تفسير أول سورة الحجرات
مدة الملف
حجم الملف :
8476 KB
عدد الزيارات 1206

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإننا في هذا اليوم الخميس الأول من شهر رجب عام (1416هـ) نلتقي مع إخواننا اللقاء المسمى: لقاء الباب المفتوح، وهذا هو اللقاء التاسع بعد المائة، وقد أكملنا في آخر لقاء تفسير جزء عم سورة النبأ، ورأينا أن نعود فنبدأ بتفسير سور المفصل التي تبتدئ من سورة ق عند بعض العلماء أو سورة الحجرات عند آخرين.

تفسير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله:

سنتكلم على سورة الحجرات لما فيها من الآداب العظيمة النافعة التي ابتدأها الله بقوله -تبارك وتعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:1] واعلم أن الله تعالى إذا ابتدأ الخطاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات:1] فإنه كما قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "إما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه، فأرعه سمعك واستمع إليه لما فيه من الخير" وإذا صدر الله الخطاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ دل ذلك على أن التزام ما خوطب به من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، يقول الله -عز وجل-: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:1] قيل معنى: ﴿لا تُقَدِّمُوا ﴾ أي: لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله، والمراد لا تسبقوا الله ورسوله بقول أو بفعل، وقيل: المعنى: لا تقدموا شيئاً بين يدي الله ورسوله، وكلاهما يصبان في مصب واحد، والمعنى: لا تسبقوا الله ورسوله بقول ولا فعل، وقد وقع لذلك أمثلة، فمن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين» لأن الذي يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين كأنه تقدم بين يدي الله ورسوله، فبدأ بالصوم قبل أن يحين وقته، قال عمار بن ياسر: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم-. ومن ذلك -أي: من التقدم بين يدي الله ورسوله-: البدع بجميع أنواعها، فإنها تقدم بين يدي الله ورسوله، بل هي أشد التقدم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, وإياكم ومحدثات الأمور» وأخبر: «أن كل بدعة ضلالة» وصدق -عليه الصلاة والسلام-. فإن حقيقة حال المبتدع أنه يستدرك على الله ورسوله ما فات مما يدعي أنه شر، كأنه يقول: إن الشريعة لم تكمل، وأنه كملها بما أتى به من البدعة، وهذا معارض تماماً لقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:3] فيقال لهذا الرجل الذي ابتدع: أهذا الذي فعلته كمال للدين؟ إن قال: نعم، فإن قوله هذا يستلزم تكذيب قول الله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:3] وإن قال: ليس كمالاً في الدين، قلنا: إذاً هو نقص؛ لأن الله يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:32] فالبدعة كما أنها ضلالة في نفسها فهي في الحقيقة تتضمن الطعن في دين الله، وأنه ناقص، وأن هذا المبتدع كمله بما ادعى أنه من شريعة الله -عز وجل-.

فالمبتدعون كلهم تقدموا بين يدي الله ورسوله ولم يبالوا بهذا النهي، حتى وإن حسن قصدهم فإن فعلهم ضلالة، قد يثاب على حسن قصده ولكنه يوزر على سوء فعله؛ ولهذا يجب على كل مبتدع علم أنه على بدعة أن يتوب منها، ويرجع إلى الله -عز وجل-، ويلتزم سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.

والبدعة أنواع كثيرة: بدع في العقيدة، وبدع في الأقوال، وبدع في الأفعال.

أما البدع في العقيدة فإنها تدور على شيئين:

إما تمثيل، وإما تعطيل.

إما تمثيل: بأن يثبت لله الصفات لكن على وجه المماثلة، فإن هذا بدعة؛ لأنه لم يكن من طريق النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين فيكون بدعة، فمثلاً يثبت لله وجهاً ويجعله مماثلاً لوجه المخلوقين، أو يداً يجعلها مماثلة لأيدي المخلوقين وهلم جراً، هؤلاء مبتدعة لا شك، وبدعتهم تكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:11] ولقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:4] ولقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:65] أما التعطيل: فهو على العكس من هذا، التعطيل: أن ينكر ما وصف الله به نفسه، فإن كان إنكار جحد وتكذيب فهو كفر، وإن كان إنكار تأويل فهو تحريف، وليس بكفر إذا كان اللفظ يحتمله، فإن كان لا يحتمله فلا فرق بينه وبين إنكار التكذيب، مثلاً: لو قال إنسان: إن الله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:64] والمراد باليدين النعمة، نعمة الدين ونعمة الدنيا، أو نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، فهذا تحريف؛ لأن النعمة ليست واحدة ولا ألف ولا ملايين قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:18] فليست النعمة اثنتين لا بالجنس ولا بالنوع، فيكون هذا تحريفاً وبدعة؛ لأنه على خلاف ما تلقاه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وأئمة الهدى من بعدهم، هذا بدعة في العقيدة.

البدعة في الأقوال: مثل أولئك الذين يبتدعون تسبيحات أو تهليلات، أو تكبيرات لم ترد بها السنة، أو يبتدعون أدعية لم ترد بها السنة، وليست من الأدعية المباحة، وأما الأفعال فكذلك أيضاً مثل: الذين يصفقون عند الذكر، أو يهزون رءوسهم عند التلاوة، أو ما أشبه ذلك من أنواع البدع، وكذلك الذين يتمسحون بالكعبة في غير الحجر الأسود والركن اليماني، وكذلك الذين يتمسحون بحجرة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- الشريفة، وكذلك الذين يتمسحون بالمنبر الذي يقال: إنه منبر النبي -صلى الله عليه وسلم- في المسجد النبوي، وكذلك الذين يتمسحون بجدران مقبرة البقيع أو بغير ذلك.

المهم أن البدع كثيرة: العقدية والقولية والفعلية، وكلها من التقدم بين يدي الله ورسوله، وكلها معصية لله ورسوله، فإن الله يقول: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:1] والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «إياكم ومحدثات الأمور».

ومن البدع ما يصنع في رجب كصلاة الرغائب التي تصلى ليلة أول جمعة من شهر رجب وهي ألف ركعة يتعبدون لله بذلك وهذه بدعة لا تزيدهم من الله إلا بعداً؛ لأن كل من تقرب إلى الله بما لم يشرعه فإنه مبتدع ضال، لا يقبل الله منه تعبده لما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة -رضي الله عنها- أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».

ومن التقدم بين يدي الله ورسوله: أن يقول الإنسان قولاً يحكم به بين عباد الله وليس من شريعة الله، مثل أن يقول: هذا حرام، هذا حلال، هذا واجب، هذا مستحب بدون دليل.

فإن هذا من التقدم بين يدي الله ورسوله، وعلى من قال قولاً وتبين له أنه أخطأ فيه أن يرجع إلى الحق، حتى لو شاع القول بين الناس وذاع وانتشر وعمل به من عمل من الناس فالواجب عليه أن يرجع، وأن يعلن رجوعه -أيضاً- كما أعلن مخالفته التي قد يكون معذوراً فيها إذا كانت صادرة عن اجتهاد.

فالواجب الرجوع إلى الحق، فإن تمادى الإنسان في مخالفة الحق فقد تقدم بين يدي الله ورسوله.

تفسير قوله تعالى: واتقوا الله:

ثم قال -عز وجل-: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:1] وهذا تعميم بعد تخصيص؛ لأن التقدم بين يدي الله ورسوله مخالف للتقوى، لكن نص عليه وقدمه لأهميته، ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:1] أي: اتخذوا وقاية من عذاب الله -عز وجل-، وهذا لا يتحقق إلا إذا قام الإنسان بفعل الأوامر وترك النواهي، بفعل الأوامر تقرباًَ إلى الله تعالى ومحبة لثوابه، وترك النواهي خوفاً من عقاب الله -عز وجل-.

ومن الناس من: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:206] فتصاعد في نفسه، وعز في نفسه وأوغل في الإثم، وانتفخت أوداجه، ويقول: أمثلي يقال له: اتق الله؟! وما علم المسكين أن الله خاطب من هو أشرف منه، ومن هو أتقى عباد الله لله فأمره بالتقوى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:1] وفي نفس السورة قال: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:37] ومن الذي لا يستحق أن يؤمر بتقوى الله! كل أحد منا يستحق أن يؤمر بتقوى الله -عز وجل-.

والواجب أنه إذا قيل له: اتق الله أن يزداد خوفاً من الله وأن يراجع نفسه، وأن ينظر ماذا أمر به؛ لأنه لم يؤمر أن يتقي فلاناً وفلاناً، وإنما أُمر أن يتقي الله -عز وجل-، وإذا فسرنا التقوى بذلك، أي: بما قلنا من أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره تقرباً إليه ومحبة لثوابه، وترك نواهيه خوفاً من عقابه، فإن أي إنسان يترك واجباً فإنه لم يتق الله، وقد نقص من تقواه بقدر ما حصل منه من المخالفة.

فترك الصلاة -مثلاً- ترتفع عنه التقوى نهائياً؛ لأن تارك الصلاة كافر، كما دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأقوال الصحابة، حتى إن بعض العلماء حكى إجماع الصحابة: على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة، ومنهم التابعي المشهور عبد الله بن شقيق -رحمه الله- حيث قال: كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.

وكذلك نقل إجماعهم إسحاق بن راهويه، ولم يصح عن أي صحابي أنه قال: إن تارك الصلاة في الجنة، أو إنه مؤمن، أو ما أشبه ذلك. فالتقوى مخالفتها تختلف، قد تكون مخالفتها كفر، وقد تكون دون ذلك.

الزاني لم يتق الله؛ لأنه زنى فخالف أمراً وعصاه، السارق لم يتق الله، شارب الخمر لم يتق الله، العاق لوالديه لم يتق الله، القاطع لرحمه لم يتق الله، والأمثلة على هذا كثيرة.

إذاً فقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:1] كلمة عامة شاملة تشمل كل الشريعة.

تفسير قوله تعالى: إن الله سميع عليم:

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:1] هذه الجملة تحذير لنا أن نقع فيما نهانا عنه من التقدم بين يدي الله ورسوله أو أن نخالف ما أمر به من تقواه.

﴿سَمِيعٌ﴾ أي: سميع لما تقولون ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بما تقولون وما تفعلون؛ لأن العلم أشمل وأعم؛ إذ أن السمع يتعلق بالمسموعات، والعلم يتعلق بالمعلومات، والله تعالى محيط بكل شيء علماً ﴿لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:5].

يقول العلماء -رحمهم الله-: إن السمع الذي اتصف به الرب -عز وجل- ينقسم إلى قسمين: سمع إدراك، وسمع إجابة، فسمع الإدراك معناه: أن الله يسمع كل صوت، خفي أو ظهر، حتى إنه -عز وجل- يقول لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:1] قالت عائشة -رضي الله عنها-: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كنت في الحجرة -أي حجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- والمرأة تجادله وهو يحاورها وإنه ليخفى عليّ بعض حديثها.

والله -عز وجل- أخبر أنه سمع، ويسمع كلما جرى بين هذه المرأة وبين الرسول -صلى الله عليه وسلم-، هذا نقول له: إنه سمع إدراك، ثم إن سمع الإدراك قد يراد به بيان الإحاطة والشمول، وقد يراد به التهديد، وقد يراد به التأييد.

فهذه ثلاثة أنواع: قد يراد به الإحاطة والشمول مثل هذه الآية، وقد يراد به التهديد مثل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران:181] وانظر كيف قال: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ حين وصفوا الله تعالى بالنقص قبل أن يقول: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاء﴾ [آل عمران:181] مما يدل على أن وصف الله تعالى بالنقص أعظم من قتل الأنبياء.

الثالث: سمع يراد به التأييد ومنه قوله -تبارك وتعالى- لموسى وهارون: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:46] فالمراد بالسمع هنا التأييد، أي: أسمع ما تقولان وما يقال لكما، أما سمع الإجابة فمعناه: أن الله يستجيب لمن دعاه، ومنه دعاء إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:39] أي: مجيب الدعاء، ومنه قول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب لمن حمده فأثابه، ولا أدري أنحن ندرك معنى ما نقوله في صلاتنا؟ أم أننا نقوله تعبداً ولا ندري ما المعنى، عندما تقول: الله أكبر في تكبيرة الإحرام، أي: أكبر من كل شيء ولا نحيط بذلك؛ لأنه أعظم من أن تحيط به العقول، وعندما نقول: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب الله لمن حمده، ليس المعنى أنه يسمع فقط؛ لأن الله يسمع من حمده ومن لا يحمده إذا تكلم، لكن المراد أنه يستجيب لمن حمده بالثواب، فهذا السمع يقتضي الاستجابة لمن دعاه.

أما قوله تعالى: ﴿عَلِيم﴾ فالمراد أنه ذو علم واسع قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:12] عندما تؤمن -أيها الأخ- بأن الله سميع وأن الله عليم، هل يمكن وأنت في عقلك الراشد أن تقول ما لا يرضيه؟! لا؛ لأنه يسمع، فلا ينبغي لك أن تسمع الله ما لا يرضاه منك، أسمعه ما يحبه ويرضاه، إذا كنت مؤمناً حقاً بأن الله سميع، لو أن أباك نهاك عن قول من الأقوال فهل تتجرأ أن تسمعه ما نهاك عنه؟ لا، فالله أعظم وأجل، فاحذر أن تسمع الله ما لا يرضاه منك، إذا آمنت بأنه بكل شيء عليم، وهذا أعم من السمع؛ لأنه يشمل القول والفعل وحديث النفس، حتى ما توسوس به نفسك يعلمه -عز وجل-، إذا علمت ذلك هل يمكن أن تفعل شيئاً لا يرضيه؟ لا، لأنه ليس المقصود من إخبار الله أنه عليم بكل شيء أن نعلم هذا ونعتقده، لا، المقصود هذا والمقصود شيء آخر وهو الثمرة والنتيجة التي تترتب على علمنا أنه بكل شيء عليم، إذا علمنا أنه بكل شيء عليم هل نقول ما لا يرضى؟ لا، لأنه سوف يعلمه، إذا علمنا أنه بكل شيء عليم هل نعتقد ما لا يرضى؟ لا، لأننا نعلم أنه يعلم ما في قلوبنا.

قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة:235] بل قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:24] يحول بينك وبين قلبك. فعلى كل حال: يجب علينا -أيها الإخوة- إذا مر بنا اسم من أسماء الله أو صفة من صفات الله، أن نؤمن بهذا الاسم وهذه الصفة، وأن نقوم بما هو الثمرة من الإيمان بهذا الاسم والصفة.

أسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم الاستقامة في ديننا ودنيانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.