تفسير آيات من سورة (ق)
مدة الملف
حجم الملف :
3818 KB
عدد الزيارات 1811

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا هو اللقاء الخامس والثلاثون بعد المائة من اللقاءات الأسبوعية التي يعبر عنها بـ(لقاء الباب المفتوح) التي تتم كل يوم خميس، وهذا هو الخميس الرابع عشر من شهر جمادى الأولى عام (1417هـ). وقبل أن نبتدئ في هذا اللقاء أود أن أنبه إلى أن الأسبوع القادم ليس فيه لقاء؛ لأن عندي شغل.

ونبتدئ هذا اللقاء بالكلام على ما تيسر من تفسير سورة ق، والآية هي قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ۞ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ۞ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:19-21].

تفسير قوله تعالى: ﴿وجاءت سكرة الموت ....﴾ :

قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ [ق:19]. السكرة هنا هي: تغطية العقل، كالإغماء ونحوه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن للموت سكرات» وعلى هذا فيكون قوله: ﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ مفرداً مضافاً، فيشمل الواحدة أو أكثر. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ أي: أن الموت حق كما جاء في الحديث: «الموت حق، والجنة حق، والنار حق». فهي تأتي بالحق، وتأتي أيضاً بحق اليقين، فإن الإنسان عند الموت يشاهِد ما تُوُعِّد به وما وُعِدَ به؛ لأنه إن كان مؤمناً بُشِّر بالجنة، وإن كان كافراً بُشِّر بالنار، أعاذنا الله وإياكم منها.

﴿ذَلِكَ أي: الموت. ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ اختلف المفسرون في (مَا) هل هي نافية؟ فيكون المعنى: ذلك الذي لا تحيد منه، ولا تنفك منه، أم أنها موصولة؟ والمعنى: ذلك الذي كنت تحيد منه، ولكن لا مفر منه.

فعلى الأول: يكون معنى الآية: ذلك الذي لا تحيدون منه، بل لابد منه، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:8]. وتأمل يا أخي ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ولم يقل: فإنه مدرككم، وما ظنك بشيء تفر منه وهو يلاقيك، إن فرارك منه يعني دنوك منه في الواقع، لو كنت فاراً من شيء وهو يقابلك، فكلما أسرعت في الجري أسرعت في ملاقاته، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ في الآية الثانية: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:78] لأنه ذكر في هذه الآية الثانية أن الإنسان مهما كان في تحصنه فإن الموت سوف يدركه على كل حال. هنا يقول: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:19]؛ يعني: ذلك الذي لا محيد لك عنه.

المعنى الثاني في (مَا): أن تكون موصولة؛ أي: ذلك الذي كنت تحيد منه وتفر منه في حياتك قد وصلك وأدركك، وعلى كل حال ففي الآية التحذير من التهاون بالأعمال الصالحة، والتكاسل عن التوبة، وأن الإنسان يجب أن يبادر؛ لأنه لا يدري متى يأتيه الموت.

تفسير قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد﴾

ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:20]. النافخ في الصور هو: ملك وكَّلَه الله تعالى به يسمى: إسرافيل.

والنفخ في الصور نفختان: الأولى: نفخة الصعق: فيسبقها فزع، ثم صعق. والثانية: نفخة البعث: وبينهما أربعون، وقد سئل أبو هريرة راوي الحديث: ما المراد بالأربعين؟ فقال: "أَبَيْتُ" أي: إني لا أدري ما المراد بالأربعين التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم.

المهم أن المراد بقوله هنا: ﴿ونفخ في الصور النفخة الثانية، بدليل قوله: ﴿ذلك يوم الوعيد﴾ وهذا يعني أنه بهذه النفخة صار يوم القيامة الذي هو يوم الوعيد.

فإن قال قائل: يوم القيامة يوم وعيد ويوم وعد، وعيد لمن؟ للكفار. ووعد لمن؟ للمؤمنين. فلماذا ذكر الله تعالى هنا الوعيد دون الوعد؟ لأن السورة كلها مبدوءة بتكذيب المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام فناسَبَ أن يُغَلَّب فيها جانب الوعيد ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ۞ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق:1-2] إلى آخره، فكان من الحكمة أن يُذْكَر الوعيد دون الوعد، ومع ذلك فقد ذكر الله تعالى أصحاب الجنة فيما بعد؛ لأن القرآن مَثانٍ.

تفسير قوله تعالى: ﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾ :

ثم قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:21]. ﴿وَجَاءَتْ يعني: يوم القيامة. ﴿كُلُّ نَفْسٍ أي: كل إنسان، وكل بشر، ويحتمل أن يكون المعنى: كل نفس من بني الإنسان ومن الجن أيضاً ممن يُلزمون بالشرائع؛ لأننا إن نظرنا إلى السياق وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:16]. قلنا: المراد بالنفس هنا: نفس الإنسان، وإذا نظرنا إلى أن الشرائع تلزم الجن كما تلزم الإنس، وأن الجن يحشرون يوم القيامة ويدخل مؤمنهم الجنة وكافرهم النار قلنا: إن هذا عام، فالله أعلم بما أراد.

﴿مَعَهَا سَائِقٌ يسوقها، ﴿وَشَهِيدٌ﴾ يشهد عليها بما عملت؛ لأن هؤلاء الملائكة عليهم الصلاة والسلام قد وكلوا بكتابة أعمال بني آدم، من خير وشر، وكما سبق أنهم يكتبون كل شيء من الخير، والشر، واللغو، لكن لا يحاسَب الإنسان إلا على الخير أو الشر.

تفسير قوله تعالى: ﴿لقد كنت في غفلة من هذا ...﴾

ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:22]. كُنْتَ الخطاب للإنسان، وفيه ما يسمى بالالتفات، والالتفات معناه: أن ينتقل الإنسان في أسلوبه، من خطاب إلى غَيبة أو من غَيبة إلى خطاب، أو من تكلُّم إلى غَيبة، المهم أن تختلف الضمائر، وفائدة ذلك الالتفات: أنه يشد ذهن السامع، فبينما الكلام على نسق واحد إذا به يختلف، انظر إلى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [المائدة:12]. وبعده ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ [المائدة:12] ولم يقل: وبعث، وانظر إلى الفاتحة التي نقرأها كل يوم في كل ركعة من صلواتنا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۞ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۞ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:1-3] بعده؟ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:5] ولم يقل: إياه نعبد، وسياق الآيات للغائب، الحمد لله ليس هو للمخاطب، فما قلتَ: الحمد لك يا رب. فالمهم أن الالتفات أسلوب من أساليب اللغة العربية وفائدته: شد ذهن السامع لما يلقى إليه من الكلام. ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ وكما تعلمون أن الجملة هنا مؤكدة بثلاث مؤكدات ﴿لَقَدْ كُنْتَ وهي كثيرة الوقوع في القرآن دائماً: (لقد كنتَ) (لقد كان) (لقد جاء) هذه الجملة يقول العلماء: إنها مؤكدة بثلاث مؤكدات: الأول: القَسَم. والثاني: اللام. والثالث: قد. إذاً التقدير: والله لقد كنت في غفلة من هذا، وهنا نطرح سؤالاً: أليس خبر الله تعالى حقاً وصدقاً سواء أُكِّد أم لم يؤكد؟ بلى ولاشك، لكن ما دام القرآن نزل باللسان العربي، فإنه لابد أن يكون التأكيد في موضعه وعدم التوكيد في موضعه؛ لأن المقصود أن يكون هذا القرآن في أعلى مراتب البلاغة ﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ [ق:22]؛ أي: أيها الإنسان. ﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:22] أي: كنتَ غافلاً عن هذا اليوم، ساهٍ في الدنيا، كأنك خُلِقْتَ لها. ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [ق:22] يعني: هذا اليوم كُشِف الغطاء وبان الخفي واتضح كل شيء. ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:22] أي: قوي بعد أن كان في الدنيا أعشى أعمى غافلاً، لكن يوم القيامة ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ [آل عمران:30] يتبيَّن كل شيء.

نسأل الله تعالى أن يحسن لنا ولكم الخاتمة والعاقبة، وأن يحشرنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.