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ أي: مزيد على ما يتمنون ويشاءون؛ لأن الإنسان بحكمه مخلوق يعجز عن أن يستقصي كل شيء، وتنقطع أمنيته بحيث لا يدري ما يتمنى، لكن هؤلاء أهل الجنة كل ما يشتهون فيها فإنه موجود، طَيِّبٌ، لو اشتهى الإنسان ثمرة معينة كرمان، أو عنب، أو ما أشبه ذلك، هل يجدها؟ يجدها، في أي وقت؟ في أي وقت، كل شيء يشتهيه الإنسان ويطلبه فإنه موجود لا يمتنع، بل قال الله عز وجل: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ أي: نعطيهم فوق ما يشتهون ويتمنون، ومن الزيادة: النظر إلى وجه الله عز وجل.

ولهذا استدل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم بهذه الآية على إثبات رؤية الله عز وجل، وقال: إن هذه الآية: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:26].

نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم منهم، وأن يرزقنا النظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.