تفسير آيات من سورة الحجرات
مدة الملف
حجم الملف :
4530 KB
عدد الزيارات 1140

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء العاشر بعد المائة من اللقاءات الأسبوعية التي تتم في كل يوم خميس، وهذا هو الخميس الثامن من شهر رجب عام (1416هـ).

تفسير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي:

نتكلم فيه أولاً: على ما تيسر بما بدأنا به من سورة الحجرات، فقد تكلمنا على قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:1] وهذا أدب عظيم، وجه الله عباده إليه، أما الأدب الثاني ففي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:2].

في الآية الأولى النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله في أي شيء، سواء من الأقوال أو الأفعال أو غيرها، وبينَّا على أي شيء تدل الآية فيما سبق، أما الثانية فهي في رفع الصوت وإن لم يكن هناك تقدم في الأحكام من تحليل أو تحريم أو إيجاب، يقول الله -عز وجل-: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ فإذا خاطبك النبي -صلى الله عليه وسلم- بصوت فاخفض صوتك عن صوته، وإذا رفع صوته فارفع صوتك لكن لا بد أن يكون دون صوت الرسول -عليه الصلاة والسلام-؛ ولهذا قال: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ أي: لا تنادونه بصوت مرتفع كما ينادي بعضكم بعضاً، بل يكون جهراً بأدب وتشريف وتعظيم يليق به -صلى الله عليه وسلم-.

وهذا كقوله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور:63] أي: إذا دعاكم لشيء فلا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم لبعض، إن شئتم أجبتم وإن شئتم فلا تجيبوا، بل يجب عليكم الإجابة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:24] وهنا قال: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:2] كذلك أيضاً: لا تنادونه بما تتنادون به، فلا تقولون: يا محمد! ولكن قولوا: يا رسول الله! يا نبي الله! وما أشبه ذلك.

﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي: كراهة أن تحبط أعمالكم، أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت فوق صوته وعن الجهر له بالقول كجهر بعضكم لبعض كراهة أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون، ففي هذا دليل على أن الذي يرفع صوته فوق صوت النبي -صلى الله عليه وسلم- أو يجهر له بالقول كجهره لبعض الناس فيه أنه قد يحبط عمله من حيث لا يشعر؛ لأن هذا قد يجعل في قلب المرء استهانة بالرسول -صلى الله عليه وسلم-، والاستهانة بالرسول ردة عن الإسلام توجب حبوط العمل.

ولما نزلت هذه الآية كان ثابت بن قيس بن شماس -رضي الله عنه- جهوري الصوت، وكان من خطباء النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما نزلت هذه الآية تغيب في بيته، وصار لا يحضر مجالس النبي -صلى الله عليه وسلم-، فافتقده الرسول وسأل عنه فأخبروه أنه في بيته منذ نزلت الآية، فأرسل إليه رسولاً يسأله فقال إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:2] وأنه قد حبط عمله، وأنه من أهل النار، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فدعا به، فحضر وأخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه من أهل الجنة، وقال: «أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة؟» قال: بلى رضيت، فقتل -رضي الله عنه- شهيداً في وقعة اليمامة، وعاش حميداً وسيدخل الجنة بشهادة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذلك كان ثابت -رضي الله عنه- ممن يشهد له بأنه من أهل الجنة بعينه؛ لأن كل إنسان يشهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه في الجنة فهو في الجنة، وكل إنسان يشهد أنه في النار فهو في النار.

وأما من لم يشهد له الرسول فنشهد له بالعموم، نقول: كل مؤمن في الجنة، وكل كافر في النار، ولا نشهد لشخص معين بأنه من أهل النار، أو من أهل الجنة، إلا بما شهد له الله ورسوله، وفي هذه الآية الكريمة بيان تعظيم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأنه لا يجوز لإنسان أن يجهر له بالقول كجهره لسائر الناس، وأنه لا يجوز له أن يرفع صوته على صوت الرسول -عليه الصلاة والسلام-.

ولما نزلت هذه الآية تأدب الصحابة -رضي الله عنهم- بذلك حتى كان بعضهم يكلمه مسارةً ولا يفهم الرسول ما يقول من إسراره حتى يستثبته مرة أخرى، وفي هذه الآية أيضاً دليل على أن كل من استهان بأمر الرسول -عليه الصلاة والسلام-، فإن عمله حابط؛ لأن الاستهانة بالرسول -عليه الصلاة والسلام- ردة، والاستهزاء به ردة، كما قال الله تعالى في المنافقين الذين كانوا يستهزءون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:65] وكانوا يقولون ويعنون النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، أي: أوسع، ولا أجبن عند اللقاء، ولا أكذب ألسناً، فأنزل الله هذه الآية، ولما سألهم الرسول -عليه الصلاة والسلام- عن ذلك قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:65] يعني: نتكلم بكلام لا نريده ولكن لنقطع به عنا الطريق، فأنزل الله هذه الآية ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ۞لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:65-66] ولهذا كان الصحيح: أن من سب الرسول -عليه الصلاة والسلام- فهو كافر مرتد، فإن تاب قبلنا توبته لكننا لا نرفع عنه القتل، بل نقتله أخذاً بحق الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وإذا قتلناه بعد توبته النصوح الصادقة صلينا عليه كسائر المسلمين الذين يتوبون من الكفر أو من المعاصي.

تفسير قوله تعالى: إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله:

أثنى الله تعالى على الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات:3] لما نهى عن رفع الصوت فوق صوته، وعن الجهر له بالقول كجهر بعضنا لبعض، أثنى على الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله، أي: يخفضونها، ويتكلمون بأدب، فلا إزعاج ولا صخب ولا رفع صوت، لكن يتكلمون بأدب وغض، قال الله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ ذكر الإشارة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ تعظيماً﴾ لشأنهم، ورفعة لمنزلتهم؛ لأن أولاء من أسماء الإشارة الدال على البعد؛ وذلك لعلو منزلتهم.

وكان الكلام سيتم لو قال: إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لكن أتى باسم الإشارة بياناً لرفعة منزلتهم وعلوها ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ قال العلماء: معناه أخلصها للتقوى، فكانت قلوبهم مملوءة بتقوى الله -عز وجل-، ولهذا تأدبوا بآداب الله الذي وجهها لهم، فغضوا أصواتهم عند الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

ثوابهم ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ مغفرة من الله لذنوبهم، وأجر عظيم على أعمالهم الصالحة، وفي هذه الآية إشارة إلى أن الصلاح صلاح القلب، لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ وكما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح:« التقوى ها هنا» وأشار إلى صدره الذي هو محل القلب ثلاث مرات، ولا شك أن التقوى تقوى القلب، أما تقوى الجوارح وهي إصلاح العمل ظاهراً فهذا يقع حتى من المنافقين.

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:4] لكن الكلام على تقوى القلب، هي التي بها الصلاح، نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم ذلك.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ يفعل بعض الناس المعاصي وإذا أنكرت عليه قال: التقوى هاهنا، كأنه يزكي نفسه، وهو قائم على معصية الله، فنقول له بكل سهولة: لو كان ما هاهنا متقياً لكانت الجوارح متقية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإن فسدت فسد الجسد كله» تجد شخصاً مصراً على معصية ما، كإسبال الثوب وحلق اللحية وشرب الدخان، فتنهاه وتخوفه من عقاب الله، ويقول: التقوى هاهنا، الجواب نقول: لو كان ما هاهنا، أي القلوب: فيه تقوى، لكان ما هاهنا، أي الجوارح: فيه تقوى، الدليل: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».