تفسير آيات من سورة الحجرات
مدة الملف
حجم الملف :
6418 KB
عدد الزيارات 1184

الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا هو اللقاء العشرون بعد المائة من اللقاءات التي يعبر عنها بالباب المفتوح والتي تتم كل خميس من كل أسبوع, وهذا هو الخميس الثاني من شهر ذي القعدة عام (1416هـ). نبدأ هذا اللقاء بالكلام بما يسره الله عز وجل من تفسير سورة الحجرات.

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن...): 

قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:12]. تصدير الخطاب بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على العناية به، ولهذا روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه" وإما خبر تحصل به العبرة والاتعاظ، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف:111].

يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ﴾ الظن: هو أن يكون لدى الإنسان احتمالان يترجح أحدهما على الآخر، وهنا عبر الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ ولم يقل: اجتنبوا الظن كله؛ لأن الظن ينقسم إلى قسمين:

1- القسم الأول: ظن خير للإنسان، وهذا مطلوب أن تظن بإخوانك خيراً ما داموا أهلاً لذلك، وهو المسلم الذي ظاهره العدالة، فإن هذا يظن به خيراً، ويثنى عليه بما ظهر لنا من إسلامه وأعماله.

2- القسم الثاني: ظن السوء، وهذا يحرم بالنسبة للمسلم الذي ظاهره العدالة، فإنه لا يحل لأحد أن يظن به ظن السوء، كما صرح بذلك العلماء فقالوا رحمهم الله: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة.

والثاني: ظن سوء بمن قامت القرينة على أنه أهلٌ لذلك، فهذا لا حرج على الإنسان أن يظن السوء به، ولهذا من الأمثال المضروبة المشهورة السائرة: احترسوا من الناس بسوء الظن، ولكن هذا ليس على إطلاقه كما هو معلوم، وإنما المراد: احترسوا من الناس الذين هم أهل لظن السوء فلا تثقوا بهم.

المهم أن الإنسان لا بد أن يقع في قلبه شيء من الظن بأحد من الناس، بقرائن تحتف بذلك: إما لظهور علامات في وجهه، يظهر من وجهه العبوس، والكراهية لمقابلته، أو ما أشبه ذلك، أو من أحواله التي يعرفها الإنسان منه، أو من أقوال تصدر منه، فيظن به ظن السوء، وهذا إذا قامت القرينة على وجوده فلا حرج على الإنسان من أن يظن به ظن السوء.

فإذا سئل: أيهما أكثر: الظن المنهي عنه أو الظن المباح؟ قلنا: الظن المباح أكثر؛ لأنه يشمل نوعاً كاملاً من أنواع الظن، وهو ظن الخير، ويشمل كثيراً من ظن السوء؛ لأنه إذا لم يكن هناك قرينة تدل على هذا الظن السيئ فإنه لا يجوز للإنسان أن يتصف بهذا الظن، ولهذا قال: ﴿كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ ولم يقل: أكثر الظن ولا كل الظن، بل قال: ﴿كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾). ثم قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وقد توحي هذه الجملة بأن أكثر الظن ليس بإثم، وهو منطبق تماماً على ما بيناه وقسمناه أن الظن نوعان: ظن خير، وظن سوء، ثم ظن السوء لا يجوز إلا إذا قامت القرينة على وجودها، ولذا قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ فما هو الظن الذي ليس بإثم؟ هو ظن الخير، وظن السوء الذي قامت عليه القرينة هذا ليس بإثم؛ لأن ظن الخير هذا هو الأصل، وظن السوء الذي قامت عليه القرينة هذا أيضاً عينته القرينة.

تفسير قوله تعالى: (ولا تجسسوا): 

قال تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:12] التجسس: طلب المعايب من الغير، أي: أن الإنسان ينظر، ويتنصت، ويتسمع؛ لعله يسمع شراً من أخيه، أو لعله ينظر سوءاً من أخيه، والذي ينبغي للإنسان أن يعرض عن معايب الناس، وألا يحرص على الاطلاع عليها، ولهذا روي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا يخبرني أحد عن أحد شيئاً» -أي: شيء مما يوجب ظن السوء- «فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» فلا ينبغي للإنسان أن يتجسس، بل يأخذ الناس على ظاهرهم ما لم يكن هناك قرينة تدل على خلاف ذلك الظاهر.

وفي هذه الجملة من الآية قراءة أخرى: (تحسسوا) فقيل معناهما واحد، وقيل: لكل واحدة منهما معنى.

فالتجسس: أن يحاول الإنسان الاطلاع على العيب بنفسه. والتحسس: أن يلتمسه من غيره، فيقول للناس -مثلاً-: ماذا تقولون في فلان؟ وعلى هذا فتكون القراءتان مبينتين لمعنيين كليهما مما نهى الله عنه.

التجسس: أن يحاول الاطلاع على معايب الناس بنفسه. والتحسس: أن يحاول الاطلاع على معايب الناس من غيره، فيقول -مثلاً-: ما تقولون في فلان، أو ما سمعتم عن فلان، يطلب بذلك معايبه، لما في هذا من إشغال النفس بمعايب الآخرين، وكون الإنسان ليس له هم إلا أن يطلع على المعايب، ولهذا من ابتلي بذلك -أي: بالتجسس أو بالتحسس- تجده في الحقيقة قلقاً دائماً في حياته، وينشغل بعيوب الناس عن عيوبه، ولا يهتم بنفسه.

وهذا يوجد كثيراً من بعض الناس الذين يأتون إلى فلان وإلى فلان: ما تقول في كذا، وما تقول في كذا، فتجد أوقاتهم ضائعة بلا فائدة، بل ضائعة بمضرة؛ لأن ما وقعوا فيه فهو معصية لله عز وجل.

هل أنت وكيل عن الله عز وجل تبحث عن معايب عباده؟ العاقل هو الذي يتحسس عن معايب نفسه ليصلحها، لا أن ينظر إلى معايب الغير ليشيعها والعياذ بالله، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[النور:19]. هذه آداب وتوجيه من الله عز وجل إلى الأخلاق الفاضلة، أخلاق مأمور بها، وأخلاق منهي عنها.

تفسير قوله تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضاً): 

قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:12] الغيبة فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ذكرك أخاك بما يكره» وهذا تفسير من الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أعلم الناس بمراد الله تبارك وتعالى في كلامه «ذكرك أخاك بما يكره» سواء كان ذلك في خلقته، أو في خلقه، أو أحواله، أو عقله، أو في ذكائه، أو غير ذلك.

المهم أن تذكره بما يكره، سواء في خلقته مثل أن تقول: فلان قبيح المنظر، دميم، وفيه كذا وكذا، تريد معايب جسمه.

أو في خُلُقه كأن تقول: فلان أحمق، سريع الغضب، سيئ التصرف، وما أشبه ذلك.

أو في خلقته الباطنة كأن تقول: فلان بليد، فلان لا يفهم، فلان سيئ الحفظ، وما أشبهها.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم حدها بحد واضحٍ بين: «ذكرك أخاك بما يكره» قالوا: يا رسول الله أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته, وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» أي: جمعت بين البهتان والغيبة. وعلى هذا فيجب الكف عن ذكر الناس بما يكرهون، سواء كان ذلك فيهم أو ليس فيهم.

واعلم أنك إذا نشرت عيوب أخيك فإن الله سيسلط عليك من ينشر عيوبك، جزاء وفاقا، لا تظن الله غافلاً عما يعمل الظالمون، بل سيسلط عليه من يعامله بمثل ما يعامل الناس، لكن إذا كانت الغيبة للمصلحة فلا بأس بها ولا حرج فيها، ولهذا لما جاءت فاطمة بنت قيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستشيره في رجال خطبوها، بين معايب من يرى أن فيه عيباً، فقد خطبها ثلاثة: معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، و أبو جهم بن الحارث، و أسامة بن زيد، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فضراب للنساء، أنكحي أسامة بن زيد» فذكر النبي صلى الله عليه وسلم عيباً في هذين الرجلين؛ للنصيحة وبيان الحق، ولا يعد هذا غيبة بلا شك.

ولهذا لو جاء إنسان يستشيرك في معاملة رجل قال: فلان يريد أن يعاملني ببيع، أو شراء، أو إجارة، أو تريد تزويج من خطب ابنته، أو ما أشبه ذلك، وأنت تعرف فيه عيباً، فإن الواجب عليك أن تبين له ذلك، ولا يعد هذا كما يقول العامة: من قطع الرزق، بل هو من بيان الحق، فإذا عرفت أن في هذا الرجل الذي يريد أن يعامله هذا الشخص ببيع أنه مماطل كذاب محتال فقل له: يا أخي لا تبع لهذا إنه مماطل، إنه محتال، إنه كذاب، ربما يدعي أن في السلعة عيباً وليس فيها عيب، وربما يدعي الغبن وليس مغبوناً، وما أشبه ذلك،فتقع معه في صراع ومخاصمة.

إنسان جاء ليستشيرك في شخص خطب منه ابنته، والشخص ظاهره العدالة، والاستقامة، وحسن الخلق، ولكنك تعرف فيه خصلة معيبة فيجب عليك أن تبين هذا.

مثلاً: تعرف أن في هذا الرجل كذباً، تعرف أنه يشرب دخاناً لكنه يجحده ولا يبينه للناس، يجب أن تبين وتقول: هذا الرجل ظاهره أنه مستقيم وخلوق وطيب ولكن فيه العيب الفلاني، حتى لو كان هذا متجهاً إلى أن يزوجه بين له العيب، ثم هو بعد ذلك بالخيار؛ لأنه سيدخل على بصيرة.

فعلى كل حال: يستثنى من الغيبة: إذا كان على سبيل النصيحة، وذكرنا دليل ذلك من السنة، فهل هناك دليل من عمل العلماء؟ نعم هناك دليل: ارجع إلى كتب الرجال -مثلاً- تجده مثلاً يقول: فلان بن فلان سيء الحفظ، فلان بن فلان كذوب، فلان بن فلان فيه كذا وكذا، فيذكرون ما يكره من أوصافه؛ نصيحة لله ورسوله.

فإذا كان الغرض من ذكر أخيك بما يكره النصيحة فلا بأس.

كذلك لو كان الغرض من ذلك: التظلم والتشكي فإن ذلك لا بأس به، مثل: أن يظلمك الرجل، وتأتي إلى شخص يستطيع أن يزيل هذه المظلمة فتقول: فلان أخذ مالي، فلان جحد حقي، وما أشبه ذلك فلا بأس، فإن هند بن عتبة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي زوجها أبا سفيان، تقول: "إنه رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي" فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فذكرت وصفاً يكرهه أبو سفيان، ولكنه من التظلم والتشكي، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:148] أي: فله أن يجهر بالسوء من القول لإزالة مظلمته.

ولكن هل يجوز مثل هذا إذا كان قصد الإنسان أن يخفف عليه وطأة الحزن والألم الذي في قلبه؟ بحيث يحكي الحال التي حصلت على صديق له، صديقه لا يمكن أن يزيل هذه المظلمة لكنه يفرج عنه، أم لا يجوز؟ الظاهر أنه يجوز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ وهذا يقع كثيراً.

كثيراً ما يؤذى الإنسان، ويجنى عليه، بجحد مال، أو أخذ مال، أو ما أشبه ذلك، فيأتي الرجل إلى صديقه ويقول: فلان قال في كذا، قال في كذا، يريد أن يبرد ما في قلبه من الألم والحسرة، أو يتكلم في ذلك مع أولاده، أو مع أهله، أو مع زوجته، أو ما أشبه ذلك، هذا لا بأس به؛ لأن الظالم ليس له حرمة بالنسبة للمظلوم.