تفسير آيات من سورة الحجرات
مدة الملف
حجم الملف :
4444 KB
عدد الزيارات 1165

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،وأسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا هو اللقاء الخامس والعشرون بعد المائة من اللقاء المسمى بـ(لقاء الباب المفتوح) الذي يتم في كل خميس من كل أسبوع. وهذا الخميس هو الثالث عشر من شهر محرم عام (1417هـ) نتكلم فيه على آيات من سورة الحجرات.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:13]. الخطاب هنا مُصَدَّر بنداء الناس عموماً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مع أن أول السورة وُجِّهَ الخطاب فيه للذين آمنوا، وسبب ذلك: أن هذا الخطاب في الآية التي نحن بصدد الكلام عليها مُوَجَّهٌ لكل إنسان؛ لأنه يقع التفاخر بالأنساب والأحساب من كل إنسان، فيقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ والخطاب للمؤمن والكافر، والبَر والفاجر. ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ :- مِنْ ذَكَرٍ : هو آدم وَأُنْثَى: هي حواء، هذا هو المشهور عند علماء التفسير، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالذكر والأنثى هنا الجنس، يعني: أن بني آدم خلقوا من هذا الجنس: من ذكر وأنثى.

وفي الآية دليل على أن الإنسان يتكوَّن من أبيه وأمه، أي: يُخْلَق من الأم والأب، ولا يعارض هذا قول الله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ۞ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ۞ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:5-7] وذلك لأنا إن قلنا: إن المراد بالصُّلب: صلب الرجل، والترائب: ترائب المرأة، فلا إشكال، وإن قلنا بالقول الراجح: إن الصلب والترائب وصفان للرجل؛ لأن الماء الدافق هو: ماء الرجل، أما المرأة فلا يكون ماؤها دافقاً، وعلى هذا فيكون الإنسان مخلوقاً من ماء الرجل، لكن ماء الرجل وحده لا يكفي، لا بد أن يتصل بالبويضة التي يفرزها رحم المرأة فيزدوج هذا بهذا ويكون الإنسان مخلوقاً من الأمرين جميعاً، أي: من أبيه وأمه.

﴿خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ إذاً: ذكر وأنثى يحتمل أن يكون المراد بهما شخصين معينين، وهما: آدم وحواء، أو أن المراد الجنس، أي: الذكر من بني آدم والأنثى من بني آدم، وعلى هذا التقدير -أي: على التفسير الثاني- يُشْكِل أن الله تعالى ذكر في آيات أخرى أن الإنسان خُلِق من ماء دافق وهو ماء الرجل، والجواب عنه: أن يقال: إن هذا الماء الدافق لا يمكن أن يتكون منه جنين لوحده، بل لا بد أن يتصل بالبويضة التي يفرزها رحم المرأة، وحينئذ يكون مخلوقاً من ذكر وأنثى.

قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً﴾ [الحجرات:13] أي: صيرناكم شعوباً وقبائل. فالله جعل بني آدم شعوباً وهم أصول القبائل، وَقَبَائِلَ وهم ما دون الشعوب، فمثلاً: بنو تميم يُعْتَبرون شعباً، وأفخاذ بني تميم المتفرعون من الأصل يسمَّون قبائل، ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ﴾ . ما هي الحكمة؟ هل الحكمة من هذا الجَعْل أن يتفاخر الناس بعضهم على بعض فيقول هذا الرجل: أنا من قريش، وهذا يقول: أنا من تميم، وهذا يقول: أنا من كذا، أنا من كذا؟ لا ليس هذا المراد، المراد التعارف، أن يعرف الناس بعضهم بعضاً، إذ لولا هذا الذي صيره الله عز وجل ما عُرِف الإنسان من أي قبيلة هو، ولهذا كان من كبائر الذنوب أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه؛ لأنه إذا انتسب إلى غير أبيه غَيَّر هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهو أنهم شعوب وقبائل من أجل التعارف، فيقال: هذا فلان بن فلان بن فلان إلى آخر الجد الذي كان أباً للقبيلة، ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ أي: لا لتفاخروا بالأحساب والأنساب.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13]: ليس الكرم بأن يكون الإنسان من القبيلة الفلانية، أو من الشعب الفلاني، الكرم هو: التقوى، وليس الكرم الذي هو كرم حقيقة إلا الكرم عند الله عز وجل، كرم الإنسان عند بني جنسه كَرَمٌ لا شك، ويُحْمَد عليه الإنسان إذا ابتغى به وجه الله؛ لكن الكرم الحقيقي النافع هو الكرم عند الله، وبأي شيء يكون؟ بالتقوى، كلما كان الإنسان أتقى لله كان عند الله أكرم، فإذا أحببتَ أن تكون كريماً عند الله عز وجل فعليك بتقوى الله عز وجل فكلها خير، كلها بركة، كلها سعادة في الدنيا والآخرة ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ۞ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:62-63].

وما أكثر ما تَرِدُ على أسماعنا كلمة التقوى، فما هي التقوى؟ هل هي لفظ يجري على الألسن ويمر بالآذان؟ لا، يجب أن يكون لفظاً عظيماً موقراً معظماً محترماً.

التقوى: أن تقوم بطاعة الله عز وجل، هذه هي التقوى، ابحث هل أنت قائم بطاعة الله؟! فأنت مُتَّقٍ، هل أنت مخالف؟! فأنت غير مُتَّقٍ، ويفوت الإنسان من التقوى بقدر ما خالف فيه أمر الله ورسوله.

التقوى إذاً: طاعة الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فإذا رأينا إنساناً يتقدم إلى المسجد ويصلي مع الجماعة، ويخشع في صلاته ويؤديها بكل فضيلة، وآخر بالعكس يصلي في بيته وصلاةً يقتصر فيها على الواجب، أيهما أتقى لله؟ الأول أتقى، إذاً: فهو أقرب عند الله، حتى لو كان مولىً من الموالي أو مولى الموالي، والآخر من أرفع الناس نسباً فإن الأتقى لله هو الأكرم عند الله عز وجل، كل إنسان يحب أن يُحْظَى عند السلطان في الدنيا وأن يكون أقرب الناس إليه، فكيف لا نحب أن نكون أقرب الناس إلى الله عز وجل وأكرمهم عنده؟! المسألة هوىً، وشيطان، وإلا لكان الأمر واضحاًـ عليك بتقوى الله عز وجل لتنال الكرم عند اللهـ نستغفر الله ونتوب إليه.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:13]: (عَلِيمٌ) بكل شيء؛ لأنه هنا مطلق، ولم يُقَيَّد بحال من الأحوالـ (خَبِيرٌ) والخبرة هي: العلم ببواطن الأمور، العلم بالظواهر لا شك أنها صفة مدح وكمال، لكن العلم بالبواطن أبلغ، فيكون عليم بالظواهر، خبير بالبواطن، فإذا اجتمع العلم والخبرة صار هذا أبلغ في الإحاطة، وقد يقال: إن الخبرة لها معنى زائد على العلم؛ لأن الخبير عند الناس هو العليم بالشيء الحاذق فيه، بخلاف الإنسان الذي عنده علم فقط، ولكن ليس عنده حذق فإنه لا يسمى خبيراً، فعلى هذا يكون الخبير متضمناً لمعنىً زائدٍ على العلم.

ثم قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات:14] . الأعراب: اسم جمع لأعرابي، والأعرابي: هو ساكن البادية كالبدوي تماماً، الأعراب افتخروا فقالوا: آمنا، افتخروا بإيمانهم، فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:14]:

قيل: إن هؤلاء من المنافقين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة:101] والمنافق مسلم، ولكنه ليس بمؤمن. مسلم؛ لأنه مستسلم ظاهراً إذْ أن حال المنافق أنه كالمسلمين، ولهذا لم يقتلهم النبي عليه الصلاة والسلام مع علمه بنفاقهم؛ لأنهم مسلمون ظاهراً لا يخالفون ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة:14].

وقيل: إنهم أعراب وأيضاً منافقون، لكنهم ضعفاء الإيمان، يمشون مع الناس في ظواهر الشرع، لكن قلوبهم ضعيفة، وإيمانهم ضعيف.

فعلى القول الأول يكون قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:14] أنه لم يدخل أصلاً، هذا على القول بأنهم منافقون.

وعلى الثاني: أي: لَمَّا يدخل الإيمان الدخول الكامل المطلق، عندهم إيمان، لكن لم يصل الإيمان إلى قلوبهم على وجه الكمال.

والقاعدة عندنا في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين فإنها تُحْمَل عليهما جميعاً ما لم يتنافيا، فإن تنافيا طُلِب المرجَّح ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني طاعتهم في الظاهر يحمل عليها الإيمان في الباطن ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً لا يَلِتْكُمْ﴾; أي: لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً؛ لأن الله تعالى لا يظلم أحداً ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7-8] أي شيء فإنه موفىً للإنسان، لكن سبحان الله رحمة الله سبقت غضبه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7] ويثاب عليه ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:8] وهل يعاقب؟ قد يعاقب وقد يعفو الله عنه، فالسيئات يمكن أن تمحى والحسنات لا يمكن أن تنقص، ولهذا قال: ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ بعدها: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وسبق معنا هذين الاسمين الكريمين.

ونقتصر على هذا القدر ويأتي إن شاء الله ما يستفاد من هذه الآية؛ لأنه قد حان وقت الأسئلة.