تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا)
مدة الملف
حجم الملف :
1468 KB
عدد الزيارات 2617

السؤال:

قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف:24] في سورة يوسف، ما هو هذا الهم من يوسف عليه الصلاة والسلام؟ وما هو القول الصحيح في ذلك؟ وما معنى قوله:﴿ بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:24] ما المقصود بهذا البرهان؟

الجواب:

المفسرون رحمهم الله يذكرون تفسير هذه الآية في أشياء غريبة، بعيدة عن دلالة اللفظ، وإذا قرأنا الآية والتي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ﴾ [يوسف:23] (راودته)؛ أي: حاولت أن يفعل بها ما تريد: ﴿وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:23] أي: أقبل، تعال: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:23] أي: أستعيذ بالله: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:23] يعني: الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:23] يعني: لو فعلت فأنا ظالم والظالم لا يفلح.

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:24] تصوروا أن رجلاً شاباً غُلِّقت الأبواب بينه وبين الناس وراودته عن نفسه امرأة من أجمل النساء، وهي في نفس الوقت سيدته لها السيطرة عليه، ماذا يكون؟ سوف يكون الهم؛ لأن الإنسان بشر، ولهذا قال: ﴿لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾[يوسف:24] فما هو البرهان؟ البرهان ما في قلبه من النور والإيمان الذي حال بينه وبين هذا الذي طلبته المرأة، وهذا يدل على كمال عفته عليه الصلاة والسلام، وعلى كمال تقديم ما يرضي الله على ما يهواه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إله ظله». وذكر منهم: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله»  أن يدعى رجل إلى فعل الفاحشة في مكان لا يطلع عليه إلا الله ثم يقول: إني أخاف الله، هل هذه منقبة أو مثلبة؟ منقبة، إذاً هي منقبة ليوسف عليه الصلاة والسلام أن ترك هذا الأمر لله مع قوة الداعي وانتفاء المانع، فلا يوجد ما يمنعه، والداعي في حقه قوي؛ لأنه رجل شاب ومع ذلك ترك هذا لله.

﴿لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:24] ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:24] الأمر كان كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخْلصين، أما قول بعضهم: إنها همت به لفعل الفاحشة وهم أن يضربها فهذا غلط؛ لأنه لو ضربها في هذه الحال، هل يقال: إن الله صرف عنه السوء والفحشاء؟ ضرب هذه المجرمة قد يكون بحق، فعلى كل حال الآية واضحة، وتدل على كمال عفة يوسف عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي جرى منه يعتبر منقبة عظيمة له، وقد جعله النبي عليه الصلاة والسلام من الأعمال التي يظل الله بها من عملها يوم لا ظل إلا ظله.